السبت – 14-4-2018

بقلم: عوني فرسخ

     في يوم الجمعة الثلاثين من شهر مارس / آذار الماضي أحيى الشعب العربي الفلسطيني الذكرى الثانية والأربعين ليوم الأرض بمسيرات وفعاليات شارك فيها عشرات ألالوف ، ما بين رفح في جنوبي قطاع غزة المحاصر ، وحتى سخنين وعرابة ودير حنا في أقصى شمال الجليل المحتل ، في يوم وطني تاريخي غني بالدلالات الآنية والمؤشرات المستقبلية .

   فالمسيرات والفعاليات لم يجر إحياؤها على أساس الأمر الواقع من تجزئة قائمة بين الأرض المحتلة سنة 1948 وكل من الضفة الغربية وقطاع غزة ، وإنما في عموم فلسطين من نهر الأردن الى البحر الأبيض المتوسط ، ومن الجليل الى النقب مجسدة وحدة التراب الوطني الفلسطيني .

    كما جسدت مسيرات وفعاليات إحياء الذكرى الثانية والأربعين ليوم الأرض وحدة الشعب العربي الفلسطيني إذ شارك فيها من كل الفصائل وقطاع واسع من المستقلين . وقد سار الجميع في حراك وطني واحد ، وتحت علم فلسطين ولا علم سواه . ما عنى بأن العمل الوطني المشترك هو وحده سبيل الوحدة الوطنية الأصدق تعبيرا عن الاستجابة الفاعلة تجاه تحديات الامبريالية الأمريكية وأداتها الصهيونية . بل وهو العاصم من تداعيات الانقسامات والتباينات فيما بين الملتزمين بالممانعة والتصدي والمقاومة خيارا استراتيجيا ، وبين القائلين بالتسوية و”عملية السلام” واعتبارهم “المفاوضات ” المثقلة بالتنازلات  وما ترتب عليها من “تنسيق أمني” مع أجهزة العدو خيارهم التاريخي .

    وكان الجيل الفلسطيني الجديد من الشباب والصبايا هو الأبرز والأفعل في جميع المسيرات والفعاليات في إحياء هذه الذكرى . وهو جيل ما بعد توقيع اتفاق أوسلو ، والذي عاش سنوات انحسار الكفاح المسلح الفصائلي ، وتوقيع اتفاقيات كامب ديفيد ، وأوسلو ، ووادي عربة ، وما ترتب على ذلك في شيوع ثقافة الهزيمة في غالبية الأرض العربية . وأن ينهض هذا الجيل بمهام التصدي للاحتلال الصهيوني في الواقع العربي المأزوم ، ففي ذلك البرهان الصادق على استحالة قهر إرادة الممانعة والتصدي المتجذرة في الثقافة العربية الإسلامية ، وعلى صحة القول بأن العنصرية الصهيونية أبرز خمائر التغيير في الواقع العربي .

    وفي مشاركة غير يسير من شباب وصبايا عرب الأرض المحتلة سنة 1948 دلالة ذات بعدين متكاملين ، هي أولا دلالة فشل كل محاولات ودعوات الأسرلة ، ومفاعيل الممارسات العنصرية الصهيونية خلال العقود السبعة الماضية . وهي ثانيا تؤشر الى محدودية تأثير مشاعر اليأس والإحباط التي شاعت في الأرض المحتلة عقب توقيع اتفاق أوسلو وما انطوى عليه من إهمال القيادة التي أبرمته شأن مواطني الجليل والمثلث والنقب ، كما عبر عن ذلك د. عزيز حيدر في كتابه : الفلسطينينون في إسرائيل في ظل اتفاق اوسلو .

    ومع أن الحشد الجماهيري الأكبر والمعد له مسبقا ، انما كان في قطاع غزة المحاصر ، ولم يتجاوز حدود القطاع مع الكيان الصهيوني في خطوة واحدة ، واتسم بطابعه السلمي بحيث لم يشكل أدنى تهديد لأمن واستقرار المستوطنين في عسقلان وسيدروت وبئر السبع وبقية مستعمرات النقب ، ما يستدعي عملا عسكريا بحجة “الدفاع عن النفس ” . وبرغم ذلك اقترف صناع القرار الاسرائيلي مجزرة بحق المسيرة السلمية موقعين ستة عشر شهيدا ، وما يجاوز الألف والاربعمائة جريح . بفعل الخوف المتجذر في الثقافة اليهودية ، التي لم يتحرر منها القطاع الغالب من المستوطنين على الرغم من التربية الاسبارتية التي انشئوا عليها .

    وبدا هناك إجماع في كل مسيرة على تأكيد عروبة القدس ، والالتزام غير المحدود بالدفاع عما تضمه من مقدسات إسلامية ومسيحية ، والتصدي بحزم لدعوة الرئيس الأمريكي ترامب لاعتبار القدس يهودية وعاصمة أبدية للكيان الصهيوني . كما تجلى الإجماع التام على عدم التفريط بحقوق اللاجئين بالعودة المستحقة لهم . بموجب الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ، الذي يقضي في المادة (12) منه بحق كل انسان بالعودة الى وطنه ، وهو الحق الفلسطيني الذي أكده قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194 لعام 1948 ، والتي كررت الأمم المتحدة تأكيده في أكثر من دورة تالية وما بدا وكأنه استفتاء شعبي فلسطيني مسبق على رفض ما اسماه الرئيس ترامب “صفقة القرن” . ومن هنا ينظر الى رفض الادارة الأمريكية تشكيل مجلس الأمن للجنة تحقيق في المجزرة التي اقترفت بحق قطاع غزة المحاصر تحسبا من تداعيات اشتراك الأمم المتحدة في التحقيق المطلوب .

    ولقد طرح البعض فكرة طلب حماية دولية للفلسطينيين في الأرض المحتلة في حين أن مواطني الأرض العربية المحتلة مشمولون بالحماية الدولية بموجب اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 . فضلا عن الحماية التي تؤمنها إعادة تفعيل الالتزام بالتحرير والعودة الثابت الاساسي فـــي ميثاق منظمة التحرير الفلسطينية كما أقره المجلس الوطني الأول بالقدس في 28/5/1964 .

    ولقد كانت مسيرة يوم الجمعة الثلاثين من شهر مارس / آذار 2018 تشكل في تقديرنا مفصلا تاريخيا في الحراك الوطني الفلسطيني الملتزم بالثوابت الوطنية وخيار المقاومة والرفض المطلق لكل ما انطوى عليه اتفاق أوسلو وما أعقبه من اتفاقيات مست في الصميم الحقوق الفلسطينية المشروعة في قرارات الأمم المتحدة والقانون الدولي ومؤشر واضح على احتمالات المستقبل .