ندوات المركز

مجلة المقاومة العدد التاسع

بتاريخ: 30 سبتمبر, 2012


بسم الله الرحمن الرحيم

 

 
 

هذا العدد

نصرة النبى .. بإعلاء راية المقاومة فى فلسطين !!

 

نقدم فى هذا العدد من (المقاومة) ملفاً شاملاً عن عداء الغرب للإسلام بمناسبة حملة الولايات المتحدة الأمريكية ضد الإسلام ونبيه صلى الله عليه وسلم والتى كان آخر ملفاتها إنتاج وتوزيع فيلم(براءة المسلمين) الذى تعرض بالهجوم والسب والإهانات للنبى صلى الله عليه وسلم ، ونحن فى هذا المجال ، نؤكد أن أمريكا كانت وستظل عدواً ليس فقط لأنها أنتجت وأذاعت هذا الفيلم ، ولكن لأنها قتلت وعذبت ثم أهدرت حقوق ملايين المسلمين فى 30 دولة مسلمة اعتدت عليهم فى النصف قرن الماضى وأبرزها ( فلسطين – العراق – أفغانسـتان – ليبيا – والآن سوريا ) .

إن الهدف من هذا الملف هو المناقشة الهادئة والموضوعية لإشكالية علاقة الإسلام بالغرب ، وفى ذلك نصرة للإسلام ولرسوله الكريم ، مع تأكيدنا مجدداً أن النصرة الحقيقية للإسلام اليوم هى فى رفع راية المقاومة ضد الاحتلال والهيمنة الأمريكية والإسرائيلية على بلادنا وبالاخص فى فلسطين  وفى إفشال مخططات التقسيم الدائرة الآن فى أغلب البلاد العربية .

إن ذلك هو السبيل الأفضل للرد عليهم وفى ذلك فليتنافس المتنافسون .

رئيس التحرير


 
  ملف العدد
            العداء الغربى للإسلام .. الحقائق وسبل المواجهة

في جذوز الغضب والكراهية

بقلم / فهمي هويدي (*)

كثيرون من الأمريكيين تحيرهم مشاعر العداء لبلادهم في العالم العربي والإسلامي. وقليلون منهم يدركون أن بلدهم يدفع ثمن السياسات الخاطئة التي اعتمدتها حكوماتهم على مدى عدة عقود. إذ طالما أخرج معظم الأمريكيين مشكلة فلسطين من بالهم ومن ضمائرهم، إلا أنها بقيت حاضرة في ذهن العرب والمسلمين.

فلا يزال قمع إسرائيل للفلسطينيين على مدى 45 سنة والحصار الوحشي الذي تفرضه على قطاع غزة والاستيلاء المستمر على الأراضي في الضفة الغربية تشكل مصدر إذلال وغضب كبير تتحمل الولايات المتحدة المسؤولية الرئيسية عنه، لأنها أخفقت بعدما دعمت إسرائيل بكل الوسائل المتاحة في إقناعها بعقد صفقة عادلة مع الفلسطينيين.

لقد حاول بعض الرؤساء الأمريكيين خرق جدار الأزمة العربية الإسرائيلية إلا أن السياسات الداخلية المعتمدة وتعنت القادة الإسرائيليين أحبطت مساعيهم، فأحبط مناحم بيجن المساعي التي قام بها جيمي كارتر في حين أحبط إسحق شامير كل محاولات جورج بوش الأب. وكاد بيل كلينتون يعقد صفقة قبل أن يرحل عن منصبه غير أن مسؤولين موالين لإسرائيل مثل دينيس روس قوضوا جهوده. وقضت الهزيمة التي ألحقها بنيامين نتنياهو بباراك أوباما على الآمال الكبيرة التي أحياها هذا الأخير والتي تحولت إلى خيبة أمل كبيرة.

لا يزال النزاع العربي - الإسرائيلي الذي لم يتم حله يتسبب بضرر حاد في الولايات المتحدة ويهدد مستقبل إسرائيل على المدى الطويل من ثَمَّ فلا مفر من الإقرار بأنه لا يمكن أن يحل السلام في المنطقة إلا إذا تم التوصل إلى حل عادل وهو ما فشلت فيه السياسة الأمريكية.

لم تخفق الولايات المتحدة فحسب في حل النزاع العربي - الإسرائيلي بل عززت هيمنة إسرائيل الإقليمية ويجب بالتالي اعتبارها متواطئة في الهجمات الكثيرة التي شنتها ضد الدول المجاورة لها.

لقد أدت «الحرب العالمية على الإرهاب» التي أطلقها جورج بوش الابن عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر إلى سوء استخدام للسلطة الأمريكية. وبدلا من الاستعانة بالشرطة لمطاردة أعضاء تنظيم «القاعدة» خاضت الولايات المتحدة حربا في أفغانستان حيث تتسبب لغاية اليوم وبعد مرور 12 سنة على اندلاعها بسقوط ضحايا ومن ثم سمحت لنفسها بالانقياد وراء خدعة المحافظين الجدد الموالين لإسرائيل الهادفة إلى غزو العراق الذي اعتبره المحافظون الجدد عقب الحرب التي اندلعت بين إيران والعراق تهديدا محتملا لجبهة إسرائيل الشرقية. ويقال إن 1.4 مليون عراقي قتلوا نتيجة احتلال العراق وتدميره إلى جانب 4500 جندي أمريكي.

أطلق هذا الأمر العنان لعسكرة السياسة الخارجية الأمريكية ولشن حروب وحشية ولتسليم الأراضي التي تم الاستيلاء عليها ولفرض تعذيب روتيني ولتوسع القواعد عبر البحار (بما في ذلك بعض دول الخليج العربية)، الأمر الذي أدى إلى تضخم الموازنة العسكرية التي تصل إلى 700 بليون دولار سنويا.

لقد قلبت إسرائيل الطاولة على حليفها القوى. فبدلا من أن تكون حارسة أمريكا، يبدو أن الولايات المتحدة تحولت إلى حارس لإسرائيل، يهدد أعداءها ويعاقبهم ويشوه سمعتهم ويشن حروبا عليهم بالنيابة عنها.

لقد نسي الأمريكيون هذه الوقائع هذا إن كانوا يعرفونها أصلا إلا أنها لم تغب عن بال العرب والمسلمين.

الأسوأ مما سبق أن أوباما سمح بتوسيع نطاق الهجمات التي تشنها الطائرات الأمريكية دون طيار ضد المناضلين الإسلاميين في أفغانستان وباكستان واليمن وفي كل مكان الأمر الذي يؤدي إلى سقوط عدد كبير من الضحايا المدنيين وإلى إثارة غضب السكان المحليين ضد الولايات المتحدة.

هل فرضت الولايات المتحدة الأمن في الشرق الأوسط. أم أنها فرضت انعدام الأمن؟ هل تحتاج دول الخليج إلى الأسطول الأمريكي الخامس وإلى الطائرات الحربية وإلى آلاف جنود المشاة وإلى السترات الواقية؟ هل يسهم وجود الولايات المتحدة في فرض الاستقرار أم في زعزعته؟ وألم يحن الوقت حتى تنسحب من المنطقة؟

أيا كان الأمر فينبغي الإقرار بأن إعادة إحياء التيارات الإسلامية التي شكلت علامة فارقة في «الربيع العربي» بمثابة رفض للتدخل الغربي وللسيطرة الغربية وإعادة تأكيد الهوية الإسلامية.إنها المرحلة الأخيرة في النضال العربي الطويل من أجل الاستقلال.

قد يكون الفيلم المسيء للنبي محمد (عليه الصلاة والسلام) الشرارة التي أشعلت غضب العرب والمسلمين إلا أنه تمكن من إشعالها بسبب وجود كميات كبيرة من المواد القابلة للاشتعال.

هذا الكلام كله - من أول سطر حتى آخر سطر فيه - ليس لي. ولكنه نص مركز لمقالة كتبها باتريك سيل، الصحفي البريطاني المتخصص في الشرق الأوسط، ونشرتها جريدة «الحياة» اللندنية يوم 21/9 الحالي. وقد وجدت أن تعميمها مهم ومفيد، من حيث إن الكاتب النزيه تطوع بالنيابة عنا ليقول في الظرف الراهن ما ينبغي أن يقال.


تلك المؤامرة الغربية على الإسلام

بقلم: الأستاذ أحمد عز الدين (*)

أصبح إيقاع التغيّر المادي ، في المحيط الوطني والإقليمي والدولي ، أكثر تسارعا من السعي إلى ملاحقته فكريا ، أي أن المتغيرات غدت متقدمة بمسافة زمنية على ما يفسرها ، وينظر لها ، وهو ما يعني أنه أصبح في حوزتنا أسئلة أكثر مما لدينا من إجابات ، بل إن الأسئلة التي تطل برؤوسها في الفضاء الوطني ، أقل بكثير من الأسئلة الغارقة أو المستغرقة في بركة عميقة من الصمت والسكون .

أقول ذلك بوضوح لأن ثمة مجموعة من الأسئلة تلّح على طلب الإجابة عنها ، ولأن الإجابة عنها قد تساهم في إضاءة أفق وطني يبدو غارقا بدوره في سُحّب معتمة يصنعها قصف متصل بقنابل الدخان .

إن أول سؤال في هذه المجموعة من الأسئلة هو : هل هناك متغير جوهري في النظرة الغربية إلى الإسلام ، تستدعي تغيّرا جوهريا في موقف الغرب عموما ، من الجماعات السياسية ، التي تخص نفسها برفع لواء الإسلام وتعتبره بغض النظر عن طبيعة رؤيتها له المرجعية الحاكمة لمواقفها ، والتي ينبغي بالتالي فرضها على المجتمع والإقليم ؟.

إن الإجابة بوضوح عن الشق الأول من السؤال تقطع ودون تردد ، بأنه ليس ثمة تغير جوهري في النظرة الغربية للإسلام ، فهي نظرة قديمة ومستقرة وممتدة في متون الفكر الغربي ، فقد استقر في المكوّن الفلسفي الغربي في مرحلة التنوير وما قبلها وما بعدها ، ما يكاد يشبه بديهيتين رائجتين ، وكاذبتين بالتأكيد ، أولاهما : أن العنف مكّون أصيل في الإسلام ، فهو دين السيف ، وثانيتهما : أن الإسلام لا يقبل الخلاف ، ولا الحوار العقلاني ، وأن هناك تناقضا متلازما بينه وبين الديموقراطية .

وتستطيع أن تجد قماشا فكريا عريضا ، لهاتين البديهيتين ، في منتوج الفكر الغربي في مرحلة سابقة ، عند " نورمان دانيال " – مثلا – وفي قلب مرحلة التنوير عند " مونتسكيو " صاحب كتاب ( روائع الشرائع ) ، وعند " فولتير " الذي اجتهد لكي يؤكد أن نبي الإسلام لا يحض إلا على القتل والذبح ، بل نجده في المرحلة ذلتها عند " دانتي " الذي أسكن النبي العربي في الدرك الأسفل من جحيمه ، كما تجده جليا في مرحلة تالية عند " برنارد لويس " وكذلك عند " هنتنجتون " صاحب نظرية ( صراع الحضارات ) و ( عصر حروب المسلمين ) الذي عدّه إخلالا بديلا للحرب الباردة كشكل أساسي للصراع الدولي .

بل جاء الرد الغربي على فكرة الإحياء التوفيقي الذي مثله الشيخ " محمد عبده " لتجديد الإسلام من قلبه ، على لسان " كرومر " ، بزعمه أن الإسلام إذا لم يكن ميتا فإنه في طور الاحتضار سياسيا واجتماعيا ، وأنه في حالة من التدهور المتواصل الذي لا يمكن إيقافه ، لأن التدهور كامن في جوهره ، وبالتالي فإنه لا بديل عن التحديث الكامل بدون الإسلام ، حيث كان يصف محاولات التحديث المصري ، بأنها أشبه بتركيب أذن خنزير غربي لخنزير شرقي .

وإذا كانت أطروحة " هنتنجتون " عن عصر حروب المسلمين هي الأحدث ، فهي بدورها تعكس تواصل واتصال هذه النظرة الغربية إلى الإسلام ، بالمتون التاريخية للفلسفة الغربية ، رغم أن الفلسفة الغربية كلها مدينة حتى في تميز مدارسها العقلانية والعلمية للفلسفة العربية الإسلامية ، فقد كان الرافد الفلسفي العربي الإسلامي ، هو الذي قدم للاهوت الغربي وحدة الهوية بين العقل والإيمان ، وبين الدين والفلسفة ، وبين العقل والطبيعة ، وفد كانت جميعها مساحات متمايزة ومنفصلة ومتناقضة ، لا تقبل التوحد ولا التوافق في الفكر الغربي ، حتى أواخر القرن الثالث عشر ، وهذا التوحيد العقلي الذي قدمه المتكلمون والفلاسفة المسلمون ، هو الذي أورث الفلسفة الغربية الحديثة ، تياراتها العقلانية على جانب ، وفكرها العلمي على الجانب الآخر .

لكن السؤال يظل قائما ، لماذا كان "هنتنجتون" ينظر قبل سنوات إلى المستقبل الدولي والصراع الدولي باعتباره عصر حروب المسلمين باعتباره بديلا للحرب الباردة ، ، وما الذي تغيّر لكي تطوي هذه النظرة ، ويحل بعدها ما يبدو شكليا مناهضا أو مناقضا لها ، على المستوى العملي ، أم أننا نعيش بالفعل وجها خفيا من وجوه حروب المسلمين ؟

لقد فسر " هنتنجتون " بزوغ عصر حروب المسلمين ، بأربعة أسباب ، أولها هو انبعاث الوعي الإسلامي ، الذي عدّه مجرد حالة من رد الفعل تجاه الحداثة والتحديث والعولمة ، وثانيها ، وجود إحساس خاصة بين العرب المسلمين ، من الحزن والاستياء والحسد والعدوانية تجاه الغرب ، ثروة وقوة وثقافة ، وثالثها ، بركة الانقسامات القبلّية والدينية والعرقية ، التي ينغمس فيها العالم العربي ، ورابعهما ، المعدل العالي للمواليد وزيادة السكان ، الذي دعم أول هذه الأسباب .ولا حل وفق رؤيته أو رؤية الغرب في الأساس لانتهاء عصر حروب المسلمين ، إلا بانتهاء أسبابه السابقة ، وهو أمر يحتاج إلى عقود ، لأنه يتطلب القبول المذعن بالحداثة والتحديث والعولمة ، وتوقف المسلمين عن إحساسهم القوي بالعدوانية والحسد تجاه الغرب وثروته وقوته ، إضافة إلى توقفهم عن التكاثر والزيادة المضطردة . أما الحل القريب أو العاجل ، فهو يحتاج إلى تقليص حدة الوعي الإسلامي بتتابع الأجيال ، وهو بدوره يحتاج إلى تراكم عدة أجيال في سياق سياسي وثقافي واجتماعي مختلف . إذا كانت نظرة إلى الإسلام ، لم يلحق بها أي تغيير جوهري ، فكيف – إذن – يمكن تفسير ذلك السلوك العملي الغربي تجاه هذه الجماعات السياسية التي تخص نفسها برفع لواء الإسلام ، تعتبره بغض النظر عن طبيعة رؤيتها له المرجعية الحاكمة لمواقفها ، والتي ينبغي بالتالي فرضها على المجتمع وعلى الإقليم ؟ ولماذا انتقل الغرب فعليا وعمليا ، من موقف المناهض إلى موقف المؤيد ، ومن ساحة العدو إلى ساحة الحليف ، ومن خطوط الصدام إلى خطوط الوفاق حد أنه قدم خططا مدروسة ومفصلة ، وزادا ماديا ومعنويا لكل من شأنه أن يعينها على الصعود إلى مواقع السلطة ، والاستحواذ على مفاصل الدولة ، إن ذلك لا يمكن أن يكون مجرد صدى لقول المسيح عليه السلام : " أحبوا أعداءكم " ولا يمكن كذلك أن يكون مقتصرا على الارتباط العضوي بالفلسفة البرجماتية ، لأنه بالأساس تعبير مباشر وثيق الصلة بطبيعة التحولات في الإستراتيجية الكونية للولايات المتحدة الأمريكية ، ولحلفائها الغربيين .

في فبراير الماضي كان " هنري كيسنجر " صاحب نظرية : ( لا عولمة دون عسكرة ) والتي مثلت جانبا من الأساس الفكري لتحولات الإستراتيجية الأمريكية على مشارف القرن الجديد ، أو القرن الأمريكي الجديد ، يحدد لصحيفة " ديلي سكيب " الخطوط الأساسية لتحول أكثر جدة وحدة ووضوحا ، في هذه الإستراتيجية ، وكانت أهم خطوطها بألفاظه على النحو التالي :

1. لقد أبلغنا الجيش الأمريكي ، أننا مضطرون للسيطرة على سبع دول في الشرق الأوسط ، نظرا لأهميتها الإستراتيجية لنا ، وللتحكم في مواردها الاقتصادية .

2. إذا سارت الأمور كما هو مخطط ، فسوف يكون نصف الشرق الأوسط لإسرائيل .

3. إننا نبني مجتمعا عالميا جديدا ، لن يكون إلا لقوة واحدة هي الحكومة العالمية (السوبر باور ) .

4. لم تتبق إلا خطوة واحدة هي ضرب إيران .

5. عندما تستيقظ روسيا والصين من غفوتهما بعد ذلك سيكون الانفجار والحرب الكبرى .

بعدها بشهر واحد ( مارس الماضي ) كان الجنرال " مارتن ديمبسي " رئيس قيادة الأركان الأمريكية المشتركة يقدم في حديث تليفزيوني شرحا أكثر تفصيلا للمرحلة الأولى في خطوط الإستراتيجية ، التي طرحها " كيسنجر " وكانت على النحو التالي :

1. ستصبح مصر أكثر أهمية للإستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط بعد سقوط " بشار " وتشكيل حكومة سنية في سوريا .

2. سيعني ذلك اكتمال قوس سني يقف في مواجهة العالم الشيعي بقيادة إيران .

3. سيتكون هذا القوس من : سوريا – مصر – ليبيا تونس – المغرب .

4. سيكون هذا القوس مدعوما من دول الخليج رغم حساسيتها لجماعة الإخوان المسلمين .

والحقيقة أنه ليس الرابط الوحيد بين ما طرحه " كيسنجر " وما شرح مقدمته " ديمبسي " هو تحديد الدول المستهدفة غربيا لفرض السيطرة عليها لأهميتها الإستراتيجية ، وللتحكم في مواردها الاقتصادية ، وهي الدول الخمس السابق تحديدها : سوريا – مصر – ليبيا – تونس – المغرب ، إضافة إلى لبنان وإيران ، وليس الرابط الوحيد – أيضا - بين ما طرحه " كيسنجر " وما شرح مقدمته " ديمبسي " وشخصّه " هنتنجتون " في نظرية حروب المسلمين ، من صدام وانفصام بين قومية عربية وأيديولوجية إسلامية ، ثم انفصام وقتال بين إسلام و إسلام ، أي تحويل حروب المسلمين من خطوط للمواجهة والحرب بين المسلمين والمسلمين .

فالملاحظ - أولا – أن خمسا من هذه الدول السبع تقع في جنوب البحر الأبيض المتوسط ، والملاحظ – ثانيا – أنها جميعها باستثناء سوريا ، التي يتعجل سقوطها ، خاضعة لحكومات شكلها إسلاميون ، والملاحظ – ثالثا – أن توظيفها في هذا النمط المستحدث من حروب المسلمين على أساس طائفي ، لا يعدو أن يكون توجها تكتيكيا ، والملاحظ – رابعا – أن التوجه الغربي تجاهها في إطار الإستراتيجية الأمريكية ، لا يخرج عن إعادة بعث وإحياء نظرية استعمارية قديمة ، عن وحدة البحر الأبيض المتوسط ، وهي نظرية " برن " ، والتي سبق أن حققها الرومان والإغريق بالقوة المسلحة ، بين الشاطئ الشمالي والجنوبي ، بحيث أصبح شمال أفريقيا من جبل طارق إلى السويس ثم إلى الإسكندرية ، خاضعا لكل منها ، وهي تعني في المحصلة النهائية فصل إفريقيا شمال الصحراء عن القارة والإقليم ، وإلحاقها ظلا بقارة أوروبا .

وإذا كانت الافتتاحية إلى وصولا إلى الهدف الإستراتيجي السابق ، هي تغيير نمط الحروب من حروب بين الدول إلى حروب داخل الدول ، تنتهي بتحطيم الدفاعات الداخلية ، وتجريح الجيوش قبل تدميرها أو تحجيمها أو عزلها عن المعادلات الإستراتيجية ، وصعود فصيل واحد ، متعطش للسلطة متمركز على ذاته ، يتولى تحطيم قواعد الدولة الوطنية ، ويحل نفسه مكانها هنا وهناك ، ثم التقريب بين بقع الزيت الصاعدة فوق موجة الثورات العربية ، وجمعها لإشعال حريق كبير يمسك بعظام المنطقة ، تحت راية حروب المسلمين ، فإن المرحلة التالية على ذلك سوف تتمثل في زرع الأسباب والذرائع والعوامل ، التي تجعل التدخل العسكري الغربي المباشر قابلا للحدوث ، لتتحقق الهيمنة بصورة مباشرة ، بعد أن يتم وضع الإسلام مجددا في قلب لوحة التنشين الغربية ، بعد أن تستهلك جماعاته فرصها ، وتنتهي إلى الانتحار عمليا ، برهن صعودها ومستقبلها ، بالاندماج في مقدمات الإستراتيجية الأمريكية ، التي حسبتها لصالح استحواذها وسطوتها ، وليمتد عندها ذلك الرصيف الاستراتيجي المعلق عبر الشام الكبير ، من إسرائيل حتى فرات العراق .

كان علينا أن نستخلص دروسا أعمق من تلك المشاجرة القريبة التي كان طرفها الأول " باروسو " رئيس المفوضية الأوروبية ، وبعض المفكرين الإستراتيجيين الأمريكيين ، فعندما ارتفع صوت " باروسو " عاليا متهما الولايات المتحدة بمسئوليتها عن مقدمات الانهيار الاقتصادي الكبير في أوروبا ، بفرضها النمط الاقتصادي لمدرسة شيكاغو ، والتي مازالت حكومتنا الجديدة تتمسك بذيلها ، كان الرد الأمريكي أشبه بطلقات ثاقبة ، فقد جاء مضمونه ليحمل أوروبا المسئولية الكاملة عن الزلزال الاقتصادي ، الذي يهز أركان الاتحاد الأوروبي ، مُرجعا ذلك إلى أن أوروبا لم تشف حتى الآن من علتين أو مرضين مزمنين هما سبب أزماتها المتكررة ، أولهما : مرض التمسك بالسيادة الوطنية ، وثانيهما : علة الإيمان بالقومية الأوروبية .

إن هاتين العلتين تحديدا هما ما تنتظر الولايات المتحدة من السلطات الجديدة التي ساعدتها على البزوغ في العالم العربي تحت أجنحة الثورة ، أن تبرئ الجسد العربي منهما ، ولو بحفلات السحر الدموية على الطريقة الإفريقية القديمة ، عندما كان طرد الشر من جسد المريض يتطلب ضربه وحرقه حتى الموت .

في هذا الحيز ينبغي أن نفهم بوضوح سبب لجوء الولايات المتحدة إلى دفع التغيير في المنطقة كلها بأدوات سياسية ذات أرضية دينية ، رغم أنها تتمثل في منظورها مصدرا ذاتيا للكراهية والرفض ، مع إحداث كل هذا الاضطراب الكبير في البيئة الإستراتيجية ، لأن الولايات المتحدة والغرب كله ، لم يعد قادرا في هذه المرحلة على إحداث التغيير الذي ينشده بأدواته الذاتية ، بما في ذلك استخدام القوة المسلحة .

أولا : لفسل القوة العسكرية القاهرة ، في إحداث التغيير المنشود حتى في حدود أفغانستان والعراق ، وثانيا : لفشل تحويل القوة العسكرية إلى استثمار اقتصادي ، وثالثا : لأن الأوضاع المالية سواء في أمريكا أو أوروبا ، لم تعد قادرة على الوفاء بالتكلفة ، لقد بلغت التكلفة التي تم سدادها من دم الاقتصاد الأمريكي ، فيما سُمي الحرب على الإرهاب ، حوالي ثمانية تريليونات دولار ، وعلى جبهة الحرب في العراق وحدها تجاوزت التكلفة ثلاثة تريليونات دولار بحسابات الفرص البديلة ، بل إن إجمالي ما ستتحمله الموازنة الأمريكية لسنوات تالية ، من جراء التعويضات الخاصة بالقتلى والمصابين من جنودها ، يصل إلى تريليون وثمانمائة مليون ، وسط عجز في الدين الأمريكي تجاوز 100% من إجمالي الناتج القومي ، وهو عجز يقدر له أن يصل إلى 875% من هذا الناتج ، إذا استمرت الأوضاع الاقتصادية على حالها حتى عام 2020 ، أما فجوة الموازنة العامة في بريطانيا – على سبيل المثال – فقد بلغت 11.7% ، مما أدى إلى تخفيض الإنفاق العسكري بنسبة 7% ، وهو ما أدى إلى تسريح 14 ألف عسكري وإخراج 17 سفينة حربية من بين 40 سفينة تملكها بريطانيا من الخدمة .

الأمر الذي لا يقل أهمية عن ذلك ، أن هناك ما يشبه القانون العام في تاريخ الحروب الأمريكية ، فكل الحروب التي خاضتها أمريكا على امتداد أكثر من قرن ونصف قرن أعقبت تحسنا اقتصاديا في أعقاب كساد اقتصادي كبير ، فقد جاءت حربها ضد المكسيك في أعقاب تحسن اقتصادي بعد أزمة عام 1835 ، وجاءت حربها ضد الأسبان في أعقاب تحسن اقتصادي ، أعقب أزمة عام 1893 ، وجاءت اندفاعاتها في الحرب العالمية الأولى في أعقاب تحسن اقتصادي ، تلى أزمة عام 1913 ، والأمر نفسه ينطبق على انغماسها في الحرب العالمية الثانية ، التي جاءت في أعقاب تحسن اقتصادي تلى الأزمة الاقتصادية الكبرى عام 1936 .

بل إن الأمر نفسه ينطبق على جنوحها لاستخدام القوة المسلحة ضد أفغانستان ثم العراق ، وكلاهما تلى ازدهارا محدودا في أوج مقدمات أزمة اقتصادية ، كانت تلوح في الأفق القريب بعد انفجار أسهم تكنولوجيا الاتصالات ، والكساد الذي أعقبها في نهاية التسعينات من القرن الماضي ، أما الحديث عن قدرة الفوائض النفطية العربية على علاج الأزمة الاقتصادية الهيكلية في أمريكا ، فهو حديث كاذب وجهول .لأن الديون الفردية الأمريكية المستحقة على الرهن العقاري وحده تبلغ 6.6 تريليون دولار ، وهو رقم يساوي إيرادات النفط السعودي لمدة 55 عاما ، ولهذا فليس المطلوب إستراتيجيا سيطرة مباشرة على الموارد والثروات الطبيعية ، والعلماء الأمريكيون أنفسهم هم الذين بشروا بأن نقص موارد الأرض ، قياسا إلى عدد السكان ، قد تجاوز نسبة الثلاثين في المائة ، وقد قدم بعضهم حلا إنسانيا عادلا لإحداث توازن بين الموارد وعدد السكان ، يقضي بأن خمس سكان العالم يمكن أن يحصلوا على الإشباع عملا وحاجة ، إذا تم التخلص من 80% من سكان العالم حيث لا حاجة إليهم .

▲▲▲

أرجو ألا يكون التبسيط مخلّا ، حين تتم المقارنة رمزيا ، بين المسرح الأفغاني السابق ، الذي تم شحنه باسم الإسلام ، لإخراج القوات السوفيتية منه ، وإجبار الإمبراطورية السوفيتية على التفكك والانقسام ، وبين مسرح الشرق الأوسط الكبير ، الذي يتم شحنه بطاقة أكبر وأوسع وأشد تأثيرا ، والتي رغم اختلافها من حيث الدرجة والجغرافيا السياسية ، لكنها ليست مختلفة من حيث النوع .

لقد اصطنع الأمريكيون حليفا مؤقتا ، مكنوه وفتحوا له أبواب المال والسلاح باسم الإسلام ، وحين حقق المهمة التي أوكلت إليه ، واختفى العدو الأصلي ، مدحورا ومهزوما ، كان البديل الساطع هو تحويل الحليف المؤقت إلى عدو بديل ، ثم قصفه بكافة أسلحة الدمار ، وما يجري الآن لا يخرج عن تحويل العدو البديل ذاته إلى حليف مؤقت ، قبل أن يكمل مهمته الموكلة إليه ، ثم يعاد تحويله إلى عدو بديل .

▲▲▲

تتداخل الخطوط في هذا المشهد المضطرب حد الذوبان ، فلم يعد مشرط الجراح كافيا لفصل ما هو حقيقي فيه عما هو زائف ، وما هو من أعمال الطبيعة الإنسانية عما هو من أعمال الطبيعة الشيطانية ، ولذلك تتعدد التفسيرات ، وهي تطل على هذا المشهد المشبع بالغضب والعنف والكراهية ، والذي يصعب وضع تفسير وحيد له كرد فعل تلقائي وعفوي ، على مقاطع من شريط سينمائي مبتذل الرؤية ، متدني الصنعة ، شاذ القيم ، معاديا ومجرحا لما يدخل في صلب عقيدة الإسلام العظيم ، ومكانة نبيه الكريم ، وكأنه رأس حربة مسمومة ، تم غرسها مع سبق الإصرار والترصد ، في جرح غائر لا يريد له الآخرون أن يلتئم .

مع ذلك فإن المشهد بمجمله هو محصلة تفاعل ، بين عوامل مركبة تتوزع بين جانبين : الولايات المتحدة الأمريكية ، إدارة وتوجها استراتيجيا وبيئة سياسية ، على مشارف انتخابات رئاسية ، والبيئة الجديدة التي أنتجها ما يسمى بالربيع العربي ، قوى حاكمة ، وتوازنات ازدادت اختلالا ثقافيا وسياسيا واقتصاديا واجتماعيا .

على الجانب الأول المتعلق بالبيئة الأمريكية ، فإن تفسير المشهد يتوقف على شرفة النظر ، وما إذا كانت الإطلالة عليه ومحاولة استبيان عمقه ، تتم من ناحيتنا أو من ناحية الولايات المتحدة الأمريكية :

أولا : من ناحيتنا ومن زاوية رؤية خاصة ، فإن المشهد يضعنا عنوة في وجه تفسير أولّي محدد ، وهو أننا أمام توجه مخطط ، يكاد أن يكون عنوانه الرئيسي ( إحياء 11 سبتمبر ) ليس بالمعنى الاحتفائي أو المعنوي ، وإنما بالمردود الأمني المباشر ، أي استحضار المخاوف والمخاطر والتهديدات ، التي جسدها حدث 11 سبتمبر ، إلى الذاكرة الأمريكية العامة ، وهو ما يعني وضع الجمهور الأمريكي ، في توجهه الانتخابي ، تحت ضغط الحدث ، بحيث يصبح عامل الأمن هو المحدد الأول لاتجاه التصويت ، بديلا للقضايا الداخلية التي يحتدم الخلاف حولها .

والحقيقة أن فرض العامل الأمني ، كمحدد لاتجاه التصويت ، يصعب تحديد المستفيد الحقيقي منه ، فوق ساحة الانتخابات الأمريكية ، وبالتالي يصعب الاستدلال في حدود الرؤية العامة ، عن الجهة المسئولة عن توظيفه لصالحها ، فإذا كان هذا العامل يبدو عنصرا معززا لخطاب " رومني " مرشح الحزب الجمهوري ، الذي يتحدث عن إعادة احتلال العراق مثلا ، وبالتالي يكون منتجا لأصوات أكثر تأييدا له في صناديق الانتخاب ، فإنه أيضا يبدو محفزا لإعادة انتخاب " أوباما " بالمنطق السائد في الولايات المتحدة ، من أن وجود خطر خارجي داهم ، يستدعي نبذ الخلاف والتوحد حول الرئيس القائم ، ولقد استخدمت إدارة " بوش " هذا المنطق في فرض الميزانية الأمريكية على الكونجرس ، حين عمدت بعد أحداث 11 سبتمبر ، وقبيل الفتح الاستراتيجي لضرب العراق ، إلى إرسال الميزانية إلى الكونجرس ملفوفة في العلم الأمريكي ، في دلالة واضحة على أن مسّ أي من بنود الميزانية يعني مسّ العلم الذي يوحد بين الأمريكيين .

إن هناك من الشواهد والقرائن ، ما يعزز تفسير الأمر برمّته ، في سياق عملية مخططة لإحياء ذاكرة 11 سبتمبر ، وتفعيل عنصر الأمن ، في معركة الانتخابات الأمريكية ، وقد يكون في مقدمة هذه الشواهد ما يلي :

1. إن الفيلم نفسه الذي انتُهيّ من إنتاجه في كاليفورنيا العام الماضي ، لم توضع 13 دقيقة من مشاهده على الإنترنت ، إلا في يوم 2 يوليو الماضي تحديدا ، وهناك بالتالي 9 أشهر فاصلة بين إنتاجه ، والبدء في عرض جانب من مشاهده ، إضافة إلى فاصل زمني بين وضع هذه المشاهد ، وبين إخراج مظاهرات الغضب الدامية ضده ، يصل إلى 69 يوما بالتمام والكمال .

2. إن مظاهرات الغضب الواسعة اختارت أن تعبر عن نفسها تحديدا في 11 سبتمبر دون سواه ، وبعد مرور 69 يوما على عرض مشاهده ، وهو أمر يصعب اعتباره من قبيل المصادفة البحتة ، بينما يفسر جانبا منه ، موجة التصعيد الدعائي للفيلم في الولايات المتحدة ، والتي بلغت ذروتها خلال الأسبوع الأول من شهر سبتمبر .

3. إن مظاهرات الغضب الواسعة في يوم 11 سبتمبر ، قد استبقها بثلاثة أيام فاصل افتتاحي دموي ، اختار العراق تحديدا مسرحا له ، حيث شمل محافظات العراق كلها ومدنه جميعها – باستثناء الشمال العراقي – في إطار مجموعة من العمليات الإرهابية ، اتسمت بتزامنها وبتعدد مستوياتها وتميزت بسلسلة متتالية من التفجيرات وأعمال القتل داخل كل محافظة ، مستخدمة القنابل والسيارات المفخخة والأحزمة الناسفة وإطلاق النار آليا بشكل عشوائي ، وهي عملية بدت مخططة بدقة على نحو مركزي ، وذات قدرات عالية على المستويين ، إحداث أكبر قدر من الدمار والقتل ، وشمولها جغرافيا في كل المحافظات والمدن ، وتزامنها في الوقت نفسه ، والمدهش في ذلك أن قوات الأمن العراقية ، والتي بلغ تعدادها على مستوى الأمن الداخلي والخارجي ، مليون وثمانمائة ألف رجل ، لم تستطع أن تمنع هذه السلسلة من العمليات ، في أي من هذه المحافظات أو المدن ، وقد أنجبت بركا غير مسبوقة من الدم ، بلغ ضحاياها نحو خمسمائة عراقي بين قتيل وجريح ، وقد تتبدد الغرابة في ذلك ، إذا كانت وثائق ويكيليكس ، قد أكدت أن القوات الأمريكية ، خلّفت وراءها في العراق عددا من العملاء العراقيين المدربين يربو على 70 ألف عميل ، والشاهد في ذلك كله ، أن هذه الافتتاحية الدامية في العراق ، لم تكن منفصلة عن جريان أحداث الغضب التالية عليه .

4. كان المدهش في كافة هذه المظاهرات على مستوى كل العواصم ، أن علما واحدا ظل في مقدمة الصفوف ، وفي مقدمة المشهد ، هو على تنظيم القاعدة ، وأن الحرص على غرسه على سارية العلم الأمريكي في سفارات الولايات المتحدة ، كان مشتركا وموحدا ، ثم كان تركيز أجهزة الإعلام على أن يتصدر المشهد مرفرفا وعاليا ، وكأنه مضمون الرسالة التي يراد تصديرها إعلاميا إلى الداخل الأمريكي قبل العالم ، باعتباره الرمز الواضح الصريح لأحداث 11 سبتمبر ، وللمخاطر والتهديدات الأمنية الموجهة للولايات المتحدة ، والتي اتسعت دوائرها على هذا النحو ، حتى شملت عددا رئيسيا من العواصم العربية ، بينما لم تخلو الهتافات العالية عند حوائط السفارات الأمريكية هنا وهناك ، من محاولات لتمجيد " بن لادن" ، وكأنه يبعث من جديد ، وهي نقيض الرسالة التي حاول أن يركز عليها " أوباما " في خطابه في ذكرى الحدث ، من أن " بن لادن " قد قتل وقد قبر إلى الأبد .

5. إذا كانت موجة الغضب الأولى قد اشتعلت في مصر ، فالشاهد أنها اتسمت بعدة خصائص ، أولها ، أنه إذا كان قوام الموجة الأساسي من السلفيين ، وأعداد محدودة من الإخوان المسلمين ، فإن القوة الضاربة فيها ، اقتحاما وعنفا ، تشكلّت من مجموعات من الشباب اليافع ، تكاد مظاهره أن تكون مشتركة مع المجموعات التي سعت إلى الصدام مع وحدات القوات المسلحة المصرية ، في مواقع مشهودة سابقة ، وثانيها ، أن الموجة التي بدأت عقلانية وهادئة تصاعدت وجنحت إلى العنف ، دون مبرر منظور ، خاصة من جانب قوات الأمن ، فلم يتصاعد العنف بسبب ضغط أمني ، فقد ترك الأمن المتظاهرين يعبرون عن مشاعرهم دون تدخل منه ، وحتى في لحظات الانقضاض على سور السفارة واعتلائه ، ونزع شارة السفارة وعلمها ، وزرع علم القاعدة ، ظل الأمن يغالب الموقف بهدوء ظاهر ، خشية أن يكون التصعيد من جانبه مبررا للتصعيد من الجانب الآخر ، ولكن ذلك لم يحل دون أن يجئ التصعيد قذفا بالأحجار ، وسعيا إلى إحداث صدام تسيل من ورائه الدماء .

6. وإذا كانت موجة الغضب الأولى قد تصاعدت في مصر ، فقد امتد شررها في اليوم التالي لأكثر من عاصمة عربية ، كان أكثرها دموية وعنفا في الجوار الليبي ، وإن كنت أرجو ألا يتخذ البعض من ذلك دلالة على أن مصر قد استعادت دورها وتأثيرها العربي والإقليمي ، لأن السياسة الخارجية للدولة ، هي فائض قوتها الداخلية ، وليس في الداخل المصري ما يعين على ذلك ، مهما تدافعت الخطب ، وتعالت الأصوات ، وتعددت الزيارات ، فضلا عن أن تأثير مصر في محيطها ، لم يقدر له أن يكون سلبا ، حد اقتحام السفارة الأمريكية في بني غازي وتدميرها وقتل السفير " ستفينز " خاصة وأن هناك علامات دالة في الحدث الليبي ، فاستقراء العملية يؤكد أنها لم تكن عشوائية ، أو وليدة غضب جارف ، بل كان مخططا لها مسبقا وبشكل كامل إن ( الإنديبندنت ) هي التي أكدت أن عددا من كبار المسئولين الأمريكيين ، كانوا على معرفة مسبقة بالعملية ، ولكن أحدا لم يقم بتحذير السفير ، الذي كان قد وصل إلى بني غازي قبل يومين ، في مهمة غير معلنة ، وكأن هناك من دفعه إلى هناك ، ليلقى هذا المصير الفاجع ، لقد فسرت الصحيفة البريطانية الحادثة بأنه نتيجة اختراق أمني ، مبررة ذلك بأن الهجوم لم يحدث على مبنى السفارة الأمريكية وحدها ، وإنما طال كافة المقرات السرية الآمنة للبعثة الأمريكية في بني غازي ، كما طال كافة المستندات السرية الأمريكية ، وإذا كانت " الإنديبندنت " قد فسرت الاختراق والعملية بأعداد من الليبيين ، الذين كانوا يعملون لصالح الولايات المتحدة ، ثم خرجوا عليها ، فإن الداخلية الليبية ألقت الاتهام على فلول النظام السابق ، وهو نفس ما فعله الإخوان المسلمين في مصر ، حين ألقوا الاتهام في أحداث السفارة على فلول النظام السابق أيضا ، وبينما ألقى البعض الآخر الاتهام على القاعدة ، انتقاما لمقتل " محمد حسن القائد " أحد زعمائها في باكستان ، كان الاتهام جاهزا من قبل أطراف في الحكومة الليبية ، تم توجيهه منذ الوهلة الأولى بما يسمى " أنصار الشريعة " .

وكما كانت سلسلة التفجيرات في العراق هي الافتتاحية الدامية لما تلاها من أحداث عنف وصدام ، كانت محاولة اقتحام السفارة الأمريكية في القاهرة ، هي الافتتاحية الشعبية لعملية السفارة الأمريكية في طرابلس ، أو كانت بالمفردات العسكرية " الطلقة الإشارية " للقيام بها ، وإذا كانت الأجهزة الليبية قد عادت في الساعات الأخيرة ، لتنقل الاتهام بعيدا عن الداخل الليبي ، مشيرة إلى أن المجموعة المسلحة ، التي هاجمت السفارة ، وقامت بعملية مخابرات نظيفة ومتقنة ، قد قدمت من خارج الأراضي الليبية ، فإن هناك مؤشرات أخرى ترجح هذا الخيار ، بل إن هناك داخل الغرفة المعتمة لهذه العملية ، ما قد يشير إلى المكان والزمان والأسباب .

من ناحية الولايات المتحدة ، فإن تفسير الموقف لا يخرج عن ثلاثة اتجاهات:

1. من جانب الإدارة الأمريكية ، وفي معمعة الانتخابات ، فإن كل ما قدمته هو مزيج من الغضب والارتباك والدهشة ، ومحاولة تخفيف حدة المشهد ، فالمشهد لديها في القاهرة غير مبرر ، أو على حد تعبير أوباما " لا يوجد أي تبرير لهذا العنف " ، ومع ذلك فإن المتحدثة باسم الخارجية الأمريكية رأت أنه " رغم اعتلاء المتظاهرين سور السفارة ، وإنزال العلم الأمريكي ، إلا أنه لا يعني وجود أي مشاعر معادية للولايات المتحدة داخل مصر " أما في ليبيا فإن المشهد يدل على أنه " لا أمن حقيقيا في ليبيا " وأن " الأطراف المسئولة عن كثير من العنف ليست تحت سيطرة طرابلس " ورغم ذلك أيضا ، فإن القناة الثانية في التليفزيون الإسرائيلي ، هي التي كانت تتساءل " هل تبدأ واشنطن السير في طريق التصادم مع العالم العربي " .

2. من جانب الحزب الجمهوري ، فقد تم إلقاء اللوم كاملا على الإدارة الأمريكية ، وتحولت أحداث العنف والغضب إلى طلقات في المدفعية الثقيلة لدعاية الحزب الانتخابية ، حيث جرى تفجيرها في وجه الحزب الديموقراطي ، وفي وجه أوباما نفسه ، ولهذا جاء الهجوم مباشرا على إستراتيجية أوباما في الشرق الأوسط ، التي تم ربطها بظواهر الغضب والرفض الأخيرة ، بما فيها مقتل السفير الأمريكي في ليبيا ، باعتبارها جميعها منتوجا مباشرا لهذه الإستراتيجية ، وبألفاظ الجمهوريين ، فإن هذه الإستراتيجية عمدت إلى أن تتخلى أمريكا عن الأقليات ، وأن تتخلى عن الليبراليين ، وأن تلتحم بممثلي الإسلام السياسي وحدهم ، وليس هذا في منطوق أصحاب هذا الهجوم ، تعبيرا عن ضعف قد لحق بالولايات المتحدة ولكنه تعبري عن ضعف وخطأ في التوجه الاستراتيجي الأمريكي ، وفي السياسة الخارجية ، يستوجب التعديل والتصحيح .

3. من جانب عدد من المفكرين الأمريكيين ، فإن هذه النتائج ليست منتوجا مباشرا للإستراتيجية الأمريكية الحالية ، بقدر ما هي منتوج مباشر لما لحق ببنية الولايات المتحدة ذاتها من تغير ، فهي علامة على فقدان الولايات المتحدة لقدرتها على تحريك الأشياء ، فقد ارتدت إلى مواقع أقل تأثيرا في صياغة الأحداث ، بعد أن فقدت الجاذبية كنموذج ، وفقد الفاعلية كقوة .

إن هناك تفسيرات عديدة ، لذلك الوقود الذي ألقيّ بقوة ، وساهم في إشعال وامتداد حريق الغضب في القاهرة ، على هذا النحو ، الذي وضع مصر في صورة غير صورتها الحقيقية ، وبعيدا عن ذلك التفسير المكرر ، الذي فقد مصداقيته ، وجرى على لسان الدكتور " محمد البلتاجي " ملقيا أثقال الواقعة كلها ، على ما يسمى بالفلول ، وهو تفسير مسطح ومستخف ومبتذل ، فهناك تفسيرات أخرى ليست مسطحة ولا مستخفة ولا مبتذلة ، ورغم ذلك فإنها تبدو لي جزئية الطابع ، أي أنها قد تكون مؤثرة في بعض أبعاد الموقف ، ولكنها ليست كافية ولا قابلة لتفسيره كليا ، منها – على سبيل المثال – أن التيار الإسلامي بكافة فصائله كان يحتاج مع اهتزاز مراكبه ، في مياه الواقع الوطني المضطربة ، غلى أن يسترد في عيون الرأي العام ، صورته القديمة المندمجة في مشاعر الشارع ، والمعبرة عنها ، ومنها – على سبيل المثال – محاولة التيار السلفي ، التعبير عن ذلك الشرخ الذي يتسع بينه وبين الإخوان المسلمين ، في حيّز السياسة العملية ، وفيما صدر عن بعض فصائل هذا التيار ، ما قد يعزز ذلك ، فقد تم اتهام الجماعة بعدم المشاركة في التظاهر ، وبتعاملها مع الأمر على أسس سياسية ، ومن الصحيح ما قاله " نادر بكار " من أنهم عرضوا على الجماعة المشاركة في التظاهرة ولكنها رفضت ، رغم أنها شاركت على نحو يمنحها إدعاء أنها لم تتخلف ، وإظهار أنها لم تشارك ، ومنها – على سبيل المثال – أن هناك حالة غضب عامة في مصر ، تخرج بخارها المكتوم كلما وجدت منفذا لذلك ، فالمصريين ما يزالون يكابدون شظف العيش ، وما يزالون يرممون حلم الثورة في وجدانهم ، وينتظرون أن تشرق شمسها الدافئة بين اليأس والرجاء ، وإن كان الأول قد أصبح أقرب إلى حبل الوريد منهم من الثاني .

كل هذه التفسيرات وغيرها ، قد تزكي جانبا ، وقد تدعّم خيطا ، ولكنها لا تكفي لتفسير حجم هذا الوقود المتفجر ، الذي تم إلقاؤه في إناء لا يتسع له ، ولهذا فإننا أمام دفعات من الوقود الجاهز ، بعضها مصطنع ، وبعضها مصدّر ، وبعضها مأجور ، وقد لعبت في النهاية دورا في مشهد لم تفك رموزه ، لأنه بدوره مشهد لا يماثل ظاهره باطنه .

ثمة مشهد قديم آخر ، يستحق أن ننفض تراب الزمن عنه ، وهو شاهد على المسافة بين الظاهر والباطن ، وبين ما تجري به المقادير عفوا ، وما يمكن أن يبدو كذلك ، فقد ظللنا أكثر من ثلاثين عاما ، نرى في احتلال السفارة الأمريكية في طهران عام 1979 ، مجرد نزوع ثوري أتت به موجة الثورة الصاعدة ، حتى خرج " بني صدر " أول رئيس في أعقاب الثورة الإيرانية مؤخرا ، ليفسر المشهد كله تفسيرا فاجعا ، فحسب روايته ، لم يكن احتلال السفارة الأمريكية في طهران ، واحتجاز الرهائن الأمريكيين ، سوى تنفيذ لاتفاق بين قيادة الثورة ، وبين الرئيس الأمريكي " كارتر " ، أما هدف الاتفاق من الجانب الأمريكي ، فهو خلق معركة وهمية ، تتيح لكارتر تحقيق الفوز للمرة الثانية بانتخابات الرئاسة الأمريكية ، وقد جرت المقادير بعكس ذلك ، حيث تحطمت الطائرات الأمريكية التي ذهبت لاستنقاذ الرهائن في الصحراء ، فيما سُمّي بعملية " لوط " وكما تحطمت الطائرات ، تحطمت فرص " كارتر " في أن يعاد انتخابه رئيسا لأمريكا .

لقد كان هناك تفاعلا محسوبا ، أريد له أن يخرج بنتيجة صالحة ، ولكنه تحوّل في الاتجاه العكسي ، وأخرج نتيجة أكثر ضررا ، هل يستطيع أحد ، أن يجزم بأن التاريخ لا يعيد نفسه ؟! .

الإسلاموفوبيا والصورة النمطية عن الإسلام

(الواقع وسبل المواجهة)

بقلم / د . رفعت سيد أحمد (*)

مقدمة :

فى أجواء ما أطلق عليه (ربيع الثورات العربية) ، ازداد الخلط الغربى ، تجاه أمور ، وقضايا تتصل بشرقنا الإسلامى لا يمكن أن تجتمع فى نسق قيمى أو معرفى واحد ؛ ومنها أن الإسلام دين العنف والإرهاب ، وهذا غير صحيح ، تاريخياً وواقعياً ، أو أن المقاومة المشروعة ضد الاحتلال مثل المقاومة فى فلسطين والعراق ولبنان ، هى إرهاب دينى وسياسى ، أو أن كل ما جرى فى المنطقة خلال العام 2011 (ثورات) ، فى حين أن الحقائق على الأرض الإسلامية العربية تؤكد أن كل ما يلمع ليس ذهباً ، وأن بعض ما جرى ثورات بالفعل والبعض الآخر (مؤامرات) لحلف الناتو ، أو أشواق للإصلاح والتغيير ركب عليها الغرب لتحقيق أهم مصلحتين استراتيجيتين له فى المنطقة ؛ (نهب النفط) و(حماية أمن إسرائيل) .

* إن خلط الحقائق والقضايا ، عمداً ، لهى سمة ثابتة وغالبة (إلا من استثناءات قليلة) فى رؤية الغرب ، ساسة ومفكرين ، تجاه الشرق الإسلامى وقضاياه الرئيسية ، خلال المائتى عام الأخيرة ولقد زادت هذه السمة وضوحاً فى أيامنا هذه نظراً لطبيعة الأحداث والثورات المتلاحقة التى تلم بالمنطقة .

* ومن بين أبرز القضايا التى يتم فيه غربياً خلط المفاهيم ، قضية (الخوف من الإسلام) أو (العداء للإسلام) ما اصطلح على تسميته بـ (الإسلاموفوبيا) ؛ والتى تعنى فى أبسط معانيها ، أن الإسلام ، دين للعنف وأن المسلمين دعاة تعصب ، وكراهية للآخر ، وأن الحضارة الإسلامية ، حضارة ترفض الحرية والعدل وقيم الحق والجمال ، على النقيض تماماً مما دعى إليه هذا الدين ومارسوه أتباعه من المسلمين ، عبر تاريخهم الممتد وبنته حضارتهم من نماذج منيرة لأنبل القيم الإنسانية.

* إن (الإسلاموفوبيا) ولاشك تحتاج منا إلى تقصى دقيق لعلاقة الإسلام (ديناً وحضارة) بالغرب ، وأسباب هذا العداء الغربى للإسلام والذى ولد هذه الحالة من الخوف منه (الإسلاموفوبيا) ، وما هى سبل المواجهة لهذه الظاهرة التى تزداد – كما سبق وأشرنا – انتشاراً وتفشياً فى الأدبيات الغربية .

* حول (الإسلاموفوبيا) يدور بحثنا هذا والذى نقسمه إلى عدة محاور وهى :

المحور الأول : البعد القيمى لظاهرة (الإسلاموفوبيا) جذور الخلافات الروحية بين الإسلام والغرب .

المحور الثانى : البعد الاستراتيجى للإسلاموفوبيا : الأسباب الجيواستراتيجية للعداء الغربى للإسلام .

المحور الثالث : السبل الصحيحة لمواجهة ظاهرة (الإسلاموفوبيا) .

****

المحور الأول : البعد القيمى لظاهرة (الإسلاموفوبيا) وجذور الخلافات الروحية بين الإسلام والغرب :

* إن الذى يعلم جوهر الصراع بين الإسلام والغرب ، يدرك ، أن هذا الجوهر يشتمل على نظرة كلا الجانبين (للإنسان) وموقعه والجانب الروحى للإنسان وتأثيره ، وهذا ما لم يفهمه طابور المبشرين والساسة والمفكرين الغربيين من دعاة ربط الإسلام بالإرهاب ونفى مفاهيم المقاومة المشروعة عنه ، وعن أصحاب مفهوم (الإسلاموفوبيا). فإذا ما علمنا كما يقول الإمام باقر الصدر – رحمه الله ([1]) – أن للإنسان جانبين أحدهما مادى يتمثل فى تركيبه العضوى ، والآخر روحى – لا مادى – وهو مسرح النشاط الفكرى والعقلى، فليس الإنسان مجرد مادة معقدة وإنما هو مزدوج الشخصية من عنصر مادى وآخر لا مادى .

وهذا الازدواج يجعلنا نجابه موقفاً عسيراً فى سبيل استكشاف نوعية العلاقة والصلة بين الجانبين المادى والروحى من الإنسان ، ونحن نعلم قبل كل شىء أن العلاقة بينهما وثيقة حتى إن أحدهما يؤثر فى الآخر باستمرار وفقاً للفهم الإسلام الصحيح ، أما الفهم الغربى فالأمر إما (مادة) أو (روح) .

وقد أدت المشاكل التى تنجم عن تفسير الإنسان على أساس الروح أم الجسد إلى بلورة اتجاه حديث فى التفكير الأوروبى ، وهو تفسير الإنسان بعنصر واحد فنشأت المادية فى علم النفس الفلسفى القائلة إن الإنسان مجرد مادة وليس غير كما تولدت النزعة المثالية التى تجنح إلى تفسير الإنسان كله تفسيراً روحياً ، هذا طبعاً بعكس الإسلام تماماً الذى ركز على الروح والمادة معاً وبسمو فريد .

إن هذا الأمر يمتد ليشمل موقع (الدين فى الحياة) ([2]) حيث إن الذين يتتبعون نشأة الفلسفة الغربية وتطورها ، منذ الحقبة اليونانية وحتى نهضته الحديثة يرون فى هذه الفلسفة تياراً مادياً متبلوراً وبارزاً ، منذ " ديموقريطس " (القرن الخامس ق.م) وحتى كارل ماركس (1817 – 1883) وفردريك أنجلز (1820 – 1895م) وغيرهما من الفلاسفة الماديين المحدثين ، وهذا ما لا مثيل له ولا مقابل فى حضارتنا العربية الإسلامية ، ولا فى المواريث الشرقية التى أحيتها الفتوحات العربية الإسلامية وأدخلتها فى نسيج الحضارة الجديدة، بعصر التدوين .. فتدين الشرق عام وشامل وعميق ، كما أنه قديم وعريق .. فهو مَهْدُ الديانات ، ومركز النبوات ، ومهبط الرسالات .. وأينما قلبت صفحات فلسفات مصر القديمة ، وبابل ، وآشور ، فستجد التوحيد النقى فى عصر الازدهار الدينى – أو المشوب بالوسائط والرموز – فى عصور " الغبش " الذى ران على نظرة الشرقى إلى توحيد المعبود.

وحتى تلك النماذج الشاذة والنادرة ، التى ركز الاستشراق وتلامذته عليها الأضواء ، فزعموها تياراً للمادية والإلحاد فى تراثنا الفكرى والفلسفى ، ما هى – عند التحقيق – إلا نزوات " شك عبثى " تندرج تحت باب النزوع إلى التحلل من التكاليف الدينية ، أكثر مما تندرج تحت "الإلحاد الفلسفى" .. أما الآراء والمقولات التى أثرت عن بعض فلاسفتنا ، والتى زعم المستشرقون وتلامذتهم أنها نزعات فلسفية مادية .. فإنها – عند التحقيق – تضع يدنا على نزعة فلسفتنا كله إلى " المادية – المؤمنة " ، ففلسفة الإسلام لم تعرف ثنائية الفلسفة الغربية التى أقامت التناقض بين " المادة " وبين " الفكر " والتضاد بين " الواقع " وبين " المثال ".

ويرى الدكتور محمد عمارة أن تدين الشرق يتميز بالتدين بالإسلام ، فالشرق مهد الديانات ، ومهبط الوحى الإلهى ، وأرض النبوات ، وميدان الرسالات الإلهية ، التى أشارت إليها الكتب السماوية على امتداد تاريخ علاقة السماء بهداية الإنسان .. فكل الديانات والشرائع الإلهية التى أشارت إليها الكتب السماوية ، اتخذت من الشرق منطلقاً .. والتوحيد الدينى – توحيد الله ، سبحانه وتعالى ، فى الألوهية – تعلمنا الرسالات الدينية أنه بدأ فى الشرق برسالة آدم ، عليه السلام ، ويعلمنا التاريخ الدينى أن نقاء هذا التوحيد قد كان دائماً خاصية شرقية ، تألق نقاؤه فى الشرق ، وتمت دورات التجديد له ، وأيضاً التصحيح للانحرافات الوثنية التى أصابته فى الشرق ، وحتى وثنية الشرق فإنها لم تتعد اتخاذ الرموز والوسائط التى تقرب أصحابها – بزعمهم – إلى الله الواحد ، شفاعة وزلفى .. فمنذ فجر الضمير الإنسانى كان تدين الشرق ، بديانة التوحيد ، معلماً من المعالم البارزة فى حضارات أممه وشعوبه .. وكانت النهضة الفكرية لهذه الأمم والشعوب ،بل وكانت ثوراتها السياسية والاجتماعية لابسة لباس الدين ، متخذة من لغته الأدوات والسبل لفتح مغاليق القلوب وتحريك الأمم والشعوب نحو المقاصد والغايات .

ومن يقرأ أناشيد إخناتون (1372 – 1354 ق.م) ثم يقارن بين رقى ونقاء التوحيد فيها وبين عقائد الأمم الأخرى فى الألوهية فى عصره ، بل وبعد عصره بأحقاب طويلة ، يدرك مقدار الصدق فى هذا الذى نقول .

****

هذا ويؤكد بعض الكُتَّاب العرب أن الاستشراق واصل دوره فى ترسيخ البعد القيمى لظاهرة الإسلاموفوبيا ، إلى حد خلق البنى الاجتماعية والسياسية البديلة فى الشرق الإسلامى ([3]) ، ويأتى ذلك كما يقول د. إدوارد سعيد من حقيقة هامة وهى أن : " الإسلام " كان يمثل ، على الدوام ، إزعاجاً خطراً للغرب ، فلا يمكن القول عن أى دين أو تجمعات ثقافية إنها تمثل تهديداً للحضارة الغربية بمثل التوكيد الشديد نفسه الذى يعتمد الآن عند الحديث عن الإسلام ، وليس من قبيل الصدفة أن الاضطراب والعنف والقلاقل التى تحدث الآن فى العالم الإسلامى (والتى تتصل بالعوامل الاجتماعية والاقتصادية والتاريخية أكثر مما تتصل اتصالاً أحادياً بالإسلام) قد عَّرت الحدود الضيقة للكليشيهات الاستشراقية الساذجة المتعلقة بالمسلمين "القدريين " – وفقاً للدكتور إدوارد سعيد - دون أن تولد بديلاً يحل محلها فى الوقت نفسه ، ماعدا الحنين للأيام الغابرة ، حين حكمت الجيوش الأوروبية العالم الإسلامى برمته تقريباً ، امتداداً من شبه القارة الهندية حتى شمالى أفريقيا ، وأن النجاح قريب العهد للكتب والمجلات والشخصيات التى تدعو إلى إعادة احتلال منطقة الخليج وتبرر دعواها هذه بالإشارة إلى الهمجية الإسلامية ، هو جزء من هذه الظاهرة،ولنلاحظ أن قول إدوارد سعيد هذا ، كان سابقاً على احتلال العراق (2003) وبناء قاعدة العديد - "السيلية" - فى قطر وغيرها من القواعد العسكرية التى تؤكد أن احتلال الغرب للخليج صار حقيقة، لا مراء فيها للأسف الشديد .

إن الخلاف القيمى والروحى بين ما يحمله الغرب فى مجمله وما يقدمه الإسلامى (ديناً وحضارة) من قيم أكثر تحضراً وأكثر تركيباً وعمقاً ، لهو أحد الأسباب التاريخية لنشأة ظاهرة الإسلاموفوبيا ، والتى جوهرها عداء وخوف غربى من الإسلام ودوره وقيمه ، وهو عداء دفع هذا الغرب إلى العدوان علينا ، بل واحتلال بلادنا (العراق وأفغانستان نموذجاً) وتم دفعه مجدداً لركوب ثوراتنا وتوظيفها لمصلحته ، حيث يريد الآن إنشاء شرق أوسط أمريكى ولكن بقشرة إسلامية وهو ما يتحقق عملياً وبأيدى عربية للأسف ، تتصور أنها تحسن صنعاً ولكنها تخطىء خطأ استراتيجياً ليس فى حق بلادها فقط بل فى حق (الإسلام) الذى تحمله كمرجعية حاكمة أيضاً .

المحور الثانى : البعد الاستراتيجى لظاهرة الإسلاموفوبيا : الأسباب الجيواستراتيجية للعداء الغربى للإسلام :

لا يمكن بأى حال الحديث عن قضية الإسلاموفوبيا (الكراهية للإسلام والخوف منه) دونما وضعها فى السياق الحقيقى والأصلى لها وهو سياق الصراع على الجغرافية والمواقع الاستراتيجية بين الإسلام والغرب .

إن الصراع بين الإسلام والغرب ، لا يمكن فهمه على مستوى صراع (القيم والمبادىء الأخلاقية) فحسب دونما فهم الإطار الموضوعى الذى يتحرك فيه هذا الصراع ، ونقصد هنا المعطيات الجغرافية والاقتصادية لعالم الإسلام وكيف أن هذه المعطيات مثلت دائماً الهاجس الخفى لأطماع الغرب فى دول الإسلام ، وأهمية تحطيم منظومة قيمه الموروثة لتسهيل الغزو والاحتلال وهو ما حدث بالفعل منذ بدء الحروب الصليبية عام 1095م .

وعليه ..فإن أهمية البحث فى الجغرافية السياسية لعالم الإسلام .. وفى وضعيته الاقتصادية اليوم .. تعد أهمية مطلوبة لفهم ظاهرة الإسلاموفوبيا.

فى البداية تحدثنا الحقائق أن جغرافية الدول الإسلامية تتميز بعدد من السمات المهمة ، كان لها الدور الفاعل فى نشأة وتطور مفهوم الإسلاموفوبيا ويمكن تحديدها فى ثلاث خصائص رئيسية على النحو التالى :

1 – الترابط الأرضى : تكون غالبية الدول الإسلامية نطاقاً متصلاً فى النصف الشمالى من أفريقيا والجزء الغربى من آسيا ، أى من خط 18 غرباً على ساحل غرب أفريقيا الشمالية إلى خط طول 90 شرقاً حيث إقليم سيكيانج الصينى الذى يقع شرق كشمير ، أما بالنسبة لخطوط العرض فتمتد هذه الكتلة من خط عرض 2 جنوباً (الصومال) حتى خط عرض 55 شمالاً حيث الحدود الشمالية لجمهورية كازاخستان الإسلامية فى وسط آسيا ، وتصل مساحة هذه الكتلة المتصلة حوالى 30 مليون كم مربع تقريباً أى نحو 20% من مساحة يابس الكرة الأرضية .هناك كتلة إسلامية أخرى تتمثل فى جزر وأشباه جزر جنوب شرق آسيا والتى تتكون أساساً من دولتى أندونيسيا وماليزيا ، وتمتد هذه الكتلة الإسلامية بين خطى طول 99 شرقاً ، 140 شرقاً وبين خطى عرض 10 جنوب خط الاستواء و8 شمال خط الاستواء وتصل مساحة هذه الكتلة إلى نحو مليونى كم2 .هذا وتقع بين الكتلتين الإسلاميتين السابقتين مناطق صغيرة المساحة لكنها عظيمة الكثافة السكانية مثل (بنجلاديش) التى تصل مساحتها إلى 143 ألف كم2 .

إن العالم الإسلامى يمتد بالنسبة لدوائر العرض إلى أكثر من 65 درجة عرضية ، تشتمل على عدد كبير من الأقاليم المناخية والنباتية تمتد من الاستوائى جنوباً حتى الإقليم المعتدل البارد شمالاً .هذا وتبلغ مساحة دول العالم الإسلامى مجتمعة حوالى 32 مليون كم2 أى ما يزيد على مساحة الاتحاد السوفيتى سابقاً والولايات المتحدة معاً بنسبة تصل إلى 30% من مساحة العالم .

2 – التميز الاستراتيجى : شغل العالم الإسلامى ولايزال موقعاً استراتيجياً بين مناطق العالم ؛ حيث معظم أنحاء العالم الإسلامى تطل على مسطحات مفتوحة تسلكها أهم الطرق البحرية العالمية ، ولا يقلل من أهمية العالم الإسلامى وجود الدول الحبيسة التى تفتقر إلى هذا الإشراف على المسطحات المائية مثل أفغانستان فى آسيا وتشاد والنيجر ومالى فى أفريقيا وعلى سبيل المثال يلاحظ الآتى :

أ – يطل العالم الإسلامى على المحيط الأطلنطى الذى يمر به 52% من التجارة العالمية من الغرب ، وسواحل البحر المتوسط الجنوبية والشمالية والشرقية ؛ تعد سواحل إسلامية . ويتحكم العالم الإسلامى فى مداخل بحرية مثل قناة السويس فى مصر والدردنيل والبوسفور فى تركيا وجبل طارق فى المغرب .

ب – ويقع المحيط الهندى فى جنوب العالم الإسلامى وتتحكم دوله الإسلامية فى مداخله فتسيطر اليمن على مضيق باب المندب ومن الشرق إقليم عفر وعيسى (جيبوتى) من الغرب وتشرف ماليزيا على مضيقى ملقا بالمدخل الشرقى للمحيط الهندى من الشمال وأندونيسيا من الجنوب .

ج – وتمتد من المحيط الهندى أذرع مائية تمثل بحيرات إسلامية وتتصل بالبحر الأحمر والخليج العربى فى معظم سواحلها ، إذ تشرف على الخليج العربى إيران والعراق والكويت والإمارات العربية المتحدة ، والسعودية وعمان ، كما تطل سواحل البحر الأحمر على مصر والسودان وإقليم إريتريا وجيبوتى واليمن الشمالية والعربية السعودية والأردن ، ولا يشذ عن ذلك سوى سواحل ميناء (إيلات) الفلسطينى المحتل وأثيوبيا .

د – وتطل سواحل جزر إيريان الغربية وسلبيس الحد الشرقى للعالم الإسلامى على المحيط الهادى فى أندونيسيا ، وتزايدت الأهمية الاستراتيجية لموقع العالم الإسلامى بتدفق البترول فى أراضيه والذى بلغ إنتاجه ثلاثة أرباع الإنتاج العالمى وثلثى (68%) الاحتياطى العالمى وانعكس هذا بوضوح فى تصعيد حركة الإحياء الإسلامى المعاصرة وفى علو نبرة العداء للغرب الاستعمارى .

3 – التحكم فى مداخل المحيطات العالمية : كان لموقع العالم الإسلامى المتوسط بين قارات المعمورة القديمة آسيا وأفريقيا وأوروبا وتحكمه فى مداخل المحيطات العالمية المهمة ، كان له أثره البارز فى أن تتبعه الطرق العالمية المهمة ، وعلى سبيل المثال سيطر العالم الإسلامى جغرافياً على الطرق التالية :

(أ) طريق جنوب شرق آسيا – الخليج العربى المار به طريق القوافل عبر الهلال الخصيب إلى موانى ساحل الشام ومنها بالبحر إلى الموانى الأوروبية .

(ب) طريق جنوب شرق آسيا إلى عدن فى جنوب الجزيرة العربية ومنها إلى موانى الشام ومنها إلى الموانى الأوروبية .

(ج) طريق مصر من المحيط الهندى عبر وادى النيل إلى الاسكندرية وموانى أوروبا .

(د) طريق الحرير ، من شرق بلاد الصين إلى موانى شرق البحر المتوسط عبر طشقند وسمرقند .

وقد أضافت قناة السويس إلى طرق العالم الإسلامى المهمة شرياناً بالغ الأهمية فى النقل والتجارة الدولية ، فاختصرت المسافة من جهات المحيط الهادى وغرب أوروبا بنسبة تتراوح بين 59.17% ، ووفرت الوقود بنسبة تتراوح من 50% إلى 70% مقارناً بطريق رأس الرجاء الصالح ، مما زاد عدد الرحلات التى تقوم بها السفينة الواحدة فى ذات الوقت .

وقد ارتبطت الملاحة العالمية بموقع العالم الإسلامى المتوسط وساعد عليه صفاء جو دول العالم الإسلامى (عدا المناطق الاستوائية منه) وسهولة سطحه وانبساط أراضيه ، وأدى ذلك فى النهاية إلى ارتفاع متوسط عدد ساعات الطيران فى أراضيه ، وكثافة عدد الخطوط العابرة وتزايد أهمية الموانى الجوية كالقاهرة وبيروت ودمشق ، وغيرها من العوائد الاقتصادية الهامة .

كل هذه العوامل الاستراتيجية أدت إلى زيادة العداء والكراهية الغربية للإسلام ثم بروز ظاهرة الإسلاموفوبيا وانتشارها طمعاً فى ثروات هذا العالم الإسلامى من ناحية ، ورغبة فى استمرار الهيمنة عليه لفترات طويلة من ناحية أخرى ، وهو ما تم لهذا الغرب الاستعمارى ، قديمه وحديثه ، إما بالوسائل الصلبة (العدوان والحروب المباشرة) أو الوسائل الناعمة (السياسية والثقافية وأحياناً ركوب الثورات الأخيرة وتوظيفها لمصالحه) للأسف الشديد .

المحور الثالث : السبل الصحيحة لمواجهة ظاهرة الإسلاموفوبيا :

إذا كانت ظاهرة الخوف أو العداء الغربى للإسلام والتى تسمى بـ (الإسلاموفوبيا) لها أسبابها الروحية / العقائدية ، والاستراتيجية ، والسياسية ، فإن مواجهتها أو علاجها يتطلب أن يكون على نفس المستوى من التحدى ، وعليه فإننا نقترح جملة من الخطوات والآليات لمواجهة ظاهرة الإسلاموفوبيا يمكن تلخيصها فى الآتى :

1 - تقديم الإسلام الوسطى :

الوسطية دعا إليها القرآن الكريم فى قوله تعالى : {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً}[البقرة143]

والوسطية هى المنهج القرآنى ، وهى منهج النبى صلى الله عليه وسلم ، فإنه كان وسطا فى منهجه ، وفى موعظته ، وفى خطبه ، وفى دعوته ، وفى سلوكه صلى الله عليه وسلم ، بل وفى عبادته .

فقد ورد أن نَفَراً مِنْ أَصْحَابِ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- سَأَلُوا أَزْوَاجَ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- عَنْ عَمَلِهِ فِى السِّرِّ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لاَ أَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ لاَ آكُلُ اللَّحْمَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ لاَ أَنَامُ عَلَى فِرَاشٍ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ أَصُومُ وَلاَ أُفْطِرُ. فَقَامَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ « مَا بَالُ أَقْوَامٍ قَالُوا كَذَا وَكَذَا لَكِنْ أُصَلِّى وَأَنَامُ وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِى فَلَيْسَ مِنِّى " ([4])، وهذا الحديث يبين وسطية الرسول ودعوته إلى الوسطية وعدم الغلو ، وإلى القصد فى كل شئ حتى فى العبادة .

والوسطية تعنى وسط الشئ وهو ما بين طرفيه ، وأوسط الأشياء أعدلها ، ويقال رجل وسط أى حسن ، وشئ وسط أى بين الجيد والردئ ([5]) .

قال الزمخشرى : فى قوله تعالى : {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً} أى خيارا ، فالوسط أيضا الخيار . وقال فى قوله تعالى : {قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ }[القلم28] قال : أوسطهم : أعدلهم وخيرهم ([6]) .

إذا فوسطية الإسلام عدالته ، ووسطية الإسلام خيريته ، ووسطية الإسلام : حسنه ، ووسطية الإسلام : توازنه .

وتقديم الإسلام بوسطيته هو سبيل حقيقى من سبل مواجهة العداء الغربى للإسلام (أو ظاهرة الإسلاموفوبيا) ، فالغرب عرف عن الإسلام من خلال بعض المتشددين عرف عنه التشدد والتعصب والانعزال فى الفكر والسلوك ، ولم يعرف الغرب عن الإسلام هذه الوسطية ، ولو أنه عرفها حق المعرفة واستطعنا أن نقدم وسطية الإسلام لعلم أنه دين العلم ودين الأخلاق ودين السلوك ودين التعامل مع الآخر والاندماج فى ثقافة الآخرين ورؤياهم ، ودين العدل والتسامح ، ودين الارتقاء بالنفس والروح. وهذه الأمور كلها ، وهذه الوسطية التى نتحدث عنها لا ينبغى أن تقدم نظريا فحسب ، وإنما ينبغى أن تقدم سلوكا ومعاملة ، فالنظرية لا تكفى كما قلنا من قبل ، فهم ينظرون إلى سلوكنا وإلى معاملاتنا ، ويتأثرون بالفعل أكثر مما يتأثرون بالقول والتنظير .

إننا نحتاج أن نقنع المسلمين الذين يعيشون فى الغرب بالوسطية أولا ، وهو مجهود كبير حتى نحولهم إلى سفراء للمسلمين وللإسلام فى وسطيته .

2 - البعد عن التعصب المفرق للأمة :

أما السبيل الثانى من سبل مواجهة العداء الغربى للإسلام ، فهو البعد عن التعصب المذموم والمفرق لجماعة المسلمين ، فهذا التعصب هو الذى أعطى للغرب صورة مشوهة عن الإسلام ، إذ إنهم يرون المسلمين وقد تفرقوا إلى كتل وأحزاب ومجموعات فى البلد الواحد ، بل قد يكون ذلك فى الحى الواحد وفى المسجد الواحد ، فمجموعة منهم يتمسكون بآراء وردت فى فكر مذهب بعيد أو حركة فكرية معينة ، ومجموعة أخرى تتمسك بفكر آخر ، وللأسف فإن هذه التحزبات وهذه التكتلات ليس بينهم نوع من التسامح ، ليدرك غير المسلمين أنهم مدارس فكرية ، فلا ضير فى ذلك ، وإنما بينهم نوع من الغلظة والشدة فى التعامل ، وفى قبول رأى الآخر ، مما يعطى انطباعا سيئا ، فالناظر إليهم يقول : وأين الحق إذا ؟! ، لأنه يرى أن التعصب معناه أن لدى أحد الفريقين الصواب ، ولدى الفريق الآخر الخطأ ، فأين الصواب ؟

إن التعصب لفكر أو فئة أو مذهب معين شئ مذموم فى شريعتنا الغراء .

والخلاف بين الفقهاء وارد دون تعصب ، وقبل الفقهاء والأئمة كان الخلاف موجودا بين الصحابة ، ولكن دون تعصب أو رد لرأى الآخر .

فقد اختلفوا فى بعض الأحكام ، وهناك مواطن كثيرة تبين اختلافهم ، ولكن قلوبهم كانت واحدة .

3 - الاهتمام بالإعلام :

وهذا هو السبيل الثالث من سبل مواجهة العداء الغربى : الاهتمام بإعلامنا العربى والإسلامى ، فمما هو معلوم لدى الكافة أن الإعلام الغربى لديه من الإمكانات الكبيرة ما يستطيع به أن يغزو عقول الناس وفكرهم ، بل إنه يغير الحقائق ويقنع الناس فى كافة الدول بأن المظلوم ظالم ، وأن الظالم مظلوم ، وهذا ما يسلكونه فى نظرتهم للقضية الفسلطينية والفلسطينيين ، إنهم يشوهون الحقائق ، فيظهرون فى إعلامهم أن اليهود هم المظلومون ، وأنهم يتعرضون لسفك الدماء والتفجير من جهة الفلسطينيين الإرهابيين ، وأنهم لا يستطيعون العيش فى أرضهم بسببهم ، ولذلك فإن ما يفعلونه هو دفاع شرعى عن أنفسهم ، وعن أرضهم وبلادهم . فى حين أن الأرض – كما يشيع الإعلام الغربى المسيطر عليه اليهود الصهاينة - أرضنا والمقدسات مقدساتنا وهنا تأتى مهمة الإعلام العربى والإسلامى الناجح فى شرح قضايانا وتأكيد حقوقنا فى بلاد الغرب.

4 - نشر التاريخ المضيء الحضارة الإسلامية وتوثيقها عن طريق العلماء والحكماء والمحققين :

وهذا هو السبيل الرابع من سبل المواجهة ، فإن الكتابات الغربية عن الإسلام والمسلمين تشوه حقيقة التاريخ ، إلا بعض المستشرقين القلائل ممن أنصفوا الإٍسلام وتاريخه .

إن الثقافة السائدة عند الغرب تحكى التاريخ الإسلامى والعربى على غير حقيقته ، فتقلب الصور وتغير الحقائق ، ذلك من أجل أن تعلو صورة الغرب وحضارته ، على أى حضارة أخرى . فكم كتموا من مفكرينا وعلمائنا فى كل مجالات المعرفة فى الجبر والهندسة والرياضيات والجغرافيا والطب البشرى وطب العيون والفن والآداب والاجتماع والفلسفة ....

كان للعرب والمسلمين ثقافات متعددة ، وتفوقوا فى كل مجالات المعرفة ، حتى صاروا أعلاما يهتدى بهم فى كل مجال ، وحتى نبغ كل عالم منهم فى تطوير علم معين ، بل نبغ كل عالم منهم بوضع أسس علم معين وتقنينه . ولكن الغرب أخفى كل ذلك ، أو شوه على الأقل صورته ونسب أصل العلوم ونشأتها إلى علماء من عندهم ومفكرين غربيين ، ليظهروا لشبابهم وأطفالهم أنهم هم الصفوة . أين الخوارزمى ، وابن سينا ، والرازى ، والغزالى ... إنها أصبحت أسماء مشوهة فى تاريخهم .

إننا نحتاج إلى نشر حضارة الإسلام خاصة فى شقها المضيء وهو الأبرز والأكبر باللغات المختلفة ، لنظهر حقيقة علمائنا ومفكرينا وفلاسفتنا وأدبائنا ، ونجلى هذه الحقيقة .

إننا نحتاج إلى أن نكتب حضارتنا وتاريخنا ونوثق ذلك بأيدى علمائنا . وتلك وسيلة مهمة من وسائل مواجهة ظاهرة الإسلاموفوبيا شديدة الخطر على الإسلام والمسلمين .

5 - ينبغى أن نعمل من أجل التقارب بين المسلمين عامة والعرب خاصة ، بهدف التعاون فى إيجاد خطاب فكرى وسياسى واحد نسبياً مع الغرب .

6 - ضرورة تبيان وكشف الدور الصهيونى المسيحى فى تشويه الإسلام كعقيدة وعبادة وشريعة ، وتشويه المسلمين وتصويرهم كشعوب متخلفة لا تمت للحضارة فى عقيدته وفكره وثقافته .

7 - ينبغى أن تقوم المؤسسات الإسلامية والعربية بدورها فى التواصل مع المؤسسات الغربية المشابهة ، وهذا يعنى تفعيل منظمة المؤتمر الإسلامى وجامعة الدول العربية بمؤسساتهما الفكرية والثقافية والعلمية بعد أن تحولت فى هذه الأيام إلى أداة من أدوات العدوان الغربى على الدول العربية باسم دعم الثورات ، والثورات بريئة مما يدعون .

8 - إيجاد خطة على المستوى الثقافى والفكرى للاستفادة من المسلمين الذين يعيشون فى الغرب ، والسعى إلى تفعيل مؤسساتهم ومراكزهم الفكرية والثقافية ، بهدف تبيان حقيقة الإسلام وأبعاده الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والحضارية والأخلاقية .

9 - إن ملايين الدولارات تصرف على الفضائيات العربية من أجل نشر الفساد الأخلاقى بكل أنواعه ، تحت عنوان الفن .

* فلماذا لا تستخدم هذه الفضائيات من أجل التعريف بالإسلام كعقيدة وعبادة وشريعة ومنهاج حياة وحضارة وأخلاق ؟ فالغرب والشعوب الغربية فى أشد الحاجة الروحية والنفسية والثقافية والأخلاقية للهدى الربانى ، وللحق والحقيقة الموجودة فى الإسلام .

10 - لكل دولة عربية ومسلمة فى دول العالم أكثر من مائة سفارة ، وهذا يعنى أن هناك أكثر من خمسة آلاف سفارة للمسلمين والعرب فى كل العالم والسؤال هو أين دور هذه السفارات ومستشاريها الثقافيين فى توضيح ماغم على البشرية من معارف الإسلام الثقافية والاجتماعية والحضارية والإنسانية ؟ أين دور السفارات فى الرد على الافتراءات الصهيونية حول الإسلام والقرآن والنبى محمد صلى الله عليه وسلم ؟ .

لأن هذه الهجمة على الإسلام والمسلمين ليست وليدة سنوات قليلة ، بل هى حملة منظمة منذ عشرات السنين ، حيث إن الصهاينة نزلوا إلى حلبة الصراع الفكرى والسياسى دون منافس لهم فى الأندية الثقافية والإعلامية والفكرية والأوروبية والأمريكية ، وقد نجحوا إلى حد كبير فى توجهاتهم .

11 - إن الأمل كبير بدور المساجد والمراكز الثقافية والمنتديات والجمعيات الإسلامية التى ترعى المسلمين ثقافياً ودينياً فى الغرب ، فى مواجهة هذه الحملة الممنهجة لتشويه الإسلام والمسلمين ، وطمس معالم الحضارة الإسلامية .

12 - إن التعاون بين المسلمين والعرب بات ضرورة ملحة فى عصرنا ، من أجل الاتفاق على استراتيجية واحدة لمواجهة التحدى الصهيونى ومن جندتهم الصهيونية فى حربها على الإسلام والمسلمين فى العالم ، وكانوا هم صناع ما يسمى بظاهرة الإسلاموفوبيا .

* هذه هى بعض الآليات والوسائل لمواجهة ظاهرة العداء والخوف من الإسلام (الإسلاموفوبيا) وهى تحتاج إلى من يؤكدها ، ويُفعلها ، فإذا ما تم ذلك فإن هذه الصور النمطية والعدائية للإسلام والمسلمين ، خاصة مع ربيع الثورات العربية الحقيقية وليس ثورات الـ C.I.A ؛ سوف تنتهى ، وسيبدأ من جديد النهوض العربى / الإسلامى الحقيقى ، مبرئاً من سلبيات التاريخ وإحن الحاضر ومتطلعاً إلى مستقبل أكثر إشراقاً يكون للإسلام فيه دوراً ، وحضوراً وتأثيراً . والله أعلم .


العداء الغربى للإسلام

[ الأسباب – المظاهر – الأبعاد – سبل المواجهة ]

بقلم الشيخ / جواد رياض (*)

مقدمة :

ظهر العداء الغربى للإسلام منذ زمن بعيد ، وله مظاهر عديدة ، كما أن له أسبابا كثيرة ، فهل سيبقى هذا العـداء طيلة الحياة الدنيا ؟ وهل تسبب المسلمون أنفسهم فى وجود هذا العداء ؟ وما هى سبل المواجهة لهذا العداء ؟

هذا ما سوف نتعرض له فى هذه الورقة البحثية .

من مظاهر العداء :

(1) هدم المساجد :

هناك مظاهر كثيرة لهذا العداء الغربى ، وعلى رأسها هدم المساجد ، خاصة فى الآونة الأخيرة من هذا العصر الذى نعيش فيه .

فالمسجد فى الإسلام يمثل أهمية كبرى فى قلوب المسلمين ، فهو مكان عبادتهم ، ومصدر قيمهم الروحية ، ومجتمع مشورتهم ، ومكان تعليمهم ، وتثقيفهم .

فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم بدأ أو ما بدأ فى تأسيس دولته بعد هجرته ببناء المسجد ، ليكون إشعالا لنور الهداية والبصيرة والتقى . والمسجد فى عهد النبى صلى الله عليه وسلم كان مركزا لأنشطة كثيرة : منها الأنشطة الاجتماعية والتربوية والتعليمية ، هذا بالإضافة إلى الأنشطة الروحية وما هو خاص بالعبادة . بالإضافة إلى ذلك كان المسجد مجلسا للشورى فى جميع الأمور السياسية والعسكرية.

وقد كان المسجد مدرسة يعلم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه أمور الدين.

بالإضافة إلى ذلك كان المسجد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستقبل الوفود والناس فى المسجد .

الوظيفة الأولى للمسجد هى أنها أماكن للعبادة والذكر والتفكر ، وأيضا يعتبر مصدرا للقيم والمشاعر الروحية .

وأما الوظيفة الثانية للمسجد فى عهد النبى صلى الله عليه وسلم فكانت ثقافية وتعليمية ، فالمسجد يكون فيه التعليم والتفقه فى الدين .

وظل المسجد كذلك بعد عهد النبى صلى الله عليه وسلم إلى الآن يتعلم فيه المسلمون القرآن الكريم ، وسنة النبى صلى الله عليه وسلم ، والفقه ، وعلوم اللغة ، عن طريق حلق العلم .

وكان للمسجد أيضا دور تربوى ، فاهتم بالشخصية المسلمة وبنائها بناء متكاملا ، بأسلوب تربوى بدأه الرسول صلى الله عليه وسلم وأكمله من بعده الصحابة والتابعون .

وفى عهد النبى صلى الله عليه وسلم أيضا كان المسجد ذا رسالة ودور اجتماعى ، ففيه تشيع المحبة والأخوة بين المسلمين وتنصهر بينهم عادات الكبر والضغينة والأمراض القلبية .

ولما علم الغرب ذلك كله من تاريخنا وتاريخ رسولنا ، وعلموا كيف أن المسجد له تأثير عظيم على المسلم ، وكيف أنه يخرّج هذا النموذج ، الذى يعتقدون أنه إرهابى وأنه متخلف عن الحضارة ، وأنه غير مندمج ومتكامل مع غيره ، فإنهم أخذوا يهدمون المساجد كى لا يخرج منها هؤلاء ، ولكى يقل هذا التأثير الذى يرونه خطرا عليهم .

ولذلك فإنه قد تعرضت مساجد كثيرة فى العالم للهدم .

من الأمثلة على ذلك : مسجد بابر بالهند ، " فقد حدثت ضجة عنيفة تسببت فى استقالة الوزارة بالهند بسبب ما اعتزمه الهندوس من هدم هذا المسجد ، وإقامة معبد هندوسى مكانه ، وما كان لهذه الضجة التى سالت بسببها الدماء وزهقت مئات الأرواح أن تحدث ، لو خلف النفوس من التعصب المقيت . أنشأ هذا المسجد الفاتح التترى الكبير ظـهير الدين محند بابر ، الذى غزا الهند وملكها بعد حروب تكللت بالنصر ، وارتفعت مئذنته حوالى سنة 935 هـ ، وصار أكبر مسجد أثرى بناه مؤسس الدولة التيمورية بالهند ، وظلت الشعائر تقام فيه عدة قرون ، حتى ظهرت الفتنة بين الهندوس والمسلمين ، وتعصبت الأكثرية على الأقلية ، فأوصد المسجد بدعوى أنه أقيم منذ سبعة قرون على أنقاض معبد هندوسى وتحمس القوم لهذه الدعوى ، فصمموا على هدمه وإقامة المعبد الهندوسى مكانه ، وتلك دعوى لا مثيل لها فى أى بلد من بلاد الله ، لأن الذى يحاول أن يبحث عن أى أثر فى مدى عدة قرون تبلغ السبعة لابد أن يجده قد تنقل من مالك إلى مالك ، ففى أى منطق يجوز لإنسان أو لجماعة فى القرن العشرين أن تطالب بما قد نسب إليها قبل سبعة قرون على وجه الظن لا على وجه التحقيق ؟ لأن أكثر المعابد الهندية كانت ذات بناء متواضع لا يثبت على الأيام ، وقد كتب الأثريون تاريخ هذه المعابد على سبيل الظن لا على سبيل التحقيق . فمشكلة المسجد مفتعلة ، جعلها المتطرفون من الهندوس وسيلة لإراقة الدماء دون حق ، وقد انتصرت لها الأحزاب السياسية فى الهند ، لا لأنها حق فى ذاتها ، بل لاحتواء أصوات العامة فى الانتخابات السياسية ، وقد واجه هذه المشكلة رئيس الوزارة السابق " برتاب سيبخ " بحزم ، فاتخذ موقف الحياد حين أحال قضية المسجد إلى المحكمة العليا فى الهند ، لتفصل فى القضية على ضوء الحجج والوثائق التاريخية ، وهذا إجراء منصف ما كان يجوز الاعتراض عليه لو سلمت النفوس من الأحقاد ، ولكن ما كاد رئيس الوزراء يصدر قراراه بإحالة القضية إلى المحكمة العليا حتى ثار عليه أكثر أعضاء الحكومة ، واستقال سبعة من الوزراء احتجاجا على مسلك نزيه قام به رئيس محايد لم يتعصب للمسلمين ، ولكن حاول وضع الأمر فى ميزان العدالة النزيهة ، وقد حظى زعيم المنشقين على رئيس الوزراء بشعبية كبيرة ، ونال ثقة الأحزاب الهندوكية ، وعلى رأسها حزب المؤتمر الذى يتزعمه " راجيف غاندى " فسقطت وزارة " برتاب " لأنه اتجه بالقضية إلى القضاء .

والعجيب أن بعض الساسة أصدر منشورات تقول إنه لا ينادى بهدم مسجد " بابر " فقط ، بل بهدم المساجد التى نشأت فى الدولة منذ حكم " بابر التيمورى " ، ولم نجد فى بلاد الإسلام من يستنكر هذا الغضب المقيت ، بل وجدنا من يرمون المسلمين بالتعصب ، لأنهم يتمسكون بمساجدهم وتهمة التطرف فى موضوع هذا المسجد بالذات يجب أن توجه إلى الهندوس الذين افتعلوا الفتنة وتحمسوا لهدم المسجد الإسلامى بغيا دون حق ولكن الباطل يصير حقا عند من يسرهم أن تهدم مساجد الله على رؤوس الأشهاد " ([7])

وأيضا فى ألمانيا كانت الحرب على مسجد فالديرول ، فإنه " تكثر فى ألمانيا المساجد ، وهى تبنى فى الأحياء الراقية ويقوم على تشييدها كبار المهندسين الذين يتمتعون بالذوق المعمارى ، ويحاولون أن يحيطوا البناء بالخضرة الزاهية ، والسياج الجميل ، وتشاد هذه المساجد بتبرعات المسلمين من الأتراك والمغاربة والأفارقة واليوغسلافيين والمصريين من الذين يسكنون هذه الديار مع إخوانهم الذين اعتنقوا الإسلام من الألمانيين ، لأن هذا الدين القيم قد وجد طريقه إلى قلوب الكثيرين بعد الحرب العالمية الثانية ، إذ أقبل الألمان على قراءة ترجمات معانى القرآن فانجذبوا إلى هديه الكريم . أما مسجد " فالديرول " فله مشكلة خاصة ترددت فى الصحف هناك ، واهتم الجمهور اهتماما شديدا ، لما صحب بناءه من اعتراضات لا مبرر لها ، حين جمعت الجالية التركية بالمدينة مبلغا كبيرا لبناء المسجد ، ولا حرج فى ذلك قانونا ، لأن الدستور الألمانى يكفل للمواطنين جميعا ممارسة عباداتهم كما يشاءون ، وقد تم البناء على أحسن ما يتصور المشاهد من الإبداع والأناقة ، ولكن المهندس المعمارى بالمدينة أمر بإيقاف البناء ، حين رأى مئذنة عالية تأخذ وضعها الطبيعى مدعيا أن المساجد فى جميع البلاد بألمانيا وتبلغ أكثر من ألف مسجد ليس بها مآذن باستثناء عشرة مساجد فقط هى التى يرتفع فيها صوت الأذان من أعلى مكان بالمدينة ، ولابد أن يكون مسجد " فالديرول " فى رأيه خاليا من المئذنة ، التى تشوه المنظر الجمالى للمدينة ، حين تنفرد ناهضة على ارتفاع ستة وعشرين مترا ، وهى حجة باطلة من أساسها ، لأن مدخنة المصنع الكبير ترتفع فى المدينة كما ترتفع المئذنة ، وترسل من الدخان ما يعكر الجو ، ولم يقل هذا المهندس إن المدخنة تخل بالوضع الجمالى فى بلده ، ومما زاد الأمر بلبلة أن بعض المتعصبين ممن رأوا فى إقامة المسجد إساءة لمشاعرهم الخاصة ، قد أيدوا المهندس واستغلوا ما يقوله عن المئذنة ، وكأنه حق عادل ، وحين تأزم الوضع رأى المسلمون أن يطالبوا بتعويض قدره ثمانمئة ألف مارك ألمانى للجالية التركية ، لأنها لم تقم المسجد إلا بعد تصريح ببنائه ، وفى بعض الاجتماعات الخاصة رأى المنكرون لتشييد المئذنة أنهم لا يستطيعون أن يمنعوا إقامة المسجد بحكم الدستور الألمانى إذا نجحوا فى منع المئذنة وحدها ، وأنه سيؤدى رسالته فى المدينة ، وهى رسالة ذات توجيه دينى ، لأن مكتبته حافلة بالكتب الداعية إلى الإسلام ، ويتوافد عليها القارئون من المسلمين وسواهم لا سيما من طوائف البروتستانت التى تنجذب إلى قراءة الموضوعات الدينية ، وترى فى بساطة العقيدة الإسلامية ما يتواءم واتجاهاتها الثقافية ، وقد انتهى الأمر إلى أن ترتفع المئذنة ولكن فى حيز أقل مما قدر لها ، وقد تكلف بناؤها خمسين ألف مارك ، وأدى المسجد رسالته ، وشاء الله أن تكون الضجة التى صاحبت بناءه عامل انتباه إليه ، فأصبح مزارا كبيرا لزائرى المدينة ، ومحلا للتعارف الإسلامى بين الوافدين من شتى ربوع الإسلام " ([8]) .

وأيضا فقد تعرضت مساجد أخرى للعدوان ، مثل المسجد الإبراهيمى بالخليل ، " فقد شيد المسجد الإبراهيمى بمدينة الخليل الفلسطينية فى العصر الأموى ، على الطراز المعروف فى ذلك العهد ، وهو بناء حسن المنظر يحوط به سور مرتفع يتخلله بابان ، أحدهما فى الجنوب والآخر فى الغرب ، وله منارتان عاليتان طول الواحدة سبعة أمتار ، وفى داخله صحن مكشوف كصحن الأزهر الشريف ، مع أبنية متجاورة فى الداخل تشبه الأروقة الملحقة ببعض مساجد القاهرة ، وقد ظل المسجد إسلاميا خالصا لا ينازع فى إسلاميته أحد ، حتى جاءت محنة حزيران سنة 1967 م فظهرت فجأة دعوة صهيونية تدعو إلى استرداد المسجد الإبراهيمى ، لأنه يهودى النشأة ، فهو موئل جدهم إبراهيم ، وقد دفن فيه يعقوب وسارة ويوسف وإسحاق ، وتلك افتراءات تكذبها مصادر اليهود نفسها ، لأن التوراة قد ذكرت أن إبراهيم عليه السلام قد اشترى قطعة أرض لتدفن فيها زوجته ، ولم تقل التوراة إنه أقام بها معبدا ، ومقابر الأنبياء من أولاد إبراهيم عليه السلام لم تجمع فى مكان واحد ، ولم يأت دليل مشتهر على انفرادها بموضع خاص أما أن إبراهيم عليه السلام جد موسى بن عمران نبى اليهودية ، فهو أيضا جد العرب ووالد إسماعيل عليه السلام العربى كما هو والد إسحاق العبرى ، فلماذا يصر اليهود على اختصاصهم به وقد ظهر قبل اليهودية بأكثر من ستمئة عام ، والله عز وجل يقول : {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ }([9]) وما قاله القرآن يقوله جمهرة المؤرخين شرقا وغربا . وقد اقتحم الصهيونيون حرم المسجد ، وحددوا فيه مكانا فسيحا لإقامة صلواتهم ، وجعلوا زاوية صغيرة منه لصلاة المسلمين فى أوقات محددة فقط ، بينما يظل بصفة دائمة مجالا لصلوات اليهود ، وقد دمر فيه كل ما يدل على إسلاميته الواضحة من آيات قرآنية ، ومنبر ومحراب مع ما كان يحفل به من المصاحف والكتب الإسلامية ، التى استبدلت بنسخ حديثة من نسخ التوراة ، وقد أهدرت كرامة المسجد حين جلبت له زجاجات الخمور ، ليشربها حراس " الكنيس " على زعمهم فى أماكن العبادة وفناء المسجد ، ولا أدرى كيف يتفق وجود نسخ التوراة والتلمود مع زجاجات الخمر ومظاهر القصف والطرب . هذا وقد جاهد الشعب الفلسطينى فى مقاومة هذا الاعتداء الصارخ ، وما زلنا نذكر الجريمة البشعة التى دنست المسجد الإبراهيمى الشريف فى أكتوبر سنة 1989 م حين قام الجنوب الإٍسرائليون بتمزيق نسخ القرآن بالمسجد ، وأطلقوا النار على المصلين فأصيب منهم فى هذه النازلة سبعة وأربعون مواطنا ، وقامت إسرائيل باعتقال سبعة وستين شخصا ممن تصدوا لمقاومة الاعتداء على الحرم الإبراهيمى ، ثم صدرت كتب إسرائيلية تثبت الحق التاريخى لليهود فى المسجد ، كما نقلت نسخة قديمة خطية للتوراة إلى المسجد ، على زعم أنها كانت فى الأصل بالمسجد الإبراهيمى ثم اختفت منه عدة قرون ولم يقل أحد كيف اختفت ؟ وفى أى مكان كان هذا الاختفاء ، وكيف وجدت فجأة ، ومن أى موضع وإذا كانت أقدم نسخة فى زعمهم الآن هى نسخة المسجد الإبراهيمى ، فكيف قالوا من قبل إن أقدم نسخة هى نسخة المسجد الأقصى بالقدس؟ ذلك تخبط يدل على المرواغة والاحتيال " ([10])

ومن خلال ما سردنا عن حروب الغرب على المساجد نعلم أنهم يخشون من الإسلام عامة ومن المسجد خاصة ، لأنه تنشر من خلاله ثقافة لا تمثل ثقافتهم .

(2) المآذن :

ويتبع المساجد فى العداء المآذن ، فإنها تشكل لهم أيضا استفزازا ، وقد رأينا منع رفع الأذان فى بعض الدول الغربية ، كما رأينا أيضا حظر بناء المآذن فى بعضها الآخر .

وقد بدأت بهذا الحظر سويسرا ، ثم تبعها بعد ذلك دول أخرى ، وافقت على هذا الحظر .

وذلك لأنهم يعلمون أن المئذنة شعيرة للمسجد تدل عليه ، وأن المسجد شعيرة للإسلام وعلامة على وجود بعض المسلمين .

فالمئذنة لها تاريخ ، فإن الأذان فى بداية الأمر فى عهد النبى صلى الله عليه وسلم كان من فوق بيت مرتفع بجوار المسجد ، لأن المسجد لم يكن مهيئا للصعود فوقه وأداء الأذان ، فلما بنى المسجد أذن بلال من فوق المسجد ، ولكنه لم يكتف بذلك بل وضع له شئ فوق السطح ليرتفع عليه بقدر الإمكان .

ولذلك كان الأذان من فوق مكان مرتفع مستحبا .

ونظرا لكثرة الأبنية فى العصور المختلفة وازدحامها وصعوبة وصول صوت الأذان إلى من حوله من الناس ، ونظرا لما تطور عليه الأمر بعد ذلك ، فقد بنيت المآذن واتخذت بعد وفاة عمر رضى الله عنه ([11]) .

وفى شرح الشيخ إسماعيل عن الأوائل للسيوطى : إن أول من رقى منارة مصر للأذان شرحبيل بن عامر الراوى وبنى سلمة المنابر للأذان بأمر معاوية ولم تكن قبل ذلك ([12]) .

وقد أمر معاوية ببناء منارة مئذنة لمسجد الفسطاط ،مسجد عمرو بن العاص الآن ([13]) .

وقد جعل عمر بن عبد العزيز لمسجد النبى صلى الله عليه وسلم  أربع مآذن فى زواياه الأربع ، ارتفاع كل منها نحو ستين ذراعا ، ومساحتها ثمانية فى ثمانية ، وذلك ليعلو كل مئذنة مؤذن يردد الأذان فى الاتجاه المقابل ، ثم تطور الأمر بعد ذلك فجددت إحدى هذه المآذن فى سنة 706هـ فى عهد الناصر قلاوون وبلغ فى بعض هذه التجديدات ارتفاع بعض المآذن إلى مئة وعشرين ذراعا وذلك فى عهد قايتباى سنة 892هـ ([14]) .

وقد أصبحت المآذن بعد ذلك علامة ومظهرا من مظاهر الإسلام ، خاصة فى الأزمنة المعاصرة التى كثرت فيها معابد اليهود وكنائس النصارى وأماكن العبادات لكل دين ، فكان التمييز ضروريا بين كل منها .

 (3) محاربة الشعائر :

ومن مظاهر العداء الغربى للإسلام أيضا محاربة الشعائر ، وهذه الشعائر ، كما قدمنا ، بعضها يتعلق بإقامة وبناء المساجد ، إذ إن المساجد تقام فيها شعائر المسلمين من صلاة ، كصلاة الجماعة وصلاة الجمعة وصلاة العيدين ... إلى غير ذلك من الصلوات . وما يستلزم هذه التجمعات من أداء للأذان ، وهو شعيرة أخرى تتعلق بالصلاة ، فقد حورب الأذان بين الجاليات الإسلامية فى الغرب ، ومنع بالفعل فى أكثر هذه البلاد ، كما حظرت المآذن التى هى شعيرة أخرى تدل وتظهر مكان عبادة المسلمين .

هذا بالإضافة إلى منعهم فى أكثر هذه البلاد ، من صلاة الجمعة بسبب عدم وجود عطلة رسمية فى هذا اليوم .

مع أن البلاد الإسلامية تتيح الفرصة لغير المسلمين من نصارى أو يهود أن يمارسوا شعائرهم فى أيامهم وأعيادهم بكل حرية .

حتى إنه وصل فى بعض هذه البلاد ، كمصر ، أن جعلت بعض الأعياد الرسمية للنصارى إجازة وعطلة عامة لجميع المصريين ، مسلمين ومسيحيين ، كيوم السابع من يناير مثلا.

وهذا يعبر أكمل تعبير عن أن المسلمين هم الذين يحرصون على الديمقراطية ، وعلى حرية الآخرين ، إذ ما علاقة المسلمين ، وهم يشكلون أغلبية بعيد النصارى ، وهم يشكلون أٌقـلية إلا تمسكهم وحرصهم على إسعاد هؤلاء بأعيادهم ومشاركتهم أعيادهم .

وعلى النقيض تماما فى بلاد الغرب ، فهم لا يشاركون المسلمين فى أعيادهم ، ولا يتيحون لهم إجازات فى هذه الأعياد ، فضلا عن أن تتعطل الدولة كلها فى هذه الأعياد ، ولو يوما واحدا ، بل إنهم لا يتيحون الفرصة للمسلمين أن يمارسوا شعائرهم فى هذه الأعياد ، كصلاة الجمعة وصلاة العيدين ، وذبح الأضحية ... إلى غير ذلك من الشعائر .

(4) الحجاب :

ومما يتعلق بمظاهر العداء ، حربهم على الحجاب للمرأة المسلمة ، فإن المرأة المحجبة تشكل عندهم نمطا من الازدراء فى المعاملة ، والانعزال عن المحجبات باعتبار أن هذا الحجاب يعبر عن الإسلام ، فالمرأة المحجبة فى بلاد الغرب تعانى من اضطهاد كبير وسخرية وانعزال مجتمعى .

بالرغم من أن هذا الحجاب لا يشكل قطع علاقات بين المسلمة وغيرها ، فهى تلبس زيها العادى غير أنها لا تكشف شيئا من جسمها سوى الوجه والكفين ، إلا أن هذا أيضا أصبح علامة على التخلف والإرهاب ، لدرجة أنهم منعوه فى المدارس والجامعات فى بعض هذه البلاد الغربية ، مع أن هذا يتعارض مع ادعائهم الحرية والديمقراطية ، إذ إن من مبادئ الحرية حرية اللباس ، فهم لايتعرضون أبدا لمن كشفت عن جسمها وتبرجت بأى نوع من أنواع التبرج ، فهذا حرية .

ولكنهم يتعرضون لمن سترت جسمها ، لأن دينها يأمرها بالستر عن غير محارمها .

حتى إن هذا العداء للإسلام فى شكل الحجاب أصبح ظاهرا ، بعد أن كان فى وقت من الأوقات داخل الصدور ولا يتعداها .

فكلنا قد سمعنا عن مروة الشربينى المصرية المسلمة التى انقض عليها وقتلها رجل متعصب متذمت من الذين يعيشون فى الغرب ، وقتلها أمام مجلس القضاء الذى ، من المفروض ، أنه يمثل العدالة وبداخله من الاحتياطات الأمنية الكثير ، والذى من المفروض أيضا أن يحكم فى هذه القضية بالمساواة الإنسانية ، وبقوانين حقوق الإنسان . ولكن هيهات أن يسمع هذا .

 (5) المدارس الإسلامية :

من المنطقى والطبيعى أن تكون للمسلمين مدارس فى بلاد الغرب ، يتعلمون فيها ـ بالإضافة إلى العلوم المقررة العلمية والثقافية ـ شطرا من العلوم الدينية واللغة العربية التى تساعدهم على التمسك بمبادئهم وأخلاقهم .

وإذا نظرت فى بلاد المسلمين والتى فيها أقليات مسيحية لوجدت عددا كبيرا لا حصر له من مدارس النصارى والراهبات تدرس فيها مبادئ دينهم .

بل إنك تجد هذه المدارس تزداد كثرة ، ويلتحق بها عدد من المسلمين غير قليل ، هذا بالإضافة إلى مدارس اللغات التى انتشرت بلا حدود فى بلادنا الإسلامية،مصر وغيرها .

بل إن الأمر قد تعدى ذلك إلى الكليات المتخصصة لهم فى اللاهوت ، ودراسة الدين المسيحى ، فبعد أن كانت كلية واحدة فى أسيوط ، انتشرت الكليات فى أنحاء مصر .

وهذا دليل على ترك حرية الدين وحرية دراسته فى بلادنا للأقليات غير المسلمة.

وهذا لم نجده فى المقابل فى بلاد الغرب ، بل إنهم يحاربون المدارس الإسلامية وإنشائها من البداية ، خوفات وقلقا من انتشار مفاهيم الإسلام التى يعتبرونها نوعا من الإرهاب والتخلف والانعزال.

إن المدارس الإسلامية فى الغرب محدودة للغاية ، ولا تستطيع أن تغطى احتياجات المسلمين هناك ، بل إن المسلمين يعانون من تردى فى تعلم اللغة العربية والمبادئ الدينية والأخلاقية .

 (6) الإساءة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم :

ومن مظاهر العداء أيضا ما حدث من إساءة لرسول الإنسانية محمد صلى الله عليه وسلم الذى جاء بالرحمة المهداة ، وجاء خاتما لرسالات الأنبياء جميعا .

هذه الإساءة التى تمثلت فى الرسوم الكاريكاتيرية المختلفة ، التى توضح مدى كراهية بعض الغربيين للمسلمين ولرسولهم محمد صلى الله عليه وسلم .

فهم يعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم له فى قلوب المسلمين من التوقير والاحترام الكثير والكثير ، ولذلك كان منهم هذا الاستفزاز لمشاعرهم .

وفى المقابل فإننا نحن المسلمين نوقر جميع الأنبياء والمرسلين ، فلم يحدث أن أساء مسلم أو مسلمون للمسيح عليه السلام أو لمريم عليها السلام ، لأن إيماننا بعيسى عليه السلام وأمه مريم عليها السلام هو جزء من الإيمان بالله وجزء من العقيدة عند المسلمين . فلا تكمل عقيدة المسلم إلا إذا آمن بالأنبياء جميعا .

ولذلك فإنك تجد عندما أساء البعض من الملحدين إلى سيدنا عيسى عليه السلام فى بعض البلاد الغربية ، انتفض المسلمون يعلنون اعتراضهم وغضبهم للإساءة للمسيح ، بالرغم من أن هذا الغضب كان من الأولى أن يكون للنصارى،ولكن المسيح له فى قلوب المسلمين من التوقير ما للأنبياء جميعا ، فقد قال تعالى: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ}[البقرة285]،وقال تعالى : {قُلْ مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللّهِ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ*مَن كَانَ عَدُوّاً لِّلّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ}[البقرة97 ، 98]

فعدم الإقرار بعيسى عليه السلام كرسول من عند الله ، هو كفر ، لأن الإيمان بالله ورسله يقتضى الإيمان بعيسى وموسى وكل الأنبياء والمرسلين والاعتراف بطهارة مريم ، وعلو شأنها وأنها من أفضل نساء الجنة كما جاء فى أحاديث نبينا صلى الله عليه وسلم عندما قال : " أفضل نساء الجنة أربع مريم بنت عمران وخديجة بنت خويلد وفاطمة ابنة محمد وآسية ابنة مزاحم " ([15]) .

هذه عقيدة المسلمين .

ومن خلال هذه المقارنة تعلم كيف أن المسلمين هم الذين يتمتعون بالحرية ويتركون الآخر يتمتع بحريته ، وهم الذين يتصفون باحترام الأديان ، ويتركون الآخر يمارس دينه وشعائره بغير حجر أو ضغط إذ {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ}[البقرة256]

وقد استقر المسلمون على قاعدة فى المعاملة مع الآخر ، من خلال استقراء القرآن والسنة ، تقول: " أمرنا بتركهم وما يدينون " .

ففى بلاد الإسلام يتمتع غير المسلمين بكل الحريات ، فهم يمارسون الشعائر بحرية ويرفعون رموز دينهم بغير اعتراض .

ويتمتعون بأوقاتهم وإجازاتهم بلا مشكلة ، وينشئون المدارس والمعاهد الخاصة بهم ، بلا أدنى معارضة ، ويقننون القوانين التى تتفق مع دينهم وشرعهم ، وذلك فى بلادنا .

فهذه هى الحرية الحقيقبة التى لا يجدها المسلمون فى المقابل فى بلاد الغرب .

إننا نحتاج من هؤلاء الغربيين إلى نظرة مجردة عادلة ، ورؤية حرة نقية تقوم على الدراسة والبحث من خلال فرق بحثية تجوب أراضى المسلمين ، لترى كيف يعيش غير المسلمين فى هذه البلاد ، وكيف يمارسون حرياتهم ، ثم يقرون بعد ذلك الحرية .

أسباب العداء الغربى :

* لا شك أن عداء الغرب للإسلام قديم قدم التاريخ ، ولا شك أن عداء غير المسلمين للإسلام والعرب عموما قديم أيضا .

ومنذ أن جاء سيدنا محد صلى الله عليه وسلم برسالته الخاتمة والمشركون يكيدون له ، والروم لا يرضون بما جاء به ، والفرس يحاربونه ...

وقد كان قبل الإٍسلام ديانات سماوية ، وقد نالها التحريف ، حاربت أيضا هذه الرسالة الخاتمة وحاربت صاحبها ، كما حاربت على مر التاريخ بعد ذلك أمة المسلمين .

وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الكراهيات والعداوات فقال تعالى : {وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ }[البقرة120] .

وقال تعالى : {مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلاَ الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَاللّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ }[البقرة105]

وقال تعالى : {وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ}[البقرة109]

فالعداء بسبب الرسالة الخاتمة وبسبب الدين قديم .

* ولا شك أن هناك سببا آخر من أسباب العداوة وهو الخوف من انتشار الإسلام ، فقد أخذ الإسلام يزحف بأعداد كبيرة فى أوربا وأمريكا وبعض دول الغرب ، بالرغم من الجهود القليلة التى يقوم بها الدعاة فى هذه البلاد ، فالغرب يخشى دائما من أن يأتى اليوم الذى يصبح فيه المسلمون أكثر عددا وقوة ، وبالتالى فإنه سيكون لهم شأن فى مواقع كثيرة من مواقع المسئولية فى هذ الدول ، وربما يخشون أن تتحول بعض الدول إلى دول إسلامية ، خاصة أن الإنجاب يكثر بين المسلمين بالمقارنة بغيرهم . وهذا الخوف نشأ عندهم من ارتباط الإسلام بالإرهاب والقتل والعزلة ، كما قلنا من قبل .

فهم يرون هذه الأيام القادمة التى ربما يحكم فيها المسلمون أيام انغلاق وتعاسة وظلام .

* ومن أسباب العداء أيضا الاستعلاء والاستكبار الذى يعيشه الغرب والذى يشعرون به.

وهذا الاستعلاء أنشأه اليهود فى البداية ، فهم الذين يصفون أنفسهم بأنهم شعب الله المختار ، وأن غيرهم عبيد لهم ، يعملون من أجلهم ، ومخلوقون سخرة لهم. وهذا ما أشار إليه القرآن فى البداية عندما حكى عنهم فى قوله تعالى : {وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاء اللّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ}[المائدة18] وبدأ الله عز وجل باليهود ، فهم الذين يرون أنفسهم فوق الناس ، وقد امتد هذا الاستكبار والاستعلاء لكثير من الغربيين تقليدا لهؤلاء اليهود والذى زرعوا هذا الاستكبار فى قلوب الأمم ضد أمم أخرى ، وخاصة ضد المسلمين . وقد قال الله تعالى أيضا حكاية عنهم : {وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً}[البقرة80]

فقد صور لهم هذا الاستكبار أن لهم منزلة وقدرا ورأيا يوم القيامة ، وهذا من سفاهة قولهم واعتقادهم .

* ولا شك أن هناك سببا آخر من أسباب العداء الغربى للإسلام يتعلق بالسبب السابق ، وهو السيطرة على مقدرات العرب والمسلمين فى بلادهم ، فالاستعلاء والاستكبار صور لهم أن هذا الخير الذى رزقه الله المسلمين فى أرضهم من أراضى خصبة صالحة للزراعة ، وأنهار نقية بماءها ، وكنوز من البترول والذهب تحت أراضيها ، ومناخ معتدل فى بلادها ... إلى غير ذلك .

صور لهم استعلاؤهم أن هذا الخير من حقهم ، ولذلك فإنهم سعوا ويسعون دائما للسيطرة على استعمار هذه البلاد ، وقد حكى لنا التاريخ كثيرا من هذه الجولات التى سعوا فيها لاستعمار مصر والجزائر وتونس وليبيا .... وغيرها ، ولم تنج دولة من هذا الاستعمار وهذا الخراب من أجل أن يسيطروا على هذه البلاد وعلى خيراتها .

ولما حاربت الشعوب ، وحاربت الدول من أجل تحرير أراضيها ، دخلوا عليهم بشكل آخر من أشكال الاستعمار والسيطرة بحروب أخرى يدعون فيها أنهم يمثلون العدل على الأرض ، وهم فى الحقيقة ينهبون ثرواتها فى الخليج وفى الدول الإٍسلامية والعربية باسم الإنسانية ، وحقوق الإنسان وإقامة العدل ورفع الظلم .

وهم فى الحقيقة ناهبو الثروات وآكلوا الأموال ، وقاتلوا الأنفس ، وسالبوا الأراضى والمقدسات .

*وهناك سبب آخر من أسباب العداء الغربى للإسلام ، وهو كتابات بعض المستشرقين .

فقد دأب بعض المستشرقين على دراسة الإسلام وتاريخه ، والدين ومعالمه ، والشريعة ومقاصدها ، ثم يدلون بدلوهم فى نقض الإسلام ونقده ، فيكتبون عن الإسلام بغير إنصاف منهم ، بل يكتبون بحقد وحسد فى قلوبهم ، دون دراسة علمية محايدة .

نعم هناك من المستشرقين من أنصفوا الإسلام ، وكتبوا كتابات عظيمة عن التاريخ الإسلامى ، ومراحله ، والقرآن الكريم وشموله لجوانب الجياة ، والحديث النبوى وعلومه ، وعن النبى صلى الله عليه وسلم وسيرته .

كتبوا عن ذلك كله وأنصفوا نبى الإسلام ، ولكن هؤلاء قلة ، أما الكثير منهم فهم من دمروا سيرة الأمة الإسلامية ، وعبروا عنها بالإرهاب والتخلف والرجعية .

فكان هذا سببا آخر من أسباب عداء الغرب لنا وللأمة الإسلامية .

* ومن أسباب العداء الغربى للإسلام أيضا الجمود الفكرى والتعصب لدى بعض المسلمين . فهؤلاء شوهوا صورة الإسلام فى الغرب مما كان سببا فى عداء الغرب لنا .

شوهوا صورة الإسلام بجمودهم ووقوفهم عند ظواهر النصوص ، وأوتوا من التصلب ما جعلهم منعزلين عن المجتمعات التى يعيشون فيها ، مما جعل غير المسلمين يخشونهم ، ويخشون المعاملة معهم .

منهم من صور الإٍسلام بأنه دين السيف والقتل ، ومنهم من صور الإسلام بأنه دين العصبية والتشدد ، ومنهم من صور الإسلام بأنه دين لا يقبل الآخر ولا يتعامل معه .

والغرب فى نظرتهم للمسلمين لا يفرقون بين المنهج والسلوك ، فإنهم إذا نظروا لهؤلاء المسلمين ومعاملاتهم حكموا على الإسلام بهذه الصورة الماثلة أمامهم ، فإذا أردت أن تقنعهم وتعرفهم المنهج الإسلامى أنه فى دستوره وقواعده لم يأمر بذلك ، ولم يدع إلى ذلك ، وأن هؤلاء المسلمين لا يعبرون عن الإسلام الحقيقى فى القرآن والسنة ، فإنهم لا يصغون إلى هذا الكلام ، لأن الالتزام بالمنهج ، أى منهج ، هو ديدن هؤلاء الغربيين ، فإذا وجدت واحدا منهم اعتنق منهجا معينا ، دينا أو فكرا أو أى منهج ، فإنك تجده ملتزما بهذا المنهج وبلوائحه .

ويتعجب عندما تقول له هذا الكلام .

ولذلك فإن الإسلام قد انتشر فى إفريقيا فى العصور السابقة ، عن طريق معاملة المسلمين لغيرهم معاملة عبرت عن التسامح والجدية ، وتقبل الآخر ، فلما رأى غير السملمين ذلك دخل كثير منهم فى الإسلام ، لأنه يعتقد أن السلوك معبر عن المنهج .

سبل المواجهة :

مقدمة : لعلى عندما أكتب عن سبل المواجهة أكتب وأنا آمل ، كما يأمل كثير من المسلمين ، فى التغيير وفى التطوير لحال المسلمين ومآلهم .

ولكن الإنسان أحيانا يشعر بالإحباط ، لكن هذا لا يجعلنا نترك الدعوة إلى الأحسن ، وإلى تغيير النفس ، فإن الله عز وجل يقول : { إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ}[الرعد11] ومن وجهة نظرى أن سبل المواجهة تتمثل فى النقاط الأتية :

أولا : تقديم الإسلام الوسطى : الوسطية دعا إليها القرآن الكريم فى قوله تعالى : {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً}[البقرة143] والوسطية هى المنهج القرآنى ، وهى منهج النبى صلى الله عليه وسلم ، فإنه كان وسطا فى منهجه ، وفى موعظته ، وفى خطبه ، وفى دعوته ، وفى سلوكه صلى الله عليه وسلم ، بل وفى عبادته .

فقد ورد أن نَفَراً مِنْ أَصْحَابِ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- سَأَلُوا أَزْوَاجَ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- عَنْ عَمَلِهِ فِى السِّرِّ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لاَ أَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ لاَ آكُلُ اللَّحْمَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ لاَ أَنَامُ عَلَى فِرَاشٍ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ أَصُومُ وَلاَ أُفْطِرُ. فَقَامَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ « مَا بَالُ أَقْوَامٍ قَالُوا كَذَا وَكَذَا لَكِنْ أُصَلِّى وَأَنَامُ وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِى فَلَيْسَ مِنِّى " ([16]) .

وهذا الحديث يبين وسطية الرسول ودعوته إلى الوسطية وعدم الغلو ، وإلى القصد فى كل شئ حتى فى العبادة .

والوسطية تعنى وسط الشئ وهو ما بين طرفيه ، وأوسط الأشياء أعدلها ، ويقال رجل وسط أى حسن ، وشئ وسط أى بين الجيد والردئ ([17]) .

قال الزمخشرى : فى قوله تعالى : {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً} أى خيارا ، فالوسط أيضا الخيار . وقال فى قوله تعالى : {قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ }[القلم28] قال : أوسطهم : أعدلهم وخيرهم ([18]) .

إذا فوسطية الإسلام عدالته ، ووسطية الإسلام خيريته ، ووسطية الإسلام : حسنه ، ووسطية الإسلام : توازنه .

وأمة الإسلام أمة العدل والخير فهى أمة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ، وهى أمة تتوسط بين الماديات والروحانيات ، فلا تترك العبادة والارتقاء بالنفس والروح ، ولا تترك المعاملات ، وإقامة العدل بين الناس . وأمة الإسلام أمة وسط تعمل بما أمر الله فى الدنيا ، وتنتظر الجزاء الأخروى يوم القيامة .

وأمة الإسلام أمة الوسط ، تنظر فى نصوص المصادر التشريعية بفقه وفهم ، ولا تقف عند الظاهر فحسب . وأمة الإسلام أمة الوسط تحسن بالعمل الصالح للأخرة ، ولا تنسى نصيبها من الدنيا . وأمة الإسلام أمة الوسط تعطى كل ذى حق حقه ، ولا ترفع أحدا فوق مكانه ، فالله تعالى هو المعبود ، والرسل بشر فضلهم الله تعالى برسالاته .

وأمة الإسلام أمة الوسط تنفق فى سبيل الله عز وجل ، ولا ينسى أحد من يعوله أو يقوته ([19]) . وأمة الإسلام وسط بين المادية والروحية ، وسط بين الملكية الفردية ومصالح جموع الناس ، وسط بين المغانم والمغارم ، وسط بين الفرد والجماعة ، فلا يطغى الفرد على الجماعة ، ولا تطغى الجماعة على الفرد ، وسط بين إطلاق الدوافع الفطرية بلا ضابط ، فينقلب إلى شهوات مدمرة ، وبين كبت الدوافع وتعطيل الحياة بالرهبانية فتقيم ضوابط تضبط بين منطلق الشهوات ، وتطهر مجراها دون كبت لمنبعها ، وسط بين العلم والإيمان ، فلا يطغى العلم المادى فينكر الوحى ، ولا يمنعها إيمانها بالوحى أن تجرب وتنقب وتجتهد ، ولذلك أقامت حركتها العلمية الكبرى بغير صراع مع العقيدة . وسط فى كل مجالات الحياة ([20]) . 

فتقديم الإسلام بوسطيته هو سبيل حقيقى من سبل مواجهة العداء الغربى للإسلام ، فالغرب عرف عن الإسلام من خلال بعض المتشددين عرف عنه التشدد والتعصب والانعزال فى الفكر والسلوك ، ولم يعرف الغرب عن الإسلام هذه الوسطية ، ولو أنه عرفها حق المعرفة واستطعنا أن نقدم وسطية الإسلام لعلم أنه دين العلم ودين الأخلاق ودين السلوك ودين التعامل مع الآخر والاندماج فى ثقافة الآخرين ورؤياهم ، ودين العدل والتسامح ، ودين الارتقاء بالنفس والروح.

وهذه الأمور كلها ، وهذه الوسطية التى نتحدث عنها لا ينبغى أن تقدم نظريا فحسب ، وإنما ينبغى أن تقدم سلوكا ومعاملة ، فالنظرية لا تكفى كما قلنا من قبل ، فهم ينظرون إلى سلوكنا وإلى معاملاتنا ، ويتأثرون بالفعل أكثر مما يتأثرون بالقول والتنظير .

إننا نحتاج أن نقنع المسلمين الذين يعيشون فى الغرب بالوسطية أولا ، وهو مجهود كبير حتى نحولهم إلى سفراء للمسلمين وللإسلام فى وسطيته .

ما الداعى أن تصر النساء المسلمات فى مجتمعات الغرب على النقاب ، وقد رأى حوالى ثمانية وتسعين فى المئة من الفقهاء والعلماء والأئمة عدم فرضية النقاب.

فما الداعى لهذا الإصرار على تقديم هذه الصورة التى يخشاها الناس فى الغرب ، فيرون المرأة فى لباس أسود يغطى جميع جسدها ووجهها ويتعجبون لهذا السلوك ، فإن المعاملة تقتضى أن يعرف الإنسان وجه من يعامله ، هذا ما حثتنا عليه الشريعة فعلا حتى بين المسلمين ، وإذا كانت المرأة المنتقبة تصر على هذا النقاب ، فما الذى جعلها تخرج من بيتها وتتعامل مع الناس ، بل ما الذى جعلها تخرج من دولة الإسلام إلى هذه الدول لتطبق هذا التعامل .

إن النساء كن يتعاملن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومع الصحابة كاشفات وجوههن ، وقد وردت روايات كثيرة فى البخارى ومسلم وغيره من كتب الصحاح توضح هذا ، وتدلل على أن النساء كن يكشفن وجوههن من أجل المعاملة .

إننا نستطيع أن نقنع الغرب بالحجاب العادى ، وهو أن تلتزم المسلمة بستر كل جسدها ما عدا الوجه والكفين ، لأن هذه الصورة هى الموجودة عندهم فى تراثهم الدينى ، وفى تعاليمهم المسيحية واليهودية ، فالراهبات يلبسن ما يشبه حجاب المسلمات ، وكذلك اليهوديات الملتزمات بتعاليم دينهن .

فمن السهل أن نقنع هؤلاء بأن حجاب المرأة المسلمة فى المجتمع الغربى هو شئ مقبول ويسهل معه التعامل ، وقد أفتى كبار علماء الأزهر وكبار علماء مصر والعالم الإسلامى بجواز أن ترتدى المرأة البرنيطة فوق حجابها إذا كانت فى بلدة أجنبية عنها ، حتى لا يرون لباسها شاذا فى وسطهم([21]) ، فلو أنها لبست البرنيطة فوق الحجاب لما أثار ذلك تساؤلات ، ولعرفوا أن المسلمين يستطيعون أن يندمجوا فى المجتمع الغربى .

أما التى تصر على النقاب وعلى الانعزال عن الناس ، فما الذى جعلها تصر على البقاء فى هذه الدول الغربية ، فلترجع إذا إلى بلادها ، ولترجع إذا إلى بيتها ، فالفقهاء المتشددون فى هذا الأمر ، وهم قلة ، والذين قالوا بوجوب النقاب ، وهى تتبعهم فى ذلك ، لم يبيحوا للمرأة أن تخرج أصلا ، وإنما أوجبوا عليها المكث فى بيتها ، فلماذا تأخذ بعضا من أقوالهم وتترك بعضا . إنه لا مانع فى نظر العلماء ، أن يلبس المسلم لباسا يتواءم مع المجتمع الذى يعيش فيه ، ما دام هذا اللباس ليس محرما ، كالحرير للرجال ، بل قال بعض العلماء بوجوب ذلك فى المجتمعات غير المسلمة حتى لا يظهر المسلم بمظهر مختلف عن العادة والعرف الذى اعتاده الناس فى هذه المجتمعات . فما أحوجنا أن نلتزم بهذه الوسطية التى تغير نظرة الغرب عنا .

ثانيا : ابتعاث دعاة وسطيين :

هذا هو السبيل الثانى من سبل المواجهة ، وهو بلا شك يتعلق بالسبيل الأول ، فإذا كنا نريد أن نقدم الإسلام بوسطيته للعالم الغربى ، بل للعالم كله ، فإننا لا نستطيع أن نفعل ذلك إلا عن طريق دعاة وسطيين ، يمثلون هذا المنهج .

فإنه للأسف الشديد كثير ممن يعملون بالدعوة فى هذه الأماكن فى أيامنا هذه يمثلون تيارا متشددا ، قدم للغرب رؤى أخرى للإسلام تساعد بطريق غير مباشر على تثبيت اعتقادهم ، وتدعم موقفهم ، وهو الخوف من الإسلام .

إننا نجد هؤلاء الدعاة الذين قد انتشروا فى هذه البلاد بإمكانات غير محدودة ، وبفكر محدود قد أثاروا ضجة كبيرة فى وسط الغرب .

يدعمون الرأى بأن المرأة لا دور لها سوى أن تكون محبوسة المنزل ، غير مندمجة فى المجتمع ، ليس لها دور على الإطلاق . مع أن التاريخ الإسلامى والسيرة النبوية يشهدان بأن المرأة كانت تشارك فى المجتمع ، بالتداوى والعمل والجماعات ، بل كانت تشارك فى الغزوات . إن الدعوة بهؤلاء المتشددين فى الفكر والعمل والوجهة لا تؤتى ثمارا مرجوة ، بل إنها تعكس فكرا ومنهجا يزيد الأمر عداوة وحدة .

إننا محتاجون إلى بعث دعاة الأزهر الذين يمثلون الوسطية ، والذين لا يمثلون التعصب والتشدد .

ثالثا : البعد عن التعصب المفرق للأمة :

أما السبيل الثالث من سبل مواجهة العداء للغرب ، فهو البعد عن التعصب المذموم والمفرق لجماعة المسلمين ، فهذا التعصب هو الذى أعطى للغرب صورة مشوهة عن الإسلام ، إذ إنهم يرون المسلمين وقد تفرقوا إلى كتل وأحزاب ومجموعات فى البلد الواحد ، بل قد يكون ذلك فى الحى الواحد وفى المسجد الواحد ، فمجموعة منهم يتمسكون بآراء وردت فى فكر مذهب بعيد أو حركة فكرية معينة ، ومجموعة أخرى تتمسك بفكر آخر ، وللأسف فإن هذه التحزبات وهذه التكتلات ليس بينهم نوع من التسامح ، ليدرك غير المسلمين أنهم مدارس فكرية ، فلا ضير فى ذلك ، وإنما بينهم نوع من الغلظة والشدة فى التعامل ، وفى قبول رأى الآخر ، مما يعطى انطباعا سيئا ، فالناظر إليهم يقول : وأين الحق إذا ؟! ، لأنه يرى أن التعصب معناه أن لدى أحد الفريقين الصواب ، ولدى الفريق الآخر الخطأ ، فأين الصواب ؟

أو أنه يرى أن لدى أحد الفريقين الحق ولدى الآخر الباطل ، فأين الحق ؟

هكذا ينظر غيرها إلينا . وهكذا أدى التعصب بنا إلى هذه النتيجة التى لا نرجوها أبدا ، ولكن للأسف فإن هؤلاء المتشددين هم الذين أخذوا بأمتهم إلى منحدر خطير لا تدرك حقيقته ، وللأسف فإن هؤلاء المتشددين ليس لديهم رؤية مستقبلية للدعوة أو رؤية شاملة لما يحدث ، وللأسف فإن هؤلاء المتشددين هم الذين ينادون بالبعد عن الالتزام بالمذاهب المختلفة إذ إن ذلك يعد تعصبا للمذهب ، لكنهم أكثر الناس تعصبا لمذهبهم ولطريقهم ولمسلكهم .

إن التعصب لفكر أو فئة أو مذهب معين شئ مذموم فى شريعتنا الغراء .

والخلاف بين الفقهاء وارد دون تعصب ، وقبل الفقهاء والأئمة كان الخلاف موجودا بين الصحابة ، ولكن دون تعصب أو رد لرأى الآخر .

فقد اختلفوا فى بعض الأحكام ، وهناك مواطن كثيرة تبين اختلافهم ، ولكن قلوبهم كانت واحدة . فمن نماذج اختلافهم: اختلافهم فى المفقود  ، واختلافهم فى الحامل إذا توفى عنها زوجها ، واختلافهم فى حجب الجد للأخوة كالأب فى الميراث ، واختلافهم فى تفسير المراد بالإحصار فى قوله تعالى ( فإن أحصرتم فما استيسر من الهدى ) ، واختلافهم فى أيام النحر وتعيينها ([22]) .

وهكذا اختلف الصحابة ، ولكن هذا الاختلاف فى الفروع لم يجعلهم متفرقين يسب بعضهم بعضا ، ويرمى بعضهم بعضا بالكفر أو الفسق ، وإنما كانوا متحدين .

رابعا : الاهتمام بالإعلام : وهذا هو السبيل الرابع من سبل مواجهة العداء الغربى : الاهتمام بإعلامنا العربى والإسلامى ، فمما هو معلوم لدى الكافة أن الإعلام الغربى لديه من الإمكانات الكبيرة ما يستطيع به أن يغزو عقول الناس وفكرهم ، بل إنه يغير الحقائق ويقنع الناس فى كافة الدول بأن المظلوم ظالم ، وأن الظالم مظلوم ، وهذا ما يسلكونه فى نظرتهم للقضية الفسلطينية والفلسطينيين ، إنهم يشوهون الحقائق ، فيظهرون فى إعلامهم أن اليهود هم المظلومون ، وأنهم يتعرضون لسفك الدماء والتفجير من جهة الفلسطينيين الإرهابيين ، وأنهم لا يستطيعون العيش فى أرضهم بسببهم ، ولذلك فإن ما يفعلونه هو دفاع شرعى عن أنفسهم ، وعن أرضهم وبلادهم .

لدرجة أنهم يجمعون التبرعات من خلال إعلامهم بعد أن يقدموا هذه الرؤى الباطلة .

وهذا الإعلام القوى فى العالم كله ، بكل أنواعه من إذاعة وتليفزيون وشبكات الكترونية .. إلى آخر ذلك قد خطط له اليهود وسيطر عليه منذ زمن بعيد ، واستطاعوا أن يصلوا إلى أعلى درجات التقنية فى هذا المجال ، كما استطاعوا أن يسيطروا على معظم وسائل الإعلام فى العالم .

هذه كانت خطتهم وقد نجحوا فى تنفيذها ، وهذا كان هدفهم وقد وصلوا إليه .

فماذا فعلنا نحن ؟! هل إعلامنا على درجة عالية من التغطية والأداء حتى نجابه هذا الإعلام الأوربى والغربى واليهودى والأمريكى ؟ الجواب : كلا .

فإعلامنا للأسف إما أنه يهتم بتقليد أعمى لإعلام هابط ، لا يهتم إلا بالإسفاف والعلاقات الجنسية والإباحية الشاذة والفكر الدون . أو أنه إعلام يقلد تقليدا أعمى لتيارات فكرية منحرفة ، كالشيوعية ، والعلمانية .... وغيرها . أو أنه إعلام انكب على الفكر الدينى بمختلف مشاربه ومذاهبه دون أن يعيش قضايا الأمة ، فاهتم بما يلبس وما يؤكل وما يختلف فيه وما يرد عليه .

إن الإعلام وسيلة من وسائل نشر المعرفة فى العالم كله ، وقد غزا الإعلام الغربى بلاد المسلمين وسيطر على أفكارهم ، وهو إعلام سريع تأثيره ومتجدد ، ولا يقف عند حد .

إننا نحتاج إلى إعلام مماثل ، أو قل على الأقل نجابه بعضا مما يصل إلى أمتنا وإلى شبابنا من أفكار ، ونحاول أن نجرى وراء إعلامهم لنلاحق ما يكاد لنا وما يدبر لأمتنا .

إن إعلامنا ركز على الأرباح المغرية ، حتى الإعلام الدينى ، فإن جل تركيزه على الربح وعلى المكسب الدنيوى ، ولو كانت النيات صادقة فما الداعى ان تكون هناك أكثر من أربعين قناة فضائية دينية باللغة العربية ، كان يكفى أن تكون قناة واحدة ، ثم تتوجه الجهود المبعثرة والكثيرة لهذه القنوات لإنشاء قناة أو قناتين تقدم الفكر الإٍسلامى الوسطى باللغة الإنجليزية أو باللغات الأجنبية ، تقدم الحقيقة المشوهة لهؤلاء الذين يعيشون فى الغرب ، تقدم سبل الإقناع بقضايانا وبما يدور حولنا من انتهاك للحقوق الإنسانية والشرعية ، تعرف الغرب حقيقة قضية فلسطين ولبنان والعراق ، وكافة البلاد المسلوب حقها للأمم ، تلقى الضوء على ما تميز به الإسلام والشريعة الإسلامية من فكر وحلول لقضايا العقيدة والوجود والنفس والعقل والاقتصاد والاجتماع .....

تبث صورا واقعية لما يحدث من قتل وتشريد للمسلمين والعرب فى كل مكان .

تعكس الصورة الواقعية لما يفعله اليهود والأمريكان بالعالم من ظلم وجور .

تفند صور الديمقراطية المزعومة التى لا تطبق إلا عليهم . تبين صور الاستعلاء والتكبر للكيات الصهيونى والأمريكى.

تشرح للناس بالمنطق والعقل والإقناع قضايانا ومشاكلنا ، وهل نحن لا نقبل الآخر ، كما يقولون ، أم أننا نعيش مع الآخر فى ظل إنسانية عادلة .

إنك لو نظرت إلى الإعلام فى العالم لوجدتنا واقفين أو نمشى مشى السلحفاة ، وهم يسيرون بخطا الوحوش . لو تأملنا هذا لوصلنا لما هو أفضل .

خامسا : نشر تاريخ الحضارة الإسلامية وتوثيقها عن طريق العلماء والحكماء والمحققين :

وهذا هو السبيل الخامس من سبل المواجهةفإن الكتابات الغربية عن الإسلام والمسلمين تشوه حقيقة التاريخ إلا بعض المستشرقين القلائل ممن أنصفوا الإٍسلام وتاريخه .

إن الثقافة السائدة عند الغرب تحكى التاريخ الإسلامى والعربى على غير حقيقته ، فتقلب الصور وتغير الحقائق ، ذلك من أجل أن تعلو صورة الغرب وحضارته ، على أى حضارة أخرى .

فكم كتموا من مفكرينا وعلمائنا فى كل مجالات المعرفة فى الجبر والهندسة والرياضيات والجغرافيا والطب البشرى وطب العيون والفن والآداب والاجتماع والفلسفة ....

كان للعرب والمسلمين ثقافات متعددة ، وتفوقوا فى كل مجالات المعرفة ، حتى صاروا أعلاما يهتدى بهم فى كل مجال ، وحتى نبغ كل عالم منهم فى تطوير علم معين ، بل نبغ كل عالم منهم بوضع أسس علم معين وتقنينه . ولكن الغرب أخفى كل ذلك ، أو شوه على الأقل صورته ونسب أصل العلوم ونشأتها إلى علماء من عندهم ومفكرين غربيين ، ليظهروا لشبابهم وأطفالهم أنهم هم الصفوة . أين الخوارزمى ، وابن سينا ، والرازى ، والغزالى ... إنها أصبحت أسماء مشوهة فى تاريخهم .

إننا نحتاج إلى نشر حضارة الإسلام باللغات المختلفة ، لنظهر حقيقة علمائنا ومفكرينا وفلاسفتنا وأدبائنا ، ونجلى هذه الحقيقة . إننا نحتاج إلى أن نكتب حضارتنا وتاريخنا ونوثق ذلك بأيدى علمائنا .

إن من المخزى حقا أن تكون دائرة المعارف الإسلامية قد كتبها غير مسلمين ، وشوهوا فى كتابتها كثيرا من الحقائق ، وللأسف فإنها أصبحت مرجعا حتى للباحثين المسلمين . أين دائرة المعارف الإسلامية يكتبها العلماء المسلمون ؟!!!!

سادسا : الدعم المادى : أما السبيل السادس من سبل مواجهة العداء الغربى للإسلام فهو الدعم المادى ، وأنا أختتم به لأن كل ما قلناه سالفا من سبل المواجهة ، كتقديم الإسلام الوسطى ، وبعث الدعاة ، والاهتمام بالإعلام ، ونشر الحضارة الإسلامية ، كل هذا لا نستطيع أن نحققه ونقوم به إلا إذا كانت لدينا إمكانات مادية ، وبغير هذه الإمكانات لا نستطيع أن نحقق شيئا . إن التبشير بالأديان ، والذى يقوم به المبشرون فى كل مكان مع المسلمين ومع غيرهم فى دول إفريقيا وغيرها ، يرتكز أول ما يرتكز على الدعم المادى . إن حركات نشر العلمانية ترتكز على إمكانات مادية هائلة .

إن نشر الثقافات والتيارات الفكرية المنحرفة تمول ماديا بأموال لا حدود لها .

أما المسلمون فإنهم يفتقدون هذه الإمكانات بسبب قصور هذا الجانب ، وهو أهم جوانب وسبل مواجهة العداء الغربى ومواجهة التطرف ومواجهة الفكر المتشدد ... الخ .

كثير من الناس عندما يناقشون أى قضية من قضايا الدعوة الإسلامية يصفون دائما الدعاة والعلماء بأنهم مقصرون . وفى الحقيقة إن الدعوة وانتشارها يحتاج إلى دعم مادى قوى ، خاصة فى بلاد غير المسلمين .

إن فى مصر وفى الدول الإسلامية كثيرا من الدعاة الذين يستطيعون أن ينشروا الدعوة باللغات المختلفة ، ولكن ينقصهم الدعم المادى .

إذا ، فالأغنياء من المسلمين عليهم دور كبير ، وهو دور دعوى أيضا ، بأن يدعموا هذه البعثات ، وأن يدعموا الدعوة فى الخارج ، وأن يدعموا نشر العلم الوسطى فى ربوع البلاد الإٍسلامية . فلقد قصر الأغنياء فى هذا الجانب ، بل إنهم قصورا فى فريضة الزكاة نفسها ، فإن كثيرا من الأغنياء المسلمين فى بلادنا لا يؤدون الزكاة التى هى ركن من أركان الإسلام الخمسة ، فهل سيدعمون ما هو فوق ذلك ؟!! ولو أنهم أدوا الزكاة على وجهها وبحقها،وهى أنواع كثيرة كزكاة المال والتجارة والذهب والفضة ، إنهم لو أدوا هذه الزكوات لاستطاع المسلمون أن ينفقوا جزءا منها {وَفِي سَبِيلِ اللّهِ} وهو مصرف من المصارف الثمانية التى تحدث عنها القرآن الكريم فى قوله تعالى:{إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ }[التوبة60]

وهذا المصرف يندرج تحته ، فى رأى فريق من الفقهاء ، نشر الدعوة الإسلامية ، والرد على الشبهات التى تثار حول الإٍسلام ، والقيام بكل ما يعلى من شأن هذا الدين . إن هذا كله جهاد فى سبيل الله .

الإسلام والغرب .. تعاون أم مواجهة ؟

د. محمد مورو (*)

هناك الآن أكثر من اتجاه بشأن العلاقة المفترضة بين الإسلام والغرب أو الإسلام وأمريكا باعتبارها الممثلة الكبرى للحضارة الغربية .

فهناك الغرب وأمريكا وبعض القوى المحلية عندنا تدعونا إلى الالتحاق بالركب الحضاري الغربي والاندماج في الحضارة الغربية والتخلي عن ديننا وحضارتنا وقيمنا أو على الأقل قصر علاقتنا به على العبادة الفردية والضمير وهؤلاء يقولون إنه قد ثبت أن الحضارة الغربية حضارة عظيمة ويجب أن تسود العالم  ، أو يقولون إنه لا أمل ولا فرصة للمواجهة ومن الأفضل أن ننصاع لها ، وهؤلاء بالطبع منافقون ومخادعون فلا الحضارة الغربية حضارة عظيمة ، ولا هي حضارة ذات أخلاق ، ولا هي قدر مقدور لا يمكن الفكاك منه ، هؤلاء بالتحديد يدعوننا إلى الاستمرار في أداء دور الضحية والذبيحة خاصة بعد أن شحذ الجزار سكينه وأصيب الآكلون بنهم شديد ، وفضلاً  عن أننا سنكون مجالا للنهب فإنهم يطلبون منا أن نتخلى عن قيمنا وذاتيتنا ومبادئ ديننا وحضارتنا وهذا بالطبع مرفوض .

واتجاه آخر يقول بأن الحضارات تتفاعل مع بعضها البعض أو تتزاوج وإن الحضارة الغربية ليست غربية فقط بل إنسانية أي أنها استفادت من كل الحضارات التي سبقتها وتفاعلت وتزاوجت معها وخرجت في النهاية لتكون حضارة الإنسانية كلها ، وهذا الرأي خطير وبراق ولكنه خطأ ، ولكي نعرف انه خطأ ينبغي علينا أن نفرق بين أمرين أحدهما التفاعل والتزاوج والآخر التعاون فالتفاعل والتزاوج لا يتم إلا بين حضارات أو إبداعات حضارية من عًائلة واحدة مثل الحضارة الرومانية واليونانية والإغريقية والجرمانية والسكسونية وهكذا .. وهذا التفاعل والتزاوج لا يتم بين حضارات من عًائلات مختلفة ، أي مختلفة نوعًا وكمًا ، فلا يمكن مثلاً الحديث عن تمازج وتزاوج حضاري بين حضارة تقوم على الوثنية كالحضارة الغربية وأخرى تقوم على التوحيد كالحضارة الإسلامية ، والأمر هنا أشبه بعمليات التطعيم التي تتم في النباتات ، فلابد لكي تنجح عملية التطعيم هذه أن تكون بين أنواع معينة من النباتات تنتمي إلى عًائلة واحدة ، أو عائلات متقاربة ، ولكن هذا التطعيم يفشل تمامًا إذا ما تم بين شجرتين لا تنتميان إلى عائلة أو عًائلات نباتية متقاربة .

وفي الحقيقة فإن إمكانية التزاوج والتفاعل بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية أمر مستحيل ، لأن أية دراسة متعمقة للأساسيات التي قامت عليها كل من عائلة الحضارة الإسلامية وعًائلة الحضارة الأوروبية لا تترك مجالاً للشك في أن لكل منهما طريقًا مختلفًا وسياقًا خاصًا ، لهذا يهدف الحديث عن التواصل الحضاري أو التفاعل الحضاري أو التزاوج الحضاري إلى الإلحاق والتبعية الحضارية باعتباره جزءًا أساسيًا في عملية الإلحاق الاقتصادي والثقافي والسياسي والسيطرة العسكرية .

وينبغي في هذا الصدد أن نلتفت إلى مجموعة من النقاط ، فالداعون إلى الاندماج في الحضارة الغربية ، ينسون نقطة أساسية وهي أن الحضارة الغربية لن تقبل الاندماج بها وأن يصبح غيرها جزءًا منها يستمتع بنفس الحقوق الحضارية معها ، أنهم فقط يعنون بالاندماج أن نظل تابعين وأن نظل مجالاً للنهب دون مقاومة ، ففرنسا مثلاً التي أدمجت الجزائر فيها وجعلتها جزءًا من فرنسا لم تقبل أن تعطي الجنسية الفرنسية للجزائريين مثلاً ولم تقبل أن يكون لهم نفس حقوق الانتخاب التي للفرنسي مثلاً !

والداعون إلى التزاوج والتفاعل الحضاريين مع الحضارة الغربية ينسون الظروف المشبوهة التي ظهرت فيها مثل هذه الدعوة ، فهذا الموضوع لم يطرق بعيدًا عن غابات ذات علاقة بالصراع الدائر بين القوى الاستعمارية والشعوب المقهورة والمستضعفة ، فعندما طرح منظرو أوروبًا هذا الموضوع كانوا في أغلبهم يرمون إلى سيادة الحضارة الأوروبية على العالم  بكل ما تحمل من فلسفات وقيم ومعايير ومفاهيم ، وذلك من خلال الترويج للحضارة الأوروبية وضرب الحضارات الأخرى ، أو طمسها ، أو الإنقاص من قدرها أو خلطها بما يلغيها ، وهو أمر يؤدي بالشعوب إلى فقدان هويتها ومقومات شخصيتها الأساسية ، وإلى ضرب عوامل وجودها المادي والثقافي المستقل ، فتصبح مكشوفة أمام طغيان المستعمرين ثم تتحول إلى تابع ذليل تلتقط الفتات ، وتقف على العتبات ، دون السماح لها بالدخول إلى صدر البيت .

والشيء الوحيد الممكن في العلاقة بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية ولو من الناحية النظرية هو التعاون على أساس استقلال كل منهما وعلى أساس انفراد كل منهما بخصائصها الذاتية المتميزة دون أن تحاول السيطرة أو ظلم أو نهب الأخرى ، والإسلام بالطبع يرحب بالتعاون ويدعو إليه في إطار الاحترام المتبادل والعلاقات المتكافئة ، ولكن هل تقبل الحضارة الغربية التخلي عن النهب والظلم والعنصرية والعنف من أجل هذا التعاون ؟ ! .. لنأخذ مثلاً مجال العلوم الطبيعية ، وهذه الأطروحة تنقسم إلى قسمين: قسم خاص بالحقائق والمكتشفات العلمية ، وقسم خاص بتوجيه هذه العلوم في اتجاه معين أي لإنتاج سلعة ضرورية مثلاً أو كمالية ، للقضاء على مرض أو لنشر مرض ! لإنتاج أدوات تسعد الإنسان أو لإنتاج أسلحة الدمار الشامل ، لإصلاح البيئة والمحافظة عليها أو لتخريبها وتلويثها .

أي أن هناك شقًا علميًا وشقًا قيميًا ، والحضارة الإسلامية مثلاً عندما كانت متقدمة علميا كانت توجه هذه العلوم لإسعًاد الإنسان وتلبية حاجات كل البشر ، بل وكانت تسعى سعيًا لنشر العلوم ولا تحجبها عن الآخرين ، لأن حبس العلم جريمة في الفقه الإسلامي ، أما الحضارة الغربية فإنها عندما تقدمت علميا استخدمت منجزات العلم في تحقيق أكبر وسائل النهب وقهر الشعوب الأخرى وظلمها بل إنها أيضـًا تحجب العلم عن الشعوب الأخرى ، بل وتحاكم من يجرؤ على نقل شيء منها لبلاده " قضية الدكتور مهندس عبد القادر حلمي مثلاً " بل تغتال كل من ينجح علميا في البلاد الأخرى .

على أية حال من الناحية النظرية يمكن التعاون في الاستفادة من العلوم الطبيعة ونقلها دون ربط ذلك بغايات وأهداف استخداماتها أي في الشق العلمي دون الشق القيمي ، ولكن هل تقبل الحضارة الغربية ذلك وهي التي تغتال العلم ، وتحرم نقل العلم وتحاكم من يفعل ذلك ، بل وتضرب أية نهضة علمية في أي مكان خارج دائرتها الحضارية ؟ !

نؤكد مرة أخرى أن الإسلام يحض على التعاون ، ويحرص عليه ، ولكن التعاون ليس الاندماج والتزاوج والإلحاق ، التعاون يقوم على استقلال حضاري كامل فالحضارة الغربية عندما نقلت العلوم الطبيعية من الحضارة الإسلامية أخذتها دون شقها القيمي أخذتها وهضمتها ووجهتها وفقًا لمعًاييرها الحضارية ، وجهتها للتدمير والتلويث والإفساد وتحقيق أكبر قدر من آليات النهب ، أما نحن فمن المفروض أن نأخذ العلوم الطبيعية من الغرب دون شقها القيمي فنهضمها وتصبح جزءًا من شخصيتنا الحضارية المستقلة فنوجهها طبقا لمعًاييرنا وقيمنا الحضارية في إسعاد الإنسان وتحقيق الرفاهية لكل البشر وليس لنا وحدنا .

هل هناك فرصة للتعاون مع الغرب ؟

قلنا إنه لا يمكن ولا نقبل لا الإلحاق الحضاري مع الغرب ولا التزاوج والتفاعل بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية لانتمائهما إلى عائلتين حضارتين مختلفتين ولأن هذا في النهاية يعني التحول إلى تابع ذليل يظل خاضعًا للنهب والسيطرة . وقلنا إن العلاقة الصحيحة بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية هو التعاون على أساس الاستقلال الحضاري الكامل والشخصية الحضارية المستقلة ، ولكن هل هناك فرصة للتعاون ؟ .. هل يقبل الغرب هذا التعاون ؟ .. هل تاريخنا معه يسمح بذلك ؟ .. هل تركيبة الحضارة الغربية تسمح بذلك ؟ .. إن تركيبة الحضارة الغربية تقوم على النهب والقهر والعنصرية . ورخاء ورفاهية أهل الحضارة الغربية جاء من نهب ثروات الشعوب الأخرى واسترقاق أهلها ، ولكي تستمر هذه الرفاهية لابد أن يستمر النهب والقهر ، فهل أهل الحضارة الغربية مستعدون للتوقف عن النهب والقهر والعنصرية ؟ هل هم مستعدون للتخلي عن رفاهيتهم القائمة على ثروات الآخرين من أجل التعاون معنا أو مع غيرنا ؟ أعتقد أن ذلك صعب ، بل يبدو مستحيلا ، وبالتالي فإمكانية التعاون بشروطها الصحيحة صعبة أيضـًا بل وتبدو مستحيلة وحتى إذا حدثت المعجزة وتخلى أهل الشمال عن القهر والعنف والعنصرية فماذا يبقى من الحضارة الغربية؟إنهم يسقطونها تمامًا إنهم يفقدونها سماتها الأساسية أي يقبلون الاندماج في نمط حضاري آخر وفي حالة دخولهم في النمط الحضاري الإسلامي مثلاً ، فإننا لن نعاملهم معاملة التابع بل معاملة الإسلام التي تقول إنهم أصبحوا مثلنا تمامًا لهم ما لنا وعليهم ما علينا.

وإذا كانت تركيبة الحضارة الغربية لا تسمح بالتعاون إلا بانتفاء خصائص الحضارة الغربية ذاتها ، وبالتالي فالتعاون هنا صعب ويكاد يكون مستحيلا ً، ورأى أهل الحضارة الغربية فينا وموقفهم منا لا يسمح بقيام مثل هذا التعاون ، فهم ينظرون إلينا نظرة صليبية عنصرية حاقدة لا تقبل بأقل من تدمير حضارتنا تمامًا وفي قول لا يخلو من الدلالة يقول المعلق فاسييليف:

" إن أمريكا الآن تنظر إلى العالم  الإسلامي بوصفه إمبراطورية الشر الجديدة التي حلت محل الاتحاد السوفيتي السابق الذي كان إمبراطورية الشر القديمة والتي تركزت كل الجهود الأمريكية خلال أكثر من أربعين عامًا للقضاء عليها " .

وهذا المعلق المشهور فاسييليف استخدم هذه الحقيقة نفس المصطلح المستخدم دائمـًا من قبل الأوروبيين والأمريكيين تجاهنا ، فالبابا أوربان الثاني الذي فجر الحروب الصليبية قال في مجمع كلير مونت في سنة 1095:

" إن إرادة الرب تحتم على المسيحيين تخليص بيت المقدس من أيدي إمبراطورية الشيطان " . وعندها خر الكهنة الحاضرون راكعين تحت قدمي البابا !

والبارون دي كارافو يقول: " أعتقد أن علينا أن نعمل جاهدين على تمزيق العالم  الإسلامي وتحطيم وحدته الروحية مستخدمين من أجل هذه الغاية الانقسامات السياسية والعرقية .. دعونا نمزق الإسلام بل نستخدم من أجل ذلك الفرق المنشقة..وذلك لكي نضعف الإسلام،لنجعله عاجزًا إلى الأبد عن صحوة كبرى"( [23] )

ويقول يوجين روستو اليهودي: " إن الحوار بين المسيحية والإسلام كان صراعًا محتدمًا على الدوام ، ومنذ قرن ونصف خضع الإسلام لسيطرة الغرب أي خضعت الحضارة الإسلامية للحضارة الغربية والتراث الإسلامي للتراث المسيحي وتركت هذه آثارها البعيدة في المجتمعات الإسلامية " ( [24] ) .

يقول لورانس براون: " لقد كنا نخوف بشعوب مختلفة ، ولكننا بعد الاختبار لم نجد مبررًا لهذا الخوف ، لقد كنا نخوف من قبل بالخطر اليهودي والخطر الأصفر وبالخطر البلشفي إلا أن هذا التخويف كله لم نجده كما تخيلناه ، إننا وجدنا اليهود أصدقاء لنا ، وعلى هذا يكون كل مضطهد لهم عدونا اللدود ، ثم رأينا البلاشفة حلفاء لنا ، أما الشعوب الصفر "الصين ، اليابان " فإنها ليست خطيرة لهذه الدرجة ، ولكن الخطر الحقيقي كان في نظام الإسلام وفي قدرته على التوسع والإخضاع ، وفي حيويته،إنه الجدار الوحيد في وجه الاستعمار الأوروبي " ( [25] ) .

ويقول مورو بيرجر في كتابه " العالم  العربي ": " لقد ثبت تاريخيًا أن قوة العرب تعني قوة الإسلام فليدمروا بتدميرهم الإسلام " ( [26] ) .

ويضيف مورو بيرجر: " إن الخوف من العرب واهتمامنا بالأمة العربية ليس ناتجًا عن وجود البترول بغزارة عند العرب ، بل بسبب الإسلام ، ويجب محاربة الإسلام للحيلولة دون وحدة العرب التي تؤدي إلى قوة العرب ، لأن قوة العرب تتصاحب دائمـًا مع قوة الإسلام وعزته وانتشاره " ( [27] ) .

ويقول ج . سيمون: " إن الوحدة الإسلامية تجمع آمال الشعوب السمر وتساعدهم على التخلص من السيطرة الأوروبية " ( [28] ) .

ويقول سالازار دكتاتور البرتغال السابق: " إن الخطر الحقيقي على حضارتنا هو الذي يمكن أن يحدثه المسلمون حين يغيرون نظام العالم  " ! ولما سأله أحد الصحفيين: ولكن المسلمين مشغولون بخلافاتهم عنا .. أجابه: " أخشى أن يخرج من بينهم من يوجه خلافهم إلينا ) ( [29] ) .

ويقول ريتشارد هرير دكمجيان: " إن قلة فقط خارج نطاق العالم  الإسلامي كانت قادرة على توقع انبعاث إسلامي في البيئة المعاصرة وإن ضعف البصيرة في مجال التصور الذي أحدثته المادية الغربية والماركسية قد أعمى بقوة كل العلماء ورجال الدين الذين مالوا إلى استبعًاد قوة الإسلام أو التقليل من شأنها " ( [30] ) .

ويحذر المفكر الألماني باول شمتز قائلاً : "سيعيد التاريخ نفسه مبتدئا من الشرق ، عوداً على بدء من المنطقة التي قامت فيها القوة العالمية الإسلامية في الصدر الأول للإسلام وستظهر هذه القوة التي تكمن في تماسك الإسلام ووحدته العسكرية ، وستثبت هذه القوة وجودها إذا ما أدرك المسلمون كيفية استخراجها والاستفادة منها وستقلب موازين القوى لأنها قائمة على أسس لا تتوافر في غيرها من تيارات القوى العالمية" ([31] ) .

ويقول المفكر الإنجليزي هيلد بيلوك: " لا يساورني أدنى شك في أن الحضارة التي ترتبط أجزاؤها برباط متين وتتماسك أطرافها تماسكًا قويًا ،وتحمل في طياتها عقيدة مثل الإسلام لا ينتظرها مستقبل باهر فحسب بل ستكون أيضـًا خطراً على أعدائه" .

وما بين الحقد على الإسلام ، وكراهيته ، والدعوة إلى تدميره والقضاء عليه أو التخويف منه ومن خطره التي تسود الروح الفكرية الأوروبية على اختلاف مدارسها هل هناك فرصة للتعاون بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية ؟ .. الإجابة: هذا صعب بالطبع .

وإذا تركنا كل ما سبق والتفتنا قليلاً إلى التاريخ ، نجده مفعمًا بالصراع الدامي الذي خاضته الحضارة الأوروبية ضد الإسلام للقضاء عليه وخاصة الإسلام دفاعًا عن نفسه ونشرًا لقيمه وإنقاذا للعالم  من الظلم والطغيان .

خاض الإسلام معارك شرسة ضد الحضارة الأوروبية المتوحشة منذ اللحظة الأولى واستطاعت جيوش الإسلام أن تنتصر في اليرموك وعمورية وحطين ، ثم بدأت أوروبا تستعيد المبادرة فظهرت الحروب الصليبية بدءًا من سنة 1095 وحتى 1294 في المشرق العربي أما في المغرب العربي فإن الإسلام استطاع أن يفتح أفريقيا والأندلس .

واستمر المعارك مع الحضارة الغربية في الأندلس ثمانية قرون وفي بلاد المغرب العربي ألف عام قبل دخول الأندلس وأثناء الحكم الإسلامي للأندلس وبعد سقوط الأندلس ، ولم يتوقف الصراع مع الحضارة الغربية لا في الشرق ولا في الغرب ، ففي الشرق ظهرت الخلافة العثمانية واستطاعت أن تنقذ العالم  الإسلامي من السقوط ، ودخلت في معارك طاحنة مع أوروبا انتهت بفتح القسطنطينية 1453 على يد محمد الفاتح ، بل وانتشرت جيوش الإسلام في أوروبا مرة أخرى تعاود الهجوم ، وتعرضت الخلافة العثمانية إلى ضغط رهيب انتهى بسقوطها ، وقبل ذلك بقليل بدأت أوروبا حملتها الصليبية الثانية على العالم  الإسلامي والمسماة باسم الاستعمار بدءًا من هجوم نابليون 1798 وانتهاء بسقوط معظم بلاد العالم  الإسلامي في قبضة الاحتلال الأوروبي ، وفي المغرب العربي ظلت أوروبا ترسل حملاتها الصليبية إلى المغرب بعد سقوط الأندلس ، فتعرضت الجزائر وحدها إلى 100 حملة صليبية في أقل من 300 عام بعضها برتغالي والآخر فرنسي أو إنجليزي أو أسباني أو ألماني أو بلجيكي بل وحتى أمريكي وانتهى الأمر بسقوط الجزائر في يد الاستعمار الفرنسي 1830 ثم تبعتها المغرب وتونس .

إذن فبرغم أننا لا نرفض التعاون مع الحضارة الأوروبية في إطار الاستقلال الحضاري لكل منا ، إلا انه لا التركيبة الحضارية الغربية تسمح بذلك ولا رأى قادتها فينا وأهدافهم تجاهنا تسمح بذلك ، ولا تداعيات التاريخ القدم والحديث تسمح بذلك ، وبالتالي لكي نعيش ولا نخضع ونذوب وننتهي لابد من المواجهة .

حرب شاملة في مواجهة حرب شاملة ..

إذن فالمعركة حتمية ، ولا سبيل هناك إلا المواجهة ، أو الموت ، وحتى المواجهة مع الهزيمة ربما تعطينا الفرصة في الصمود والحفاظ على البذور صالحة تحت التربة لتعود من جديد لتثمر في مرحلة أخرى ، ولكن الانصياع والخضوع لا يعني فقط خسائر هائلة في الحاضر بل يعني تدمير المستقبل ، لأنها تطال البذور الكامنة تحت التربة .

والمعركة هنا معركة حضارية شاملة ، أي سياسية واقتصادية واجتماعية وعسكرية وثقافية ، والغرب يستخدم معنا كل الوسائل السياسية والعسكرية ، والاقتصادية والاجتماعية ، والثقافية أيضـًا ، وما دام الغرب يشن علينا  حربًا شاملة فلا بد من مواجهته بحرب شاملة ، تواجه بالكفاح وحتى إذا سلمنا بصحة مقدمة هؤلاء وهي أن الغرب وأمريكا أقوياء بدرجة لا يمكن مواجهتها ، فإن النتيجة التي توصلوا إليها خطأ ، لأن معنى مثل هذه القوة الهائلة للغرب وأمريكا أن الخضوع لهم سيؤدي إلى النهاية والموت والاندثار ، وأن الخضوع لن ينقذنا ولن يحقن دماءنا ، بل إن الخضوع سيتسبب في خسائر أكثر من المواجهة حتى ولو كانت غير متكافئة ، على الأقل فالمواجهة سوف تقلل الخسائر وسوف تسمح للبذور الكامنة تحت التربة بالبقاء ، بعيدًا عن يد الغرب فتعود لتثمر في فرصة أخرى مستقبلية .

وبالإضافة إلى ذلك فإن الحضارة الغربية تحمل في داخلها الكثير من نقاط الضعف التي ينبغي الصمود واستثمارها أو الصمود وانتظار أن تؤدي تلك المواقع الضعيفة في جسد الحضارة الغربية إلى انفجار داخلي ، فالإنسان في الحضارة الأوروبية مثلاً يفتقد التوازن بين حاجاته المختلفة ويفتقد التوازن في علاقاته مع الجماعة ، وهذا يؤدي إلى انتشار الأمراض النفسية والجريمة والانحراف والشذوذ الجنسي وزيادة استهلاك الخمور والمخدرات إلى حدود أصبحت تهدد حياة مئات الملايين من سكان أوروبا وأمريكا وهو ما يمكن أن يؤدي على المدى المتوسط أو الطويل إلى انهيار الحضارة الغربية من داخلها ، أضف إلى ذلك أن الرغبة في تحقيق أقصى قدر من النهب وبالتالي عدم التورع عن استعمال أقصى قدر من العنف ومع تزايد قوة الأسلحة الفتاكة يجعل العجلة العسكرية تدور بلا توقف مما يجعلها في النهاية قابلة للانفجار من داخلها أو بالتصادم مع بعضها البعض وإذا كانت الحرب العالمية الثانية التي نشأت بسبب التنافس على الربح بين دول كلها تنتمي إلى الحضارة الغربية قد أدت إلى قتل 62 مليون إنسان معظمهم من الأوروبيين فكم يا ترى سوف يقتل في المعركة المسلحة والحرب الشعبية ، وعلينا أن نواجه بالوسائل السياسية ونواجهه برفض الخضوع لوسائل النهب التي يمارسها ومن خلال بناء نمط اقتصادي مستقل وغير تابع ويعتمد على قوانا الذاتية ويقطع تمامًا خيوط التبعية مع الغرب ، ونواجهه أيضـًا بتصفية كل مراكز الثقافة المغتربة وكل أشكال الاختراق الثقافي ، ونواجهه بثورة ثقافية شاملة تعتمد على تأكيد قيمنا الحضارية ، ونواجهه بالوحدة ، ورفض التجزئة التي فرضها علينا ، ونواجهه بتعبئة شعبية شاملة ، ونواجهه بحرب حضارية شاملة في مواجهة حرب حضارية شاملة .

ويجب أن ننتبه هنا إلى نقطة خطيرة ، وهي أن أخطر هذه المواجهات هي على الجانب الثقافي ، لأن الاختراق الثقافي يدمر حياتنا من الداخل ويقلل قدرتنا على المواجهة ويضرب فينا قيمنا الإيجابية مثل الجهاد والوحدة والرفض وبالتالي يجعلنا عاجزين عن المواجهة في المجالات السياسية والعسكرية والاقتصادية ، ولابد أن ننتبه إلى انه ما دامت الحرب حضارية وشاملة فليس من المعقول مثلاً أن نستخدم قيمًا ووسائل واستراتيجيات مستمدة من الغرب لمحاربته بها ومهما كانت براقة فإنها لن تجدي في مواجهته ، فكيف أواجهه على أرضيته الثقافية والحضارية ؟ ، لابد أن أواجهه بأساليب وتكتيكات وقيم ووسائل واستراتيجيًات مستمدة من ذاتنا حتى تظل قادرة على الاستمرار.

هناك من يروجون بأنه لا قدرة ولا سبيل إلى مواجهة الغرب وأمريكا وأن توازن القوى مختل تمامًا لصالحهم وانه لا داعي للمواجهة لأنها لن تفيد وانه من الأفضل الخضوع أو البحث عن سبيل للتفاهم ، وإذا كنا ندرك انه لا سبيل للتفاهم فإن المتاح وفقًا لمنطق هؤلاء هو الخضوع فقط ، مع العلم أن القدرات التدميرية لتلك الدول أصبحت هائلة بالمقارنة إلى مثيلتها أثناء الحرب العالمية الثانية ، وبالإضافة إلى ذلك فإن الرغبة في الربح بدون وازع أخلاقي ولا مراعًاة للتوازن البيئي يمكن أن تؤدي إلى كارثة تهدد كوكب الأرض بأكمله .

ويلخص الأستاذ منير شفيق في كتابه:

" الإسلام في معركة الحضارة " نقاط الضعف في الحضارة الغربية كالتالي:

1 – التطور العام غير المتوازن بالنسبة إلى مختلف المجالات ، فقد تكثف في المجالات المادية واختل على مستوى العلاقات الإنسانية والأخلاقية مما يؤدي في النهاية إلى الإسراع بسقوطها لأن حالها يصبح كحال الذي يقف على قدم واحدة ، فمهما بلغت قدمه من القوة إلا أنها ضعيفة حين يتعرض الجسد كله إلى هزة قوية .

2 – اتسعت الهوة بين أصحاب تلك الحضارة والغالبية العظمى من شعوب العالم  مما دفع بها إلى مواجهة قوى لا قبل لها بها ، فالأقلية الظالمة مهما قويت وتمكنت تظل ضعيفة أمام قوة الأغلبية المظلومة صاحبة الحق ، فالتضاد مع حقوق غالبية الشعوب ومصالحها يؤدي إلى انهيار تلك الحضارة مهما طال الزمن .

3 – التآكل الداخلي يشكل سمة أساسية مميزة لمجتمعات الحضارة الإفرنجية سواء أكان ذلك على مستوى المجتمع منفردًا أم على مستوى صراع تلك المجتمعات فيما بينها ، إن الصراع على امتلاك القوة والسيطرة والتنازع لامتلاك الثروة يؤديان بالإسراع بعملية التآكل الداخلي .

4 – إن إطلاق الغرائز والنزعات البهيمية وانتشار الفساد والانحلال قد يصل في تلك الحضارة إلى ضعف داخلي شديد يجعلها غير قادرة حتى على الإفادة من قوتها المادية ، مما قد يكرر صورة الجندي الروماني الذي ربط بالسلاسل لكي لا يفر في معركة اليرموك ، على الرغم من الكثرة العددية للرومان في تلك المعركة ، وقوة دروعهم ، وطول رماحهم ومضاء سيوفهم وفراهة خيولهم .

وقد يقول قائل إن الحضارة الغربية يمكن أن تعالج نقاط ضعفها أو تتخلص منها وبالتالي تجدد نفسها ، وهذا القول يعكس جهل أصحابه بطبيعة وجوهر الحضارة الغربية وطبيعة وجوهر نقاط الضعف فيها ، لأن نقاط الضعف هنا هي من صميم وجوهر الحضارة الغربية وليس عارضًا عليها ولا ناشئا من عوامل جانبية أو إهمال من القواد أو غيرها أنها تنبع من داخلها ومن صميمها بطريقة تلقائية وحتمية بحيث إنه من المستحيل عليها معًالجتها أو التخلص منها ، وإذا حاول أهل الحضارة الغربية التخلص من تلك العيوب فإنهم سيتخلصون من الحضارة الغربية ذاتها .

فمثلاً إن السعي لتحقيق أقصى درجات القوة العنيفة المادية من أجل السيطرة على العالم  ونهب ثرواته بلا حدود يجعل تلك الحضارة تدوس على كل القيم والمعايير التي تتعارض مع هذا السعي ، أو بتعبير آخر إن ذلك السعي يسخر كل شيء من أجله ، وهذا في حد ذاته يسمح بالتفوق في مجالات محدودة ، وهذه نقطة قوة أساسية في الحضارة الغربية ، وهي أيضـًا سبب انهيارها المتوقع في مجالات أخرى ، المجالات الأخلاقية والنفسية والإنسانية واندلاع أشد الصراعات الداخلية والخارجية مما يشكل بدوره نقطة الضعف المركزية في هذه الحضارة ، إن نقطتي القوة والضعف المتولدتين عن تلك السمة الأساسية في الحضارة الغربية سيصلان في نهاية المطاف إلى تدميرها إن لم يعرضا مستقبل الإنسانية كلها إلى خطر قريب من شبه الإبادة الجماعية " ( 1 ) .

ومثل آخر: إنه إذا حاول نظام حكم عنصري التخلص من عنصريته ، فإنه من الحقيقة يتخلص من نفسه ، لأن العنصرية هنا هي التي شيدت بناءه وهي التي تسمح له بالاستمرار ، فلولا النهب والاسترقاق والفصل العنصري لما كان هذا النظام العنصري قد نشأ ولما كان حقق لنفسه هذا الرخاء ولما استطاع أن يستمر لحظة بعد التخلص من العنصرية .

 


استطلاع رأى لـ 22 من رموز الفكر والدين حول:

كيفية مواجهة العداء الغربي للإسلام وأسبابه

إعداد/منال مبارك

باحثة وصحفية

*مقدمة:

واجه الإسلام وما يزال يواجه حرباً شرسة من الإعلام الغربي ، وعلى وجه التحديد الإعلام الصهيوني الذي وجد الفرصة سانحة بعد التفجيرات الأمريكية ، لبث سمومه ضد الإسلام والحضارة الإسلامية ، بهدف استعداء الغرب ضد المسلمين ، في محاولة منه لتقويض دعائم العالم الإسلامي وهدم كيانه ، كما وصل الأمر إلى اتهام عدد من المسؤولين الأوروبيين ذوي المناصب الرفيعة إلى اتهام الحضارة الإسلامية بعدم احترامها لحقوق الإنسان والمرأة وتفضيل الحضارة الغربية عليها . في ضوء هذا التصور والحملة المعادية للإسلام في الغرب تأخذ قرارات على أعلى المستويات السياسية في أوروبا وأمريكا وغيرها لإبادة شعوب إسلامية بأكملها كما حدث في أفغانستان والعراق ، ومن هنا فعلى المسلمين ضرورة التحرك ووضع أسس جديدة لمواجهة حملات التشويه ضد الإسلام والحضارة الإسلامية ،، حتى لا تطول دولا إسلامية أخرى. وبحثا عن هذه الأسس طرحنا الأسئلة التالية، ونلتمس الاجابة عليها من أهل الفكر وعلماء المسلمين.. وكيف يمكن مواجهة التحديات والأخطار التي تحيق بالإسلام ؟ .. وما وسائل استعادة الحضارة الإسلامية لازدهارها وقوتها ؟

د. سعد الحلواني أستاذ التاريخ الإسلامي بجامعة الأزهر يقول : إنه من الانصاف ألا ننكر على الحضارة الغربية المعاصرة .. تقدمها المادي .. ولكن هذا التقدم أهدر الجانب المعنوي في الانسان .. فأصبح يعيش حياة غير متوازنة .. طغى فيها جانب على جانب .. وتحول الإنسان فيها إلى هيكل .. وفقد الإنسان الغربي في ظل هذه الحضارة .. استقراره النفسي .. ومن ذلك أصبحت أحوال المجتمعات الغربية تلح في طلب القيم التي تعيد اليها توازنها الروحي .. وتحقق له استقرارها النفسي .. وليس أفضل مطلقا من قيم وتعاليم الإسلام السمحة لتحقيق ذلك .. فالإسلام، كما نعرف، أنه دين سماحة ودين اعتدال ، هو قادر على تحقيق التقدم الحقيقي للبشرية كلها ، فضلا عن قدرة المسلمين على التقدم بالإيمان والعمل والعلم ، بعد أن عانى الناس في ظل المادية الفرقة التي تبنتها ولا تزال تتبناها الحضارة السائدة .. ولا شك في أن التغيرات العصرية العالمية التي يشهدها عالم اليوم .. تمثل فرصة سانحة للمسلمين كي يتقدموا من جديد إلى البشرية بسماحة الإسلام وأهدافه .. وسمو غاياته ليشاركوا في صنع وبناء العلاقات الدولية الجديدة على الحق والعدل والسلام والاخلاق النبيلة .

وأكد (الحلواني) أن للإنسانية بفضل المبادئ الإسلامية شأناً غير الشأن البربري الذي تعيشه أوروبا الآن .. وهي غارقة في الطغيان . وأضاف أن فكرة التفوق للحضارة الإسلامية ساهمت في دعم الهجمات الاستعمارية على العالم الإسلامي وفرض الوصاية الغربية عليه ، وعندما اكتشف العالم الإسلامي السلوك السيئ للغرب معه ، وحقيقة مقاصده منه ، كان الوقت قد فات ، فقد تبين أن دعاوى الغرب لتحرير الشعوب الإسلامية من التخلف ونشر رسالته الحضارية انما كانت غطاءً يستر بها محاولته لإشاعة قيمه النفعية ، وتقوية الميول الالحادية المناهضة للدين .. وخلخلة نظامنا الاخلاقي .. وتشويه تراثنا بما يؤدي في النهاية إلى تفتيت وشرذمة الأمة الإسلامية إلى جماعات متنابذة .. لا يجمعها حوار مشترك يحدد موقفها من الحضارة المعاصرة .

المفكر الإسلامي د. محمد إبراهيم الفيومي:المسلمين هم المسؤولون عن حالة التخلف التي نعيشها اليوم، فعدم حرص الأجيال المعاصرة على إحياء المفاهيم الإسلامية والتي تعد القوة الخلاقة في ثقافتنا وحضارتنا أدى إلى غلق باب الحوار والاتصال الحضاري بين ماضينا وحاضرنا ، فبقدر تمكننا من إحياء المفاهيم الإسلامية والالتزام بها في سلوكنا .. بقدر ما يتسنى لنا اعادة البعث لحياة شعوب الأمة الإسلامية على طريق الحداثة والحضارة . وأكد د. (الفيومي ) أن الإسلام قد ربى أبناءه على حب العلم واحترامه، والبحث عن الحكمة والمعرفة، ودليل ذلك أن القرآن الكريم نفسه قد فتح آفاق الكون كله أمام العقل ليفكر فيه ويتدبره .. وجعل التفكير وإعمال الرأي عملا من أعمال العبادة يؤجر عليه صاحبه .. فيقول الحق تبارك وتعالي { يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَات } .. وقال تعالى: { إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء } . وأشار إلى أن نمو فكرة التفوق الغربي كانت له آثاره على التاريخ والمنهج الغربي، وأدى افراط الغرب في رؤيته لذاته إلى عدم فهم طبيعي للشخصية الشرقية المسلمة؛ مما أدى إلى غلق باب التفاهم بين الشرق والغرب وفي نفس الوقت قطع الطريق على المسلم الشرقي في أن يكتشف حقيقته الفكرية والحضارية ، فالفكر الغربي تعمد أن يقدم لنا ألواناً من البغضاء الدفينة ونوبة من سوء الفهم المتعمد ، بغرض تزييف التاريخ الإسلامي ، حيث قدم الإسلام على أنه مزيج من الفلسفات القديمة وبقايا ملل مرفوضة من اليهودية والمسيحية .

وأضاف د. (الفيومي) أن الاستعمار كشف وجهه القبيح حينما أظهر عداءه للإسلام كدين ونظام اجتماعي وأخلاقي، على الرغم من اعتماده على الثقافة الإسلامية في عصر النهضة باعتبارها ركنا أساسيا من أركان نهضته الثقافية ، فالغرب تعرف على منجزات الحضارة القديمة، خاصة اليونانية والرومانية، من خلال الحضارة الإسلامية، ومع ذلك عمل المستشرقون على تكريس تلك العلاقة العدائية، وصوروا الإسلام على أنه دين رجعي وهو من ذلك براء. ودعا د. (الفيومي) الغرب إلى أن ينظر من جديد إلى حقيقة الإسلام، وأن تتوقف مكونات الرأي العام الغربي ووسائل الإعلام عن نشر الصورة المشوهة للإسلام والمسلمين، والحد من النظرة العرقية التي تقلل من شأن المسلمين خاصة المهاجرين منهم .

الكاتب الإسلامي د. محمد يحيى:إن دعائم الحضارة الإسلامية ترتكز على عدة أمور هي أن الإسلام انطوي على طاقة روحية جعلت منه قوة فعالة شملت حياة الفرد وحياة الجماعة من كافة الجوانب، كما تمكن الإسلام من نشر الطابع الحضاري كعقيدة حياة .. وأن يصبح في أقل من ربع قرن مقوماً أساسياً من مقومات الحضارة الإنسانية، وكان الإسلام أيضاً منذ ظهوره دين يسر غير معقد ولا مركب في عقيدته ونظمه وتعاليمه ، كما كان دينا مباشراً يتصل فيه الانسان بالخالق سبحانه وتعالى دون وساطة . ويضيف د. (يحيى) أن الدارسين للحضارة الإسلامية يمكنهم أن يدركوا وبكل وضوح أن الحضارة الإسلامية قد وصلت بين قديم الحضارات وجديدها بما حفظت من تراث الأقدمين ، وأنها أنقذت العالم مما كان يعيش فيه من خوض واضطراب، وساعدت الحضارة الإسلامية بآدابها على نهضة الآداب في أوروبا، وفتحت آفاقا جديدة أمام شعراء الغرب وكتابه ، وقد ساعد خلفاء الحضارة وقادتها بأخلاقهم وسلوكهم ، وبنماذج المروءة والشرف والقيم التي تحلوا بها على إشاعة المثل الخلقية الرفيعة؛ مما كان قدوة لمن احتك بهم في السلم أو في الحرب .

د. شكري عباس حلمي الأستاذ بقسم أصول التربية بجامعة عين شمس: إننا نلمح في السنوات الأخيرة ارتفاع الحياة المادية حتى وصلت إلى ذروتها من جراء الفكر المعاصر .. والانسانية لم تنعم بعد بثمرة هذا الرقي وذلك التقدم ، مما ترتب عليه اختفاء القيم الأصيلة والروابط الأسرية والاجتماعية وانتشار الأمراض النفسية والاحساس بالضياع لكثير من شباب العالم في الغرب . ويرى أن التربية الحقيقية التي التزم بها الإسلام وانفرد بها عن الغرب هي التي تؤدي دورها في بناء المجتمع والتي تنطلق فيها طاقات الافراد ، وتستثمر فيها قدراتهم ويكونوا بذلك قادرين بما لديهم من مهارات وقيم وفكر على أن يحولوا كل ما لدى المجتمع من موارد طبيعية إلى طاقات تكون في خدمة الإنسان، وسمات الحضارة الإسلامية في مجال التربية قد تميزت عن الغرب في كثير من الجوانب .

ويؤكد د. (حلمي) أن الإسلام وضع أسس التربية القائمة على التكامل، ففي الإسلام يلتقي العلم والإيمان، وفي الإسلام تلتقي الحضارة والأخلاق؛ لأن الحضارة ليست مضادة للأخلاق، ولأنه لا يمكن أن يكون للإنسان قيمة حقيقية إلا من خلال حركته في الحياة ككائن أخلاقي .

المفكر الإسلامي د. مصطفى الشكعة:المسلمين الآن يضربون في كل مكان، وكأقليات كبيرة تضرب في بلاد غير المسلمين، وفي البلقان قصتهم معروفة، وفي أمريكا أيضاً ، فالعالم كله تحالف ضد المسلمين .. والعالم المسلم يلتزم بقرارات الأمم المتحدة والدول غير الإسلامية لا تلتزم بهذه القرارات . وأضاف د. (الشكعة): الإسلام يحارب وأنا لا ألوم عدو الإسلام، ولكن ألوم المسلمين أنفسهم الذين يحملون اسم الإسلام، اذ علينا كمسلمين أن نسلم أولاً ، فالإسلام عبادة وعمل ، وتعامل ومعاملات وسلوك ، وينبغي أن نطبق الخلق الإسلامي حتى نصبح أعزة وأقوياء ، لأن المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، والإسلام دين العمل ، ومع ذلك فإن المسلمين وحدهم هم الذين لا يعملون ولا يتقدمون، فهناك أمور أساسية ينبغي أن نطبقها لأنها من صميم ديننا، ومن بين هذه الأمور أن نعمل ونتعلم، فإذا حدث هذا فأعتقد أننا نكون قد وقفنا على بداية الطريق الصحيح .

وأكد د. (الشكعة) أن الأمة إذا أسلمت فلنستبشر خيراً ، ولكن إذا ظلت على كسلها وإعطاء ظهرها للمبادئ الكبرى الإسلامية فإن مستقبلها مظلم ، ونحن المسلمين لا نفقد الأمل أبداً رغم ما يحيط بنا من ظروف قاسية ، ونحن نتفاءل بأن الله تعالي سوف يبعث لنا طاقة من نور تضئ لنا الطريق .. وقال: أنا لا أتفق مع القائلين بالنظام العالمي الجديد ، خاصة أنه يشن الحرب على الإسلام منذ نشأته بحرب ساخنة أو باردة . وأكد د. (الشكعة) أن الحرب مستمرة ضد الإسلام ، لأن الإسلام في نظرهم هو (بعبع) الغرب .. لأن الغرب ما واجه الإسلام عسكرياً وانتصر .. فعداوة الغرب للإسلام ليست وليدة سقوط الماركسية ، ولكنها ممتدة فلا ينبغي لمن يعالج قضية عداء الغرب للإسلام أن يقول (إن هذا العداء حديث ) فهذا خطأ؛ لأن العداوة قديمة في شكل حلقات ومراحل، لكننا لسنا يائسين فيوم تتجمع شتات شعوبنا وننقذ الأخوة الإسلامية فلن تقف قوة أمام المسلمين، والإسلام ليس دين عدوان أبداً ولن يكون ، ولكنه أخوة، فهو دين تجميع لا تفريق .

د. حسن وجيه الأستاذ بكليات اللغات والترجمة : لابد من إدراك حقيقة علمية ودينية في آن واحد .. وهي اننا كبشر قد خلقنا الله تعالى على قدر كبير من الاختلاف .. والوعي بهذه الحقيقة مطلوب ليس فقط على مستوى الحوار بين الثقافات ، فلا بد من إيجاد قدر من المساحة المشتركة بين بني جلدتنا أولاً ، وأن نضع أولويات علمية وموضوعية ، بحيث لا نثير الأسئلة غير الملائمة للسياق ، وأن نتجنب كل ما يدخلنا في متاهات الانشقاق . ويؤكد د. (وجيه) ضرورة إدارة أمورنا كفريق عمل واحد، وهو أمر مفتقد في ممارستنا الحالية، رغم أننا قد أمرنا بذلك في قوله تعالي { وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا } ويطالب د. (وجيه) بضرورة وجود استراتيجية اعلامية تعمل على احتواء واحباط مرتكزات الحملة ضد الإسلام، على أن يشارك في وضعها كل عناصر الأمة، وفي هذا الاطار يمكن استخدام القنوات الفضائية التي يملكها العرب اليوم بالإضافة إلى استخدام الإعلام الغربي ذاته من المداخل المسموح بها، وهي مداخل عديدة وتحتاج فقط إلى نوع من التدريب والممارسة .

د. عبدالصبور مرزوق نائب رئيس المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية: العالم الإسلامي رغم السلبيات التي حاقت بمسيرته في القرن الماضي سيكون عاملاً فعالاً في النظام الجديد، ورغم أن قادة الغرب يعتبرون الإسلام العدو الرئيسي لهم خاصة بعد انهيار الشيوعية وقد اتهموه ظلما بالعنف وأنه انتشر بحد السيف، وأنه يتربص بالحضارة الغربية للانقضاض عليها. وفي المقابل يؤكد د.عبدالصبور أنه ظهرت مؤلفات لمفكرين غربيين اعتنقوا الإسلام ودافعوا عنه بل اعتبروه البديل بما يقدمه من تعاليم وأخلاقيات ونظم عن النظم والأخلاقيات الغربية المهترئة.ويرى عبدالصبور أن التحدي الإعلامي لعالمنا العربي والإسلامي يتمثل في استخدام الأقمار الصناعية في البث المباشر،ورغم ما في هذه المحطات من فكر وثقافة إلا أن الكثير مما يبث يحمل اخطاراً شديدة على مجتمعاتنا؛ مما يستوجب منا أن نؤسس اتحاداً أو منظمة تضع الأسس التي يجب أن تلتزم بها هذه الاذاعات للحفاظ على الشخصية العربية الإسلامية تراعي التوزيع المناسب للبرامج، بحيث يأخذ البث العلمي والثقافي والديني نصيبه دون أن يطغى عليه البث الرياضي أو اللهو كما يجب أن يكون للدول الإسلامية رسالة إعلامية واضحة تحمل الفكر والثقافة الإسلامية .

الدكتور مصطفي الفقي السياسي المعروف: يمكن أن يأخذ الحوار مع الغرب أشكالاً كثيرة، فلا يكفي السعي لتجميل صورتنا وتوضيح مشروعية موقفنا، إذ لابد من توجيه رسائل نقدية إلى الغرب (من خلال حملات إعلامية وحوارات مكثفة) تبين له أن دعمه لإسرائيل وهجومه على العالم العربي لا يمكن أن يظل أمراً مجانياً.ويجب تحويل الحوار النقدي إلى حوار مسلح إذا استلزم الأمر من خلال عمليات المقاطعة والتهديد بسحب الاستثمارات وكل أشكال المقاومة المتاحة. أي يجب أن يدرك الآخر المعتدي أن هناك ثمناً لابد أن يدفع، وهم يفهمون تماماً مسألة الثمن هذه، فكما قال رئيس الوزراء البريطاني غلادستون "لا يوجد لدينا أصدقاء دائمون ولا أعداء دائمون بل لنا مصالح دائمة.

د. فوزية العشماوي أستاذ اللغة العربية والحضارة الاسلامية بجامعة جنيف بسويسرا:

 من أسباب انتشار ظاهرة "العداء الغربي للاسلام  سوء النية والفهم المتبادلين بين الغرب والاسلام بعد أحداث 11 سبتمبر (أيلول). واتهام العالم الاسلامي بالارهاب بسبب الصور السلبية التي يعتقدها الغرب فى المناهج الدراسية لدى المسلمين مشددة على أهمية تكثيف الحوار بين العالم الإسلامي والغرب.  وأوضحت العشماوي ان إثارة المجتمع السويسري لموضوع المآذن والمطالبة بحظر بنائها بدعوى اختلافها عن النسق المعماري والحضاري والثقافي لسويسرا  ما هو الا دليل يؤكد عداوة الغرب للدين الاسلامي واهله وانتشار ظاهرة الاسلاموفوبيا .

الدكتور رأفت عثمان الاستاذ بجامعة الازهر:ومن مظاهر محاربة الشعائر الإسلامية القرارات الرسمية التي صدرت في بعض الدول بمنع رفع الاذان في الكثير من القنوات التليفزيونية. ومن مظاهر محاربة المظاهر الإسلامية منع المرأة المسلمة من لبس الحجاب في بعض الدول والتضييق على المحجبات والمنقبات وفي المقابل توفير الحماية الكاملة للسافرات وشبه العاريات! ومنها تدخل الجهات الحكومية في تحديد بدايات ونهايات بعض الشهور الهجرية وهذا الأمر يتكرر كل عام عند استطلاع هلال شهري رمضان وشوال وشهر ذي الحجة أيضاً وبات هذا الأمر خاضعاً لأهواء الساسة وأمزجتهم.ومنها منع المسلمين في بعض البلاد من أداء فريضة الحج خوفاً من احتمال اصابتهم بفيروس انفلونزا الخنازير والسماح بتجمعهم في مناسبات أخرى كالمباريات الرياضية والحفلات الفنية فأخزاهم الله عز وجل وأظهر كذب ادعاءاتهم ولم تحدث سوى 5 حالات وفاة بسبب انفلونزا الخنازير أثناء موسم الحج الذي شهده أكثر من ثلاثة ملايين حاج .

ويضيف : عند مناقشة الأحداث التي تقع للمسلمين وتنتقص من حقوقهم في الغرب يتساءل البعض عن غياب التسامح الديني مع المسلمين هناك ولو نظر هؤلاء في واقع الكثير من الدول الإسلامية لوجدوا ما هو أبشع من الأفعال التي يقوم بها الغربيون فالتسامح بين المسلمين في الكثير من البلاد الإسلامية غير موجود على الإطلاق والدليل على ذلك التناحر والاقتتال الداخلي والتفجيرات التي يذهب ضحيتها الأبرياء والصراعات والنزاعات بين المذاهب الإسلامية المختلفة التي يكفر بعضها بعضاً ويلعن بعضها بعضاً. فكيف نطلب من الآخرين أن يكونوا متسامحين معنا ونحن أبعد ما نكون عن التسامح مع أنفسنا؟!

 

لقد بات من المسلمات التي يجب أن يعلمها الجميع أن الأحداث المناهضة للإسلام والتضييق على المسلمين في الغرب يحدث بسبب ضعف المسلمين وتفرقهم وتشرذمهم فالضعف العام الذي أصاب المسلمين هو الذي دعا غير المسلمين إلى انتقاص حقوقهم والتجرؤ على حرماتهم ولن تتوقف حملات الإساءة والتشويه والتضييق على المسلمين في الغرب ومحاربة المظاهر الإسلامية ما لم تتوحد كلمة المسلمين وتقوى شوكتهم وتكون لديهم القدرة على حماية أنفسهم في الداخل والخارج والقوة التي تمكنهم من الدفاع عن شعائرهم ومقدساتهم.

ممدوح الشيخ كاتب ومحلل سياسي : ظاهرة العداء الغربي للإسلام لا تعني أن ميراث العداء ذهب إلى غير رجعة أو أن العلاقات القائمة تخلو من عوامل التوتر ، فما زالت العلاقات بين الشمال والجنوب عموما تفتقر إلى التوازن والعدالة وتغلب عليها إرادة الهيمنة الغربية ، وما تعانيه ثقافات الجنوب من هذا الواقع تعاني الثقافة الإسلامية منه النصيب الأكبر ، ويشكل الموقف الغربي المنحاز للكيان الصهيوني العقبة الأكبر في طريق قيام علاقات إيجابية بين الطرفين .

ويضيف :كما أن تغير صورة الإسلام والمسلمين في الغرب على نحو إيجابي مرهون بعوامل عديدة أولها ضرورة تحديد منابع السيل الهادر من الصور السلبية وبذل جهد لتصحيحها بالوسائل التي تناسب المجتمعات الغربية وباللغة التي يفهمها المواطن الغربي . كما أن إعادة بناء الصورة مرتبط بشكل مباشر بإعادة بناء واقع العالم الإسلامي نفسه ، فمما يلفت النظر أن كثيراً من الغربيين الذين اعتنقوا الإسلام ورأوا في قيمه طريقا للنجاة هالهم حالة التخلف التي يعيشها العالم الإسلامي . وبالتالي فإن قدرتنا على بناء عالم أفضل تأسيسا على قيم الإسلام وثقافته ، رد عملي على كل ما يلصق بنا من صفات سلبية ، وهو أبلغ من كل رد !!

أبو العلا شحاتة مفكر إسلامي : إن الهجوم الشرس من الغرب ضدنا نحن العرب والمسلمين هو موروث دفين من الحقد والكراهية من قديم الأزل وتحديدا ً منذ بداية انتشار الإسلام في هذه المنطقة الذي وحد العرب وجمعهم بعدما كانوا مشتتين لقبائل ولم يكتف الإسلام بهذا التوحد فقط.

بل جعل من شبه الجزيره العربيه نقطة إنطلاق لفتوحاته ..مما إعتبرته الإمبراطورية الرومانيه تهديدا ً لها ولسيطرتها على المنطقه …

ويضيف : فالغرب يعتبرون أنفسهم هم أفضل الأجناس وينظرون للعرب على انهم فئة متدنية المرتبة فالعرب بالنسبة لهم هم بدو يسكنون الخيام ومجرد لصوص يغيرون على الآخرين ويهدفون من وراء نشر الإسلام تخريب الديانة المسيحية …

ويضيف :هذه هى دعائم الكراهيه عندهم غزوها بمؤلفاتهم وكتبهم ودرسوها للأجيال المتتابعه وجعلوا من الأحداث والمعارك الحربية التي دارت بين المسلمين والغرب أثناء الفتوحات الإسلامية هى الركيزة العقائدية لهذا العداء فبات من الصعب تفريغ العقل الغربي من هذه النظرة للعرب ….وكان لرجال الدين أثر كبير في تنمية هذا الفكر بأن صوروا من خلال كتبهم أن الإسلام هو منشق عن المسيحية وانتشاره جاء بقوة السيف.

الدكتور سامي عبد العزيز عميد كلية الاعلام –جامعة القاهرة وعضو مجلس الشوري المصري : وسائل الإعلام المغرضة والمدسوسة تعد من أبرز عوامل العداء الغربي للاسلام  ويقول : في خضم الثورة الإعلامية، أو ثورة المعلومات، وسرعة نشرها، وعصر الانترنت ودخوله كل بيت تقريباً، استفادت بعض القوى الحاقدة على الإسلام والمسلمين من ذلك، فأخذت في عملية دسّ السم في الدسم، مشوّهة الإسلام ومحرضّة على المسلمين، خاصة إذا علمنا مدى ثقة المواطن الغربي بوسائل الإعلام حتى وإن نشرت أخبارًا غير أمينة أو صادقة، لأنه على ذلك تربى وترعرع؛ وإنه لمن الضروري الإشارة إلى شعار "الحرب على الإرهاب" الذي لوّح به – سيّء الصيت – بوش الابن، وتناقلته وسائل الإعلام حتى غدا أمرًا مسلّمًا به لدى عامة الشعوب الأوروبية، لا بل وكذب رؤساء دول وحكومات وقادة جيوش على شعوبهم فصدّقوهم، مثلما ادعوا امتلاك العراق لأسلحة دمار شامل وعلاقة الرئيس العراقي السابق "صدام حسين" بتنظيم القاعدة وغيرها من دعاوى باطلة، انكشف زيفها أخيرًا، لكن بعدما سالت دماء المسلمين شلالاً في العراق وأفغانستان.

ويضيف : فالوضع العربي المترهّل والإفلاس الحكومي الإسلامي أيضًا، ومواقفهم غير المسؤولة من مشاريع ومخططات الغرب الحاقد، ومجازرهم الدموية، كل ذلك وغيره قبل مساندة أنظمة عربية وإسلامية لقوى الشر الغربية، قوّى الغرب ودفعهم نحو تطبيق ما خططوا له عمليًا، لانعدام عنصر الردع؛ فقد وصفوا حركات إسلامية وأنظمة إسلامية بالإرهابية فصدقهم بعض العرب والمسلمين، وأسقطوا أنظمة عربية وإسلامية ففتحوا حدودهم وأجواءهم ومياههم الإقليمية لقوى الغزو والعدوان، وتآمروا على تسليم شخصيات ومسؤولين لهذه القوى ومن يقف من ورائها من أنظمة إذن تهاون العرب والمسلمين- الأنظمة الرسمية- وعجزها في الدفاع عن قضايا شعوبها والانضواء ضمن محور الشر الأمريكي – الغربي أعطى الضوء الأخضر نحو ازدياد معدّل الكراهية للمسلمين والتعدي عليهم وسلب خيرات بلادهم، وإهانة كرامتهم في شوارع باريس وبرلين، وواشنطن، ولندن وغيرها.

الدكتور عاصم الدسوقي المؤرخ المعروف والأستاذ بمعهد الدراسات العربية: إن  الصحوة الإسلامية العالمية التي سادت انحاء شاسعة من انحاء العالم تعد من أبرز العوامل التي ساعدت علي إحداث حالة العداء الغربي للاسلام ويقول : فالغرب ومن يدور في فلكهم من يهود، وعلمانيين وشعوبيين، يخشون المارد الإسلامي، والصحوة الإسلامية وتطبيقه عمليًا من خلال إقامة الحكم الشرعي.

ويضيف :إن تنامي الصحوة الإسلامية هذا أزعج أولئك اللصوص ممن اعتادوا على سرقة خيرات المسلمين ومصّ دمائهم وإهانة كرامتهم للحفاظ على مصالحهم، مرة بالانقلابات العسكرية وأخرى بانتخابات مزوّرة وثالثة بحروب طاحنة كالحرب الأهلية اللبنانية والصومالية واليمنية والجزائرية والعراقية الخ.

ويقول :هذه الصحوة، أدرك الغرب أنها تهدد مصالحهم في المنطقة لأنها تسعى لاستعادة عزّ الإسلام وأيامه الخوالي، وبالذات كنس وتنظيف الوطن العربي والإسلامي من أعدائه وعلى رأسهم أذناب الاستعمار والاستعمار الخفي الرابض على صدور أبناء هذه الأمة منذ الإطاحة بالخلافة الإسلامية العثمانية.

الدكتور أحمد يوسف عميد معهد الدراسات العربية التابع لجامعة الدول العربية:

إن اليهود ودورهم القذر ضد المسلمين هو السبب الرئيسي للعداء الغربي للاسلام ... فاليهود كما يعلم الجميع يتفننون في الترويج لكراهية العرب والمسلمين داخل المجتمعات الغربية ويملكون من الوسائل الكثير لإنجاح هذه المشاريع السوداء، معتمدين في ذلك على علاقاتهم القوية بأصحاب القرار، وأصحاب رؤوس الإعلام ودور النشر، وكبريات وسائل الإعلام بأنواعها، إضافة لشيء يمكن أن نطلق عليه "عقدة الخواجا" وهو عقدة التاريخ وما حصل لليهود من أعمال وقتل خلال الحقبة النازية في أوروبا. يهود أوروبا وبالطبع بمساندة الكيان الصهيوني يعملون ليل نهار على إقصاء أوروبا والغرب عن دعم قضايا العرب والمسلمين وإفساد علاقات الأخيرين بأي نظام أوروبي وغربي يبدي ليونة وتعاطفًا مع قضاياهم، لا بل وصل الأمر بهؤلاء الضغط على دول أوروبية لإلغاء صفقات أسلحة أبرمت مع دول عربية (مثال: صفقة دبابات ليوبارد الألمانية مع السعودية، وصفقات صواريخ وأسلحة متطورة روسية لإيران وغيرها).

ويضيف : اليهود هم من يتقنون فن الإقناع ومخاطبة العقول الغربية والتأثير على الرأي العام الغربي وتسويق الإسلام والمسلمين لهؤلاء كأعداء للحضارة والبشرية والتقدم العلمي وعلى أنه – أي الإسلام – هدفه تدمير كل رموز ذلك.

 ويستطرد: إن أكبر دليل على ذلك موقف اللوبي اليهودي، والكيان الإسرائيلي، من المسلمين بعد أحداث 11 سبتمبر وصب هؤلاء الزيت على النار، وتشجيعهم لشن حرب على العراق وأفغانستان ومساندتهم الغرب في انجاز هذه المهمات تحت غطاء مكافحة الإرهاب الكاذب.

الدكتور محمود علم الدين استاذ الصحافة بجامعةالقاهرة:هناك العديد من الأسباب لعداء الغرب للاسلام ومن أبرزها : الإسلاموفوبيا، والمتمثلة في تخوّف الغرب، حكومات ومجتمعات من ظاهرة انتشار الإسلام في الدول الأوروبية والولايات المتحدة، خاصة ما تروّج له بعض الأحزاب والمنظمات السياسية والاجتماعية ووسائل الإعلام من ظاهرة "أسلمة أوروبا" أو الغرب، وضرر ذلك على هذه المجتمعات المسيحية الليبرالية. هذا الأمر غذى أصحاب النعرات والأفكار والبرامج العنصرية القديم منها والحديث، وأوجد لها منابرًا فأخذت تروّج لبضاعتها العفنة دونما وجل لا من نظام حاكم ولا رأي عام شعبي معارض.

ويضيف أن هناك أيضاً  الموروث السلبي لدى الغرب عن الإسلام والمسلمين: فالغرب عامة ورث موروثًا سلبيًا من كتب التاريخ والمناهج الدراسية عن الدين الإسلامي والمسلمين. فتاريخهم ينظر للعرب والمسلمين على أنهم برابرة غير حضاريين لا بل لا يستحقون تلك الخيرات والكنوز في بلدانهم، يعشقون العنف والقتل، وكذلك سلبية موقفهم من الدين الإسلامي الذي ينعتونه بدين السيف والعنف والظلم وانه جاء للقضاء على الديانة النصرانية.

الدكتور شعبان شمس استاذ العلاقات العامة بجامعة الأزهر:برامج الأحزاب اليمينية المتطرفة في الغرب من أبرز أسباب العداء للإسلام فالغرب وتحديدًا أوروبا شهدت تحولات سياسية ملحوظة منذ التسعينات من القرن العشرين ثم مطلع القرن الحالي، فقد تراجعت الأحزاب المعتدلة فيها والتي كانت تنحاز أو تميل لليسار الاشتراكي الليبرالي إلى صالح أحزاب وأنظمة تميل لليمين المسيحي المتشدّد، مما أثّر كثيرًا على سياسات هذه الدول أو الأنظمة الداخلية منها والخارجية، وأوجد حالة من التناسق أو التماثل بين مجموع هذه الأنظمة، وهذا بحد ذاته مضر بالعالم الثالث أو الدول النامية، ذات الارتباطات والمصالح الحيوية مع هذه الدول.

ويضيف : التناسق والتناغم هذا بين الأحزاب اليمينية انحصر في الغالب في إشاعة الخوف والسلبية تجاه المسلمين في المجتمعات الغربية، ولم تلامس مشاريعهم واهتماماتهم المشاكل اليومية للمجتمع مثل: الأزمة الاقتصادية أو الأوبئة الفتاكة والبطالة وازدياد الجريمة والفقر الخ.

ويقول : إن الأحزاب اليمينية مستاءة من تنامي الوجود الإسلامي في الغرب خاصة بعدما بدأت الأقليات المسلمة في كسر الحواجز بينها وبين الشعوب الأوروبية من خلال اندماجها وتعايشها وانفتاحها على كل مكونات المجتمع كمواطنين أوربيين يخدمون أوطانهم ويهمهم أمنها واستقرارها دون أن ينسوا القضايا العربية الإسلامية العادلة، وعبّروا عن ذلك بالمظاهرات والمسيرات والاحتجاجات وبمشاركة شرائح من المجتمعات الأوربية، فالأحزاب اليمينية ترغب في بقاء دور المسلمين في الغرب هامشيًا؛ ولا يرتقي لمستوى التأثير على السياسة العامة، ثم اتهام مسلمي الغرب بسعيهم نحو أسلمة أوروبا وارتباطهم بأجندة أجنبية تخدم بعض دول وحركات إسلامية وعربية.

الدكتور أحمد السائح الأستاذ بجامعة الأزهر : مظاهر العداء المتنامية للإسلام في الغرب تجلعنا بحاجة ماسة إلى وقفة صادقة وأمينة مع حوارات الأديان وحوار الحضارات تلك الحوارات التي نحرص عليها أكثر من غيرنا والسؤال عن جدوى هذه الحوارات وعن أهدافها وهل تحقق شيء منها أم لا بات أمراً ضرورياً. فحوار الأديان وحوار الحضارات يصبح بلا جدوى في ظل غياب التسامح مع الآخر وعدم الاعتراف به وعدم وجود احترام متبادل بين الطرفين وهو ما لم يتحقق حتى الآن. ومطالبة الدول العربية والإسلامية بالتوسع في مجال الحريات الدينية لغير المسلمين هو أهم الأهداف التي يسعى الغرب لتحقيقها من خلال حوار الأديان وحوار الحضارات وهذه المطالب يجب أن تقابل بالمثل وهو المطالبة بمنح المسلمين الحرية في اظهار وممارسة شعائر دينهم والتي تشمل إقامة المساجد والمآذن وأداء الفرائض والشعائر الإسلامية والتقيد بأحكام الإسلام في كل الأمور ومنها ارتداء المرأة المسلمة للحجاب. ولذلك نحن بحاجة إلى وضع قواعد جديدة نؤسس بها للحوار مع الآخر ونحدد من خلالها وبدقة الأهداف المرجوة من هذا الحوار.

ويضيف : وآراء المستشرقين كان لها كبير الأثر في تشويه صورة الإسلام وصورة النبي صلى الله عليه وسلم في نفوس الغربيين وقام هؤلاء المستشرقون عن عمد بنقل صورة غير أمينة عن تاريخ وحضارة العرب والمسلمين وعن معتقداتهم. فهناك من يشكك في الإسلام كدين سماوي وهناك من يتهم الرسول صلى الله عليه وسلم بالكذب وبأنه اخترع الإسلام ليحقق لنفسه مجداً شخصياً.

د. حمدي عبد العظيم المفكر الاقتصادي ورئيس أكاديمية السادات للعلوم الادارية :

أبرز أسباب العداء الغربي للعالم الاسلامي هي  النظرة الاستعلائية للغرب حيال المسلمين: فالغربيون ينظرون للشرقيين وتحديداً من عرب ومسلمين نظرة دونيّة، وعلى أنهم – أي الغرب – هم العالم الأولى المتحضّر الرائد في جميع مجالات الحياة، أما غيرهم فهم مجرّد أمم مستهلكة لا غير، بعيدين عن الحضارة والمدنية. ويضيف: الغربيون أيضًا يستعلون على غيرهم بالأنساب، فيرون أنهم ينحدرون من أصول أرقى من غيرهم وبالذات الأمم الشرقية، ولهذا يملكون عناصر القوة بكل أنواعها وبجدارة بتميّزهم عن الأمم الأخرى في الأرض.ويشير الدكتور حمدي  أيضا إلي: المصالح الغربية في بلاد العرب والمسلمين: فبلاد العرب والمسلمين بلاد خير وكنوز ثمينة وعلى رأسها البترول والغاز، وهي بالمناسبة من المواد الأساسية لدول أوروبا أو الغرب القائمة عليها صناعاتها لا بل وتعتمد عليها شعوبها أيضًا، ولهذا فالكره شديد للعرب والمسلمين بسبب ذلك، لا بل إنهم ليقولون إن العرب والمسلمين لا يستحقون هذه الثروات، لأنهم – كما يدعون – لا يقدّرون قيمتها، أي العرب. ويقول :هذه المصالح بالطبع كانت ولا تزال مصدر كراهية لكثير من الأنظمة الغربية للعرب والمسلمين، ولهذا يدبّرون المكائد والحروب ليحافظوا على بقائهم وتحكمهم بخيرات هذه البلاد، حتى وان احتاج الأمر تدبير الفتن والقلاقل والصراعات بين شعوب المنطقة.

الدكتور على جمعة مفتى الجمهورية : إن الحضارة الغربية الحديثة استفادت من الحضارة الإسلامية كثيرا، والعكس بالعكس، وأضاف أنه إذا كنا نرى بعض الشخصيات الغربية التى تعمل على تشويه الإسلام والافتراء عليه، يقوم البعض الآخر أيضا برفض الغرب كلية، إلا أننا نجد أن هناك من أبناء الحضارتين قامات وشخصيات تتسم بالموضوعية والحياد والإنصاف فى عرض حقائق عالمنا المتعدد، وقال: "تلك الأصوات المعتدلة هى التى تضىء شعلة نشاطنا نحو بناء عالم من التعايش السلمى".

وأضاف الدكتور علي جمعة : إن أبرز هؤلاء المنصفين الأمير تشارلز، أمير ويلز وولى عهد المملكة المتحدة، الذى لا يزال يؤكد أن الحضارة المعاصرة ليست نتاج حضارة كبيرة واحدة، ولكنها تراكم حضارات عديدة لها نفس الحجم والشأن الرفيع، أسهم فيها آخرون، وخطابه الأخير عن الإسلام والبيئة خير شاهد على الطبيعة التعاونية التى تربط بين الحضارتين، إنه يدعو إلى استرجاع الإسهامات الكبيرة التى قدمتها ولا تزال تقدمها الحضارتان العربية والإسلامية للغرب.

د. أحمد عمر هاشم رئيس جامعة الأزهر السابق : الحضارة الإسلامية هي التي علمت العالم كله معني الحضارة ، لأن الحضارة الغربية ما هي الا رماد الحضارة الإسلامية .. وتتميز حضارتنا بأنها أخلاقية .. لأن المؤرخ والعالم والمهندس المسلم .. ينطلق في كل أعماله مرتبطا بقيم أخلاقية .. فهو يعمل من هذه القيم ولأجلها ، ولهذا كانت هذه الحضارة تعيش وتبقى وتسود .. أما الحضارة الغربية فهي مادية لا صلة لها بالروح والقيم والأخلاق ولا بالشرف الإنساني ، فالعالم الغربي يخترع الشيء من أجل أن يدمر به آخر .. ويخترع الاختراعات ، لإزالة دولة وذلة شعب والسيطرة عليه .

وأكد د. هاشم أن الدين والعلم مرتبطان بالقاموس الإسلامي .. ذلك لأن دستور المسلمين هو القرآن .. والدين والعلم يخرجان من رحم واحدة .. ويلتقيان بغاية واحدة ويدلان على إله واحد .. لكن إذا خرج العلم عن نطاق التدين .. سيصبح علماً مدمراً وهذه ميزة العلم في الإسلام .. وهي أنه مرتبط بالفهم للرسالة .. وهكذا تتوالى الحجج الدينية والمنطقية والكونية .. لتدحض وترد المزاعم والافتراءات التي طالما روجها .. ويروجها علماء الغرب ضد الإسلام والمسلمين ، والتي تزايدت في الفترة الأخيرة .

د. عبدالوهاب بكر أستاذ التاريخ الإسلامي بجامعة الأزهر : جاءت الأديان كلها قبل الإسلام تمهيداً للدين الإسلامي الذي يمثل عصر رشد الإنسانية .. حيث جاء الإسلام حدا فاصلاً بين عصر وعصر .. فجاء ليرسخ معاني الرحمة والإخاء البشري والسماحة والانفتاح على العصر .. وتقبل كل العناصر والأديان في نطاقه، حيث اصطفى الإسلام خلاصة الدين الرباني المنزل ليشكل ثقافة عالمية خالصة .. ومن هنا فإن مرحلة الضعف والتخلف التي يمر بها العالم الإسلامي هي مرحلة مؤقتة وليست تطوراً طبيعياً .. والدليل على ذلك أن الأمة الإسلامية قد واجهت في تاريخها أزمات وتحديات متعددة .. لكنها انتصرت عليها .. وواصلت مسيرتها في تقديم العطاء الحضاري الذي دفع مسيرة التقدم العالمي في كل المجالات .

ويرى ( د. بكر ) أن في مقدمة التماس أسباب التمكين وامتلاك أدوات التقدم لدى المسلمين هي العودة إلى المنهج الإسلامي الأصيل الذي يصحح كثيراً من الأوضاع الاجتماعية التي دفعت اليها الحضارة الغربية .. من حيث التطلع إلى المادة والترف .. والتماس مصادر الحرام والنزوع إلى الإسراف في المتعة المادية .. وتجاهل الأخطار المحدقة التي تعمل على احتواء المسلمين ومحاصرتهم .. والحيلولة دون تمكنهم من امتلاك إرادتهم وبناء مجتمعاتهم .. وتوجيه ثرواتهم نحو بناء قوة إقتصادية إسلامية تكفل لهم استغلال مواردهم .. ولا يتأتى هذا إلا بالعمل على إقامة الوحدة الجامعة بين كل عناصر الأمة الإسلامية .. وذلك حتى لا يجد خصوم الإسلام ثغرة ينفذون منها لوضع العراقيل أمام إقامة الوحدة الإسلامية الشاملة .

 

 

 

 

 

آراء حرة

لماذا نرفض قرض الصندوق؟

بقلم / محمد سيف الدولة

قررت الحكومة ان تقترض من صندوق النقد الدولي 4,8 مليار دولار ، ليظهر الأمر وكأن الشعب المصري ثار وقدم الشهداء ، لإسقاط مبارك ونظامه ولكن تحت الرعاية المالية والاقتصادية للأعداء الأصليين لثورته ، صناع نظام مبارك .فالنظام الاقتصادي فى مصر منذ 1974 وحتى 2011 هو صناعة غربية أمريكية بإدراه صندوق النقد الدولي ، والبنك الدولي ، وهيئة المعونة الأمريكية ومنظمة التجارة العالمية وأخواتهم .فهؤلاء هم أعداؤنا الحقيقيون .أما رجال النظام الساقط فلم يكونوا سوى أدوات تنفيذية طيعة فى أياديهم .

وتاريخ البنك والصندوق معنا محفور ومحفوظ فى ضميرنا الوطنى ، بدءا من انتفاضة يناير 1977 ضد قرارات رفع الأسعار التى تمت بأوامرهم ، و مرورا بروشتاتهم المتتالية واجتماعات نادى باريس واتفاقات وخطابات النوايا عام 1991 وما بعدها ، و التى فرضوها علينا باسم الإصلاح الاقتصادي المزعوم والتى تتضمن سلسلة من الأوامر والنواهي الصريحة والقاطعة على وزن :• لا تدعم السلع والخدمات• لا تعالج الناس مجانا• لا تجعل التعليم مجانى الا فى المراحل الأساسية• لا تبنى مساكن للفقراء• لا تعين موظفين جدد ، بل حاول ان تتخلص من الحاليين او تقلصهم• لا تقضى على البطالة ، فكثرة العاطلين تمكن القطاع الخاص من التحكم فى الأجور• لا تنفق على الفقراء ، فهذا ليس من شأنك .• لا تقدم لهم خدمات مجانية أو رخيصة• لا تنتج بنفسك ، وقم فورا ببيع القطاع العام وتصفيته• لا تقترب من القطاع الخاص ، و دعه يفعل ما يريد• لا تشترط عليه مشروعات محددة ، فهو حر يستثمر فيما يريد• ولا تضع اى سقف لأرباحه ، و دعه يربح كما يريد• لا تقيد الملكية ، فليملك من يريد ما يريد .• ولا تتدخل فى حق التصرف من بيع وشراء للمصريين أو للأجانب .• وليس لك شأن بثروات رجال الأعمال ، فليكتنزوا ما يريدون .• و لا تضع حدا أعلى للأجور• ولا تضع حدا أدنى لها• و لا تقاوم الفوارق بين الطبقات ولا تسع لتقريبها .• و لا تزيد الأجور ، و دع السوق والقطاع الخاص يحددها• ولا تحمى العمال من الطرد أو الفصل .• ولا تحمى عملتك الوطنية ودعها للسوق يحدد قيمتها• ولا تحمى منتجاتك الوطنية بالجمارك• لا تستقل اقتصاديا ، وارتبط بالسوق العالمى واتبعه .• لا تخطط للمستقبل ، فالتخطيط يضر بحرية السوق• لا تفرض أسعارا إجبارية ( تسعيرة ) حتى على سلع الفقراء• لا تُرَشّد الاستيراد• لا تقاوم البذخ• لا تغلق بابك أبدا أمام الاستثمار الاجنبى• ولا تضع عليه شروطا ، و قدم له ما يريد من تسهيلات واعفاءات .• لا تمنع نقل الأموال الى الخارج• لا تكف عن الاقتراض منا• ولا تتأخر فى السداد• و إياك أن تحاول الاستغناء عنا• لا تعادىِ إسرائيل فهى صديقتنا• و لا تبنى جيشا قويا ، حتى لا يستنزف مدخراتك• و لا تعارض السياسات الغربية• بل يجب ان تتعاون معها وتدعمها .• لا تأخذ قرارا الا بعد العودة إلينا• لا تتباطأ فى تنفيذ تعليماتنا .

و بالفعل قام النظام السابق بتنفيذ هذه التعليمات كالتلميذ النجيب المطيع ، فرضي عنه الخواجات وأثنوا عليه كثيرا ، الى درجة أنهم اختاروا وزير ماليته يوسف بطرس غالى مديرا للجنة المالية فى الصندوق منذ بضعة شهور .

أما عن النتائج الكارثية لهذه السياسات ، فيمكن ان نستخلصها من بعض الأرقام التالية :توزيع الثروة فى مصر : 160 ألف رجل أعمال يملكون 40 % من ثروة مصر وفقا لتقرير التنمية البشرية لعام 2007توزيع الفقر : يعيش أكثر من 36 مليون مصرى بأقل من 360 جنيه فى الشهرتوزيع الناتج المحلى السنوى : يحصل أصحاب رؤوس الأموال أمثال هشام طلعت مصطفى واحمد عز وغيرهم على 70 % من الناتج المحلى الاجمالى مقابل 30% للعاملين بكافة أشكالهم .البطالة : بلغ عدد العاطلين حوالى 2,5 مليون مواطن وفقا للتقديرات الرسمية ، فى حين يقدرها بعض الخبراء بـ 8 مليون عاطل .الجنيه : تضاءلت قوته الشرائية أربعة مرات منذ عام 1980 حين كان الدولار يساوى 1,43 جنيه ، الى ان أصبح يساوى الآن 6 جنيهالديون :• تضاعفت ديوننا الخارجية 11 مرة من 1,7 مليار دولار عام 1970 الى 19,1 مليار دولار عام 1980• ثم قفزت مرة أخرى الى 34,7 مليار دولار عام 2010• هذا بالإضافة الى الديون الداخلية التى قفزت من 11 مليار جنيه عام 1980الى 888 مليار جنيه حتى عام 2010• ليصبح مجمل الدين العام 1080 مليار جنيه• وليمثل 89.5% من الناتج المحلى الاجمالى• ولتبلغ نسبة خدمة الدين العام الى الناتج المحلى الاجمالى ما يقرب من 11 %• وما يقرب من 39 % من جملة الإنفاق العام .• مع العلم بان نسبة استفادة مصر من القروض الخارجية لم تتعدى 50 % تقريبا ، كما تبتلع مرتبات الخبراء الأجانب 25 % منها ، كما تم إهدار جزء كبير منها بسبب فساد و أخطاء الإدارة الحكومية وفقا لتقارير الجهاز المركزى للمحاسبات .

ولكن الأخطر من كل ذلك هو فقدان استقلالنا الوطنى لذات الأسباب و على ذات الوجه الذى أدى الى الاحتلال البريطانى لمصر عام 1882 .• وكلنا نتذكر شروطهم لنا عام 1956 عشية بناء السد العالى حين سحبوا عروض تمويله لأننا لم نقبل الاعتراف بإسرائيل ولم نتنازل عن حقنا فى الحصول على السلاح السوفيتي بعد أن رفضوا هم إمدادنا بالسلاح .• كما نتذكر سيول الأموال والقروض والمعونات التى نزلت علينا منذ السبعينات بعد انسحابنا من مواجهة اسرائيل وتوقيع معاهدة سلام معها .• كما نتذكر كيف استخدموا ديوننا لهم ، كأداة ضغط لإرغامنا على الالتحاق بهم فى حرب الخليج عام 1991 ، ثم قاموا بإلغائها مكافأة لنا على هذا التبعية .• وكيف يستخدموها ذريعة للتدخل فى أدق شئوننا بحجة ضمان حقوقهم لدينا ، فيأمروننا على الدوام أن : افعلوا ذلك ولا تفعلوا ذاك ، اصرفوا هنا ، ولا تدفعوا مليما هناك ...الخ .• ولو لم نوقفهم عند حدهم الآن ، فسيفرضون علينا فى الغد القريب خياراتهم السياسية والاقتصادية ، وكله بفلوسهم ، لنصبح جميعا النسخة المعدلة من نظام مبارك .• انها ذات السياسات التى يسلكونها مع كل بلاد العالم الثالث ، ليخضعوها ويكسروا ارادتها ويلحقوها بركابهم ويستولوا على مقدراتها• ويكفى أن نعلم أن الدول الغنية المقرضة البالغ تعداد سكانها 16 % من العالم تمتلك 76 % من الناتج العالمى• فى حين ان الدول المقترضة مثلنا و البالغ تعداد سكانها 77 % من العالم تمتلك 19% فقط من الناتج العالمى.

ولذا يجب أن نؤكد على ان توريط مصر فى مزيد من القروض ، ليس من صلاحيات اى حكومة بعد الثورة ، وهناك عشرات الحلول البديلة العاجلة ولكن من منطلقات أكثر جذرية وأكثر انحيازا للفقراء الذين يمثلون الغالبية من شعب مصر مثل :• المطالبة بإلغاء الديون الخارجية والتلويح بالامتناع عن سدادها لارتباطها بنظام فاسد وتابع تم إسقاطه .• اتخاذ سياسات أكثر حزما وصرامة وسرعة لاسترداد الأموال المنهوبة المهربة الى الخارج .• واسترداد شركات القطاع العام التى بيعت بأبخس الأثمان• واسترداد الاراضى التى نهبت بتراب الفلوس ، أو تحصيل فروق الأسعار• زيادة الجمارك على الواردات من السلع الترفيهية•  وفرض نظام من الضرائب التصاعدية قادرعلى محاسبة مليارديرات مصر الكثر .• و فرض ضريبة علي الأرباح الناتجة من الإتجار بالعقارات والأراضي أوالمضاربة في البورصة • و فتح تحقيق قضائى وشعبى واسع حول مصادر كل الثروات الطائلة التى راكمها رجال الأعمال عبر أكثر من 30 عام من خلال النهب المنظم بالتعاون مع رجال النظام السابق .• وتأميم او فرض تعويضات على من يثبت عليه عدم مشروعية مصادر ثروته .• فيجب أن نعلم أين ذهبت كل هذه القروض والمعونات ، ويجب أن نسترد ما أمكننا منها .• فالذين سرقوا مصر أكثر بكثير من الخمسين رجلا المحبوسين فى طرة الآن .

وإذا كنا نشتبك كل يوم فى حوارات وصراعات سياسية وحزبية حول الدستور والانتخابات والمدنى والاسلامى ، فانه من باب أولى أن ندير حوارا وطنيا حول كيفية التحرر من التبعية الاقتصادية والسياسية للغرب .ولدينا والحمد لله تصورات وطنية بديلة متكاملة فى هذا الشأن ، لخبراء متخصصين أمثال الدكاترة : إبراهيم العيسوى وجلال أمين و محمود عبد الفضيل واحمد النجار وغيرهم .كما أن هناك مؤسسات مدنية عالمية تناضل فى هذا المجال ، منها لجنة إلغاء ديون العالم الثالث ، التى قدمت بالفعل حلولا بديلة لسياسات الاقتراض الدولى.

ان الامتناع عن تلقى مزيد من القروض والنضال ضد سياسات عصابات النهب الدولى المسماة بالبنك والصندوق ، وتحرير مصر من براثنها هو اولوية وطنية على قائمة مهام الثورة .


ناجى علوش .. ضمير فلسطين الذى رحل

بقلم د. رفعت سيد أحمد

* لعل كاتب هذه السطور ؛ يكون ، بمعيار الزمن ، هو أقل الحضور معرفة وصداقة ، بالراحل الكبير المناضل ناجى علوش ، حيث بدأت فى السنوات الأولى من عقد التسعينات من القرن الماضى فى (طرابلس الغرب) ضمن الفعاليات الفكرية لملتقى الحوار العربى الثورى والتى تخصصت فى بناء جسور جديدة للقاء بين التيارات العربية الرئيسية (القومية – الإسلامية – اليسارية) ، هذا وفق معيار الصداقة والمعرفة الشخصية ، ولكن بمعيار النضال الفكرى والسياسى ، فإن معرفتنا بالمناضل الكبير ربما تربو على عمره هو (الـ77 عاماً) لماذا ؟ لأنه كان ببساطة ، يمثل لجيلنا وللأجيال السابقة واللاحقة (ضميراً فلسطينياً حياً) لا يستقيم لمحب لها – لفلسطين – أن يحبها ، دون أن يعرف ، ومن ثم يحب ، ناجى علوش، لقد كان بفكره وجهاده نقطة اللقاء الكبرى بين الفرقاء ؛ لقد تشابه لدى (أبو إبراهيم) بـ (أبى إبراهيم) فلسطينى آخر عرفته ، وصادقته منذ كان يدرس الطب فى (الزقازيق) نهاية سبعينات القرن الماضى ، إنه الشهيد المعلم والقائد المجاهد د. فتحى الشقاقى ؛ ترى هل هى مصادفة أن الاثنين – رغم ما قد يبدو من خلاف شكلى – يكفيان بأبى إبراهيم ؟ هل هى مصادفة أن يكون أبو إبراهيم فتحى الشقاقى هو الذى عرفنى بأبو إبراهيم ناجى علوش فى طرابلس الغرب ذات مساء ونحن نتحاور حول المقاومة وحتمية سقوط أوسلو وخيارات التسوية البائسة؟ هل هى مصادفة أن تتفق يومها ، كما اليوم ، كل القوى الوطنية بأجنحتها الرئيسية (القومية – اليسارية – الإسلامية) ورموز العمل الفكرى والأدبى والسياسى على احترام هذين الرمزين إلى حد اعتبارهما خارج نطاق التصيف الأيديولوجى التقليدى ، وأنهما عابران للتحزب والتخندق السياسى أو الدينى أو المذهبى بالمعنى الضيق ، وأن كل تيار أو اتجاه فكرى أو سياسى يجد نفسه فيهما ؛ ترى ما السبب ؟ لقد بحثت كثيراً ؛ عن هذا السر الذى يحمله (أبو إبراهيم ناجى علوش) أو سمية أو إبراهيم فتحى الشقاقى ، ونفر – قليل – من القادة الكبار فى مسيرة الجهاد الفلسطينى والعربى ؛ وحاولت أن اكتشفه بالاقتراب الشخصى أو المعرفة ، وسائلت نفسى ، لماذا (ناجى علوش) و(الشقاقى) ؛ يرتفعان إلى هذه القمة ، قمة الحب والسمو والوحدة بين كافة الفرقاء .. فى الوقت الذى يتدنى فيه آخرون ، ويسقطون ولا يكتفى (للفرقاء) بالخلاف معهم أو عليهم ، بل وبالعداء الذى يصل – أحياناً – إلى حد الحرب؟.

لقد اجتهدت،بقدر علمى ومعرفتى بهؤلاء القادة الكبار قيمة ودوراً؛فوجدت الإجابة وبإختصار تكمن فى (فلسطين) لقد أحبوا فلسطين ، بإخلاص الأنبياء وصدق الشهداء، فأحبتهم ومن يحب فلسطين ، يحبه الناس ، مهما اختلفت مشاربهم، وتنوعت، والحب الذى حمله أبو إبراهيم (ناجى علوش) لفلسطين، ليس كمثله حب، إنه الحب الذى يتماه فيه الحبيب فى الحبيب إلى حد الذوبان ليصير الاثنان واحد فإذا ذكرت فلسطين، استدعى ناجى علوش وتمثل قيمة ورمزاً للإخلاص والعشق المقاتل؛ وإذا ما ذكرنا ناجى علوش حضرت فلسطين،دون غيرها من العناوين، والميادين التى برز فيها الراحل وتعملق !! .

لقد كان (علوش) ؛ كما هو (الشقاقى) ، وكما هم الشهداء الفلسطينيين الكبار هو الاسمى الحركى (لفلسطين) ؛ من هنا كان السر ، ومنه انطلق وازدهرت شجرته ، وأينعت عبر الـ77 عاماً ، لتصير هرماً عملاقاً متماسكاً ، وفقاً للوصف الجميل لإبراهيم علوش – هرماً محافظاً على ثباته وتوازنه فى المستنقعات الضحلة والرمال المتحركة ، كان هرماً ، وليس صنماً فقد كان يحتقر الأصنام بل كان هرماً من إنسان لم تحوله الخطوب والخيانات والممارسات الانتهازية التى تعرض لها إلى حجر ولم يحوله حلمه القومى أو انجازاته إلى متعالى فلقد كان إحساسه بالآخرين أصيلاً لا مفتعلاً – ولقد عايشت ذلك بنفسى فى مرحلة ما بعد تعارفنا الشخصى فى طرابلس بليبيا أوائل التسعينات من القرن الماضى – لقد كان متواضعاً ، لأنه نبت من أعماق الأرض وعجن بزيت الزيتون وعرف معاناة الفقراء حتى شبابه فتقمصتها روحه وحولته إلى هرم من نار ، وكل هذه الأوصاف مقتبسة من رائعة (من هو ناجى علوش التى كتبها ابنه المناضل الرائع د. إبراهيم .

***

* لقد كانت (فلسطين) كعبته ، وقبلته ، فدار معها حيث تدور ، ولذلك لم يسقط أبداً ؛ وظل شامخاً حتى وفاته رغم معاناة المرض ، ولم يدخل أبداً فى دوراته ورحلته الطويلة عن ثوابته التى علمته إياها القضية ، وتعلمناها منه ، ومن رفاقه الشهداء ؛ ومن عرف فلسطين ، ودافع عنها مثل أبو إبراهيم ، لا أظنه منتجاً ، سوى الثمار العظام ، فى الأدب والفكر والسياسة بل وفى طريقة حمل البندقية حين جسد نظرية المثقف العضوى لجرامش فى جنوب لبنان ، وفى فلسطين ؛ لقد علمنا أبو إبراهيم ، بسيرته ، وإنجازه الفكرى والفلسفى ، والسياسى الكبير ، أن المفتاح هو فلسطين ، وأن المبتدأ ، والمنتهى هو فلسطين ، وأن أوزان الرجال ، وصدق المواقف ، وزيفها ، يتوقف بمدى القرب أو البعد عن فلسطين : الوطن ، والقضية ، والرمز ؛ لقد علمنا أبو إبراهيم عبر سيرته العطرة وإنجازه الكبير ، معياراً رائعاً للحكم على الناس ، أولئك الذين يدعون وصلاً ، بالنضال والعروبة ، والإسلام : إنه معيار ؛ قل لى أين تقف من فلسطين وأين تضع أمريكا وإسرائيل فى أجندة أولوياتك أقل لك من أنت ، إذا ليس بثائر ، وليس بربيعى عربى ، من يسمح لثورته أن يساندها برنار ليفى ، وحمد وهيلارى وبيريز !! هل وضع الله للثائر قلبين فى جوفه ؛ ثائر ضد (الاستبداد الحاكم) وعميل للـ C.I.A وحلف الناتو الآباء الشرعيون لبعض ثورات الربيع العربى التى تدعى النضال من أجل الديمقراطية، هكذا فهمنا من (طلقة تنوير) ناجى علوش جديدة فالمعيار الأول لتقييم الأنظمة العربية هو موقفها من الوحدة العربية، والمعيار الثاني هو موضوعة الحريات، والثالث هو موقفها من الإمبريالية، والرابع هو موقفها من الصهيونية، ولا يجوز أن نأخذ المعيار الثاني وحده، وبشكل يتعارض مع المعايير الأخرى، لمن يريد أن يستشهد بناجي علوش.  وقد كان هذا أساس موقفه ضد التدخل الأجنبي مؤخراً في سورية وليبيا، ودعمه بالاسم لقيادتيهما، كما جاء في التسجيل المصور – وفقاً لإبراهيم علوش - الذي قام به في 7/9/2011 والموجود على اليوتيوب تحت عنوان "طلقة تنوير".

***

إن ناجى علوش ابن بيرزيت المولود عام 1935 ، والذى عاش النكبات والانتصارات ، كان مثقفاً شاملاً ، فليست كتبه فحسب التى تجاوزت الثلاثين مؤلفاً ومرجعاً هاماً فى الثورة والمقاومة والعروبة والوحدة ، هى المعيار هنا على ثقافته الواسعة ، فكم من مثقف أنتج عشرات الأعمال ، لكنه بقى محدود الأثر والقيمة والذكر ؛ لقد كان (علوش) بمواقفه الراديكالية ، فى الموقف من العدو الصهيونى ، ومن أنظمة الاستبداد ، فى المنطقة ، مترجماً جاداً لكتبه ، فى سيرة حياته لا تناقض ، لا اختلاف ، لو فى كلمة ، أو جملة ، إلى الحد الذى يمكننا وبسهولة أن ندعى أن (ناجى علوش) الموقف هو ذاته ناجى علوش الكاتب ، والشاعر وأمين عام اتحاد الكتاب والصحفيين الفلسطينيين هو ذاته صاحب المواقف الناصعة وعضو المجلس الوطنى والثورى الفلسطينى وأمين عام لحركة التحرير الشعبية العربية ، هو ذاته صاحب الموقف المبكر ضد التنازلات الأولى على طريق أوسلو وكامب ديفيد حين صوت مع (أبو داود) المناضل الراحل / محمد داود عودة على رفض البرنامج المرحلى أو ما سمى عام 1974 ببرنامج النقاط العشر الذى مثل بداية التنازلات الفلسطينية والعربية أمام العدو الصهيونى والتى أوصلتنا اليوم إلى بؤس أوسلو ومن قبلها كامب ديفيد ووادى عربة .

* ولا نبالغ إذ قلنا وفى ذكرى الأربعين أن ناجى علوش فى ضمير الحركة الوطنية المصرية يمثل (رمزاً) وقاسماً مشتركاً يلتف حول رؤيته ومواقفه الثابتة والثورية كل الفرقاء الذين نادراً ما يلتقوا على (قضية) أو (شخص) لقد جمعهم (علوش) فى حب فلسطين والدفاع عن ثوابت قضيتها .

* لقد كان فى مواقفه ، وسيرته متسقاً مع ما يكتب أو يقول ، لقد كان بحق (الثورى العربى المعاصر) وهو أيضاً كان ابناً (الثورة والجماهير) ، وذلك من أجل تعبير (سبيل حركة تحرير ثورية) بهدف إنضاح (المسيرة إلى فلسطين) ، والتى لم تستقيم دونما اعتماد خيار (المقاومة العربية فى فلسطين) والاستعادة من تجارب النضال الإنسانى ضد قوى الاستعمار والهيمنة وهنا تحضر (التجربة الفيتنامية بدروسها السياسية والعسكرية) مثالاً يحتذى وهكذا ..

* يمتد جعل الإنجاز ولا يتوقف (انجاز يحتاج اليوم إعادة نشر واسعة ؛ إنجاز وتواصل حلقاته ، ولم تتقطع حتى لحظة وفاته ، لماذا لأن ناظمها هو ابن فلسطين الحقيقى ، وضميرها الحى ، ناجى علوش ، ذلك المثقف الضمير ، الذى لم أحل أبلغ من وصفه سبحانه وتعالى ينطبق عليه حين نتذكره اليوم ؛ حين قال عن موسى عليه السلام (صنع على عينيه) .. نعم لقد صنعه الله ، وخلقه على عينيه ، فكان فلسطينياً رائعاً ، تماماً مثلما كان عروبياً ، وإنساناً رائعاً . رحمه الله .

(ألقيت هذه الكلمة فى الاحتفال المقام فى عمان – الأردن – بمناسبة ذكرى الأربعين لرحيل المفكر والمناضل ناجى علوش يوم 16/9/2012)


قصة استشهاد السيد هادى حسن نصر الله فى 13/9/1997

"إننا في قيادة حزب الله لا نوفر أولادنا للمستقبل،  نفخر بأولادنا عندما يذهبون إلى الخطوط الأمامية، ونرفع رؤوسنا عاليا بأولادنا عندما يسقطون شهداء".

 (السيد حسن نصر الله)

***

غرد عصفور على غصن تنقط منه حبيبات المطر العالقة عليه ثم ما لبث ان نفض ريشه وطار فاردا جناحيه ليستشعر الحرية والدفء بعد ليل بارد وراح يغرد اغنية اليوم الجديدة .

كان الرابع من نيسان من عام 1997م حين عقد هادي قرانه على ( بتول خاتون ) بعد اختياره وتشجيع والديه رغم صغر سنه الذي لا يسمح عادة بتحمل مسؤلية بناء بيت واسرة وكانت بتول فخورة بخطيبها الذي يمثل نموذجا للشاب الواعي الذي من جهته كان يعمل على تهيئتها وجعلها فتاة قدوة لغيرها وهي التي ارتبطت بشاب أول كلمة قالها لها : ( ربما أقتل ، أو أسر ، أو أجرح؟ ) فوافقت وهي مؤمنة بالخط الذي يلتزمان به .

وفي احد الايام، كان مدعواً الى الغداء في منزل عمه الشيخ علي “علي”وبينما هو منهمك بمساعدة زوجة عمه في تحضير الطعام بلغه نبا استشهاد الشهيد محمد الجوهري، صديقه وزميله في الجهاد فبكاه بكاء شديدا وتأثر لأجله، واكتفى ذاك النهار بالبكاء والدموع وفيما كانت اوراق الايام تقلب صفحة صفحة، بدأ هادي وبتول يهيئان بيتهما الزوجي كل شيء كان طبيعيا ، إلى أن جاء ايلول ، فتبدل كل شيء في المرة الاخيرة التي رآها فيها ودعها قبل ان يذهب الى الجنوب موصياً اياها ان ( تنتبه الى نفسها ) وعاد الى منزل والديه ليحزم امتعته حضر اغراضه بنفسه، وانتظر ان تعود والدته الى المنزل وكان من عادته اذا لم تكن في البيت واراد ان يذهب الى الجنوب ان يترك لها رسالة إلا أنه هذه المرة انتظرها حتى عادت وودعها وقف قرب الباب ينظر اليها، ولما وقع نظره على بصرها نكس رأسه .. ورحل .

رحل وهدوء غريب يلف تصرفاته سكون وطمأنينة استغرب لها الجميع لكأنه كان يعرف ان الطريق التي سيسلكها نحو الجنوب ستكون طريقا نحو الجنة.. نحو الخلود .

كان عصر نهار الجمعة وايلول يلملم ما تبقي من ايام الصيف والسنونوات الباحثة دوماً عن الدفء تهاجر نحو الشمس يقال ان لايلول سكونا لا يعرفه أي شهر في السنة رغم ما يحمله في طقسه من حر آب، الا ان لمحة الحزن لا تفارق سمائه وتبقى الشمس فيه للرحيل في أي لحظة خلف لون رمادي يعانق لمسات سوداء لكن صوت القذائف والرصاص وتحليق الطائرات المروحية مزقت هذا السكون عصر ذاك اليوم في اقليم التفاح اذ ان مواجهات عنيفة كانت تدور بين مجموعات من رجال المقاومة الاسلامية وقوة اسرائيلة متقدمة ضمن نطاق “جبل الرفيع” كانت متجهة نحو قرية عربصاليم لضرب اهداف مدنية في التفاصيل انه عند الساعة الخامسة والدقيقة الخامسة والاربعين كمنت مجموعة “سيد شهداء المقاومة الاسلامية السيد عباس الموسوي” لقوة صهيونية متقدمة كما قامت مجموعة الشهيدين “ربيع وهبي” و “حسن مريش” بعميلة التفاف وتطويق مكان الاشتباك ولدى استقدام العدو لتعزيزات اضافية عند الساعة السادسة والدقيقة الاربعين قامت مجموعة الشهيد رضا ياسين بمهاجمتها وقد اعترفت الاذاعة الاسرائيلية بمقتل اربعة من جنودها خلال هذه المواجهات كان هادي “ياسر” من المجموعة المساندة للقوة الاولى ومعه قائد المجموعة “ذو الفقار” -وهو الاخ الوحيد الذي عاد حيا من مجموعة الشهيد السيد هادي- هيثم مغنية (جلال)، علي كوثراني (كميل)، وكانوا جميعهم بانتظار اوامر التحرك من المجموعة الاولى نظر “هادي” الى “ذو الفقار” وصخب المعارك الدائرة بالقرب منهم يعلو اكثر فاكثر واقترب منه سائلا اياه بعتي وحماس : هل المجموعة الاولى هي وحدها التي ستواجه ؟ واين دورنا نحن ؟ نحن نؤدي تكليفنا، واذا احبنا الله، يكون نصيبنا التدخل ثم اردف ذو الفقار: هناك رائحة عطر قوية، من منكم وضع عطرا الآن ؟ فلم يجبه احدا … فاقترب نحو هادي ليشمه : رائحة العطر تفوح منك يا هادي ! فارتسمت بسمة رضا على شفتي هادي وقد لمعت عيناه ببريق السعادة : والله انها رائحة الشهادة ، وسأرسل بطلبكم عما قريب وان هي الا لحظات حتى اعطيت الاوامر بالاشتباك مع قوة الدعم الصهيونية التي تدخلت لمساندة الجنود الذين وقعوا في الكمين فاعطى “ذو الفقار” اوامره الى “هادي” و “علي” بالالتفاف على القوة ومهاجمتها من الجهة الاخرى وكان بصر “ذو الفقار” يتابعهما حتى لمحهما يتشابكان وجها لوجه مع جنود العدو وعلى مسافة لا تتجاوز المتر الواحد كان “هادي” متحمساً جداً للشهادة وكأن روحه فارقت جسده شوقاً للقاء احبائه الشهداء الذين سبقوه الى حيث رضوان الله تعالى فراح يطلق الرصاص من رشاشه متقدما نحو الصهاينة وهو يصرخ ( الله اكبر ) لحظات وخفت الصوت تدريجيا، وقد وضع هادي يده على خاصرته اليسرى حيث اصيب بطلقة نارية ثم اصيب بشظية اخرى في رقبته وهوى الى الارض .. فانغرست اصابعه بين التراب ..وهذا يا جبل الرفيع ، دمي .. فاجعل ترابك كفني .واغمض عينيه، وعرجت روحه مسرعة نحو السماء،ثم ما لبث ان لحق به علي فيما كان “ذو الفقار” و “هيثم” يتابعان المواجهة بعد أن فقدا الاتصال بالمجموعة الاولى وبدا الانسحاب تدريجيا لان ذخيرتهما بدات تنفذ وفي نهاية الاشتباك، سقط “هيثم” صريعاً على الأرض فحمله “ذوالفقار” وتابع انسحابه إلى أن اختبأ في مكان قريب من ساحة المعركة وعمل على تصليح الجهاز الذي معه ليعاود التنسيق مع المجموعة الاولى إلى أن عاد سالماً يحمل على اكتافه الشهيد “هيثم” فيما اسر الصهاينة جثتي الشهيدين “هادي” و”علي” واخذوهما إلى مستشفى مرجعيون ومن ثم إلى داخل اراضي فلسطين المحتلة .

صباح السبت في الثالث من أيلول، وفيما كانت الحاجة “أم هادي” تشتري بعض الأغراض للمنزل كانت الملحقات الإخبارية تذاع عبر إذاعة النور آخر مستجدات إقليم التفاح ولما عادت أدراجها إلى المنزل، كان شعوراً غريباً يراود نفسها لم تجد له تفسيراً غير أنها كانت تستعيذ بالله من كل مكروه وبلاء بعد فترة قصيرة من الزمن جاء سماحة السيد إلى المنزل ليخبرها انه تم الاتصال به لإبلاغه أن أربعة من الاخوة المجاهدين فُقد الاتصال بهم خلال مواجهات الأمس (الجمعة) وان السيد هادي بينهم ، شعرت حينها أن الدنيا أظلمت في وجهها، واحتارت ماذا تفعل وحاول سماحة السيد أن يهدئ من روعها قبل أن يخرج من المنزل ليتابع مع الاخوة تفاصيل الأحداث فيما ظلت في البيت محاولة المحافظة قدر الإمكان على هدوء أعصابها أخذت تستعيذ بالله من وسوسات الشيطان، وتدعو لهادي، إن كان حياً، أن يعود إليها سالماً وبين فينة وأخرى ترفع رأسها إلى السماء داعيةً لله : ( يا راد يوسف ليعقوب، اعد إليَّ هادي يا رب ).

وراحت تلهي نفسها بعمل المنزل، إلا أن صورة ولدها لم تفارق مخيلتها وتمنت من كل قلبها أن يكون شهيدا على أن يقع أسيرا لدى الصهاينة اللئام كان السيد دائم الاتصال بها ليطمئن عنها ويطمئنها فسألته إن كان يتصل بالاخوة ليعرف الأخبار مباشرة ولما أجابها بالنفي، قالت له : ( اتصل واسأل عنه، انه ولدك ).

فرد عليها : ( لانه ابني، اخجل أن أسال عنه، فعندما تصل أخبار جديدة للاخوة سيبلغونني بها فورا )  ( أنظروا إلى جواب سماحة السيد حسن نصر الله ، يالك من رجل يا عظيم يا سيد المقاومة ) اجل، لقد خجل سماحة السيد من أن يسال عن “هادي” لانه ابنه وهو الذي كان يقضي الليل منتظراً قلقاً إذ ما فقدت مجموعة من هذه العمليات أو حتى أخ واحد، ويبقى على اتصال دائم مع الاخوة، لا يطيب له عيش حتى يبلغ بمصيرهم فإما عودة سالمة، أو فوز بشهادة مباركة غير انه هذه المرة اكتفى بانتظار رنين الهاتف أن يتناهى إلى سمعه فيسمع الخبر الأخير عن ولده مرت ساعات النهار ثقيلة.. السيد ينتظر بصبر وهدوء بعد أن عاد إلى البيت وأم هادي جمعت اجمل صور لابنها وهو بثياب الجهاد .. وجلست تنتظر كان السيد يخفف عنها بكلامه، لكنها نظرت إليه وهو يحدثها، فقالت له :

 ( إن رحل ” هادي ” فأنت الذي تصبرني ، ولكن أخبرني .. أنت من ذا الذي يصبرك .. من ؟! ) فأجابها بطمأنينة : ( الله هو الذي يصبرني ) وحينما وقفت ساعة العصر على عتبات النهار عرف الاخوة في غرفة العمليات إن ثلاثة من الاخوة المجاهدين في المجموعة المفقودة استشهدوا فيما بقي رابعاً مفقوداً، وعرف أيضاً أن السيد هادي، هو من بين الشهداء الثلاثة احتار الأخ المكلف بإبلاغ سماحة السيد كيف سيبدأ فهو عندما قرأ البرقية التي وصلته من الجنوب دمعت عيناه على ولد له ككل الاخوة المقاومين لكن بسمة الرضا، أبت أن تبقى مختبئةً خلف شفتيه فهو يعرف إن نفس هادي كانت تواقةً للرحيل بسرعة من هذه الدنيا إلى حيث تطمئن روحه، وتسكن نفسه، ويخلد في مكان ارحب بكثير من حدود الجسد رفع سماعة الهاتف، وراح يحدث السيد وقد بدا الارتباك واضحاً في حديثه فهون سماحة السيد عليه سائلا إياه : ” هل هادي من بين الاخوة الذين استشهدوا ؟ “ فأجابه بـ ” نعم “ ، فصبر نفسه وصبرهم على المصاب واحتسب اجره عند الله .

عند المساء، جاءت الأخوات ليبلغن ” أم هادي ” التي لم تكن على علم بعد بشهادة هادي إلا أن قلبها حدثها بأنه لن يعود فجلسن صامتات، كل واحدة تحاول أن تدفع الأخرى لبدء الحديث فنظرت إليهن “أم هادي” واحدة واحدة تتأمل وجوههن التي تحمل كل معاني الحزن واللوعة فعرفت أن هادي قد استشهد لكنها آثرت الصمت قبل أن تقول لهن بماذا حدثها قلبها لأنها كانت تريد أن تسمع منهن كيف سيبلغنها الخبر فقالت حاجة لرفيقتها : أخبريني كيف كان مجلس العزاء البارحة ؟ فأجابتها بأنه كان موفقاً بحمد الله وأنه تحدث عن مصاب أهل البيت عليهم السلام وعن مصاب السيدة زينب عليها السلام التي فقدت جميع اخوتها وأبنائها في كربلاء ثم نظرت إلى ” أم هادي ” قائلة : (والحاجة ” أم هادي “، سيدة صابرة بإذن الله، وستتقبل شهادة هادي باحتساب وصبر) قالت هذا، وضج الجميع بالبكاء، إلا أم هادي،لم تذرف دمعةً واحدةً بل قالت إنها كانت على علم بشهادة هادي وحمدت الله على عظيم نعمه، ورفعت يديها نحو السماء :( اللهم تقبل منا هذا القربان ، بيض الله وجهك يا هادي كما بيضت وجهي عند السيدة الزهراء عليها السلام وخفف عنك، وقد جعلتني بمصابي أواسى آل البيت عليهم السلام ) ثم قامت وصلت ركعتي شكر لله .

في الساعة الثامنة والنصف من مساء ذاك النهار،احتشد جميع اللبنانيين، الموالين لحزب الله، وغير الموالين أمام شاشة تلفزيون المنار، ليروا من هو حسن نصر الله من هو ذاك الأب الذي سيعتلي الآن منبرا يتحدث فيه عن شهداء أيلول سنة ثلاث وتسعين انتظروا أبا فقد بكر أفراحه، يقف لينعى بأسى وليده، وانتظروا أن يروا دمعاته تتململ خلف مقلتيه دماً احمر لكنه، حين صعد إلى المنبر،كسيف نصر استل من غمدِ دماء تكتب تاريخ الشرفاء وقف بصلابة جده الحسين عليه السلام أمام جمهور غفير من المحبين الذين توافدوا ليخففوا عنه فإذا به يخفف عنهم، يواسيهم ، ويحدثهم عن الشهداء الأبرار الذين قضوا دفاعاً عن هذه الأمة،وعن هذه الأرض (إنني أشكر الله سبحانه وتعالى على عظيم نعمه،أن تطلع ونظر نظرة كريمة إلى عائلتي فاختار منها شهيدا) أجل،لقد كان هو السيد حسن نصر الله، الذي قدم ولده بصمةً جليةً لصدقه وإخلاصه للمسيرة التي يقودها وبَّين للعالم أجمع من هو حزب الله، ومن هم أبناء حزب الله .

أمة كل يتسابق فيها لنيل الشهادة والرضوان لم يعد من هادي سوى ثيابه، وكتاب الدعاء الذي يرافقه في رحلة الحياة والجهاد وخاتمه العزيز الذي كان يلبسه في المهمات الصعبة وبقي جسده محتجزاً لدى القوات الإسرائيلية فترةً من الزمن حاول الإسرائيليون خلال التفاوض مع حزب الله لتبادل جثة السيد هادي ببقايا جثة الصهيوني اتيمار ايليا- وهو رقيب في وحدة “شييطت 13 من قوة الكوماندوس الإسرائيلية التي تعتبر من أهم وأقوى الوحدات العسكرية المنظمة وقد قتل اثر عملية إنزال فاشلة بعد منتصف ليل الخامس من شهر أيلول في عام ألف وتسع مئة وسبع وتسعين في بلدة أنصارية جنوب لبنان، وكانت تستهدف، حسب اعتراف الداخل الإسرائيلي، أحد مسؤولي حزب الله وقد أفشلت مجموعات الحراسة الليلية التابعة للمقاومة الإسلامية عميلة الإنزال تلك فجعلتها كعصف مأكول، وقتل خلالها للإسرائيليين أحد عشر قتيلا لكن سماحة السيد اعتبر أن المفاوضات تنتهي عند هذا الحد وان جثة الصهيوني ستبقى رهينة حتى يتم الإفراج عن أسرى أحياء وجثث الشهداء وفي الخامس والعشرين من شهر حزيران من عام 1998م،عادت جثة الشهداء الأبرار ومن بينهم جثة السيد هادي.

عاد هادي ليرقد في المكان الذي طالما زار الشهداء فيه وقرأ على أضرحتهم سوراً من القران الكريم عن أرواحهم الطاهرة ، عاد ليسكن وردةً بينهم، يفوح منه عطر النبوة عطر الحسين والحسن، وعطر الشهادة.

وفي يوم السبت الموافق للسابع والعشرين من شهر حزيران وبعد احتفال حاشد في ملعب الراية-الصفير صلى على أجساد الشهداء ، سيد المقاومين وأخو المجاهدين السيد حسن نصر الله بعدها حمل الاخوة المجاهدون النعوش على أكتافهم متجهين بهم نحو روضة الشهيدين في الغبيري حيث مثواهم الأخير وأقبلت إليه والدته ترش على مثواه الأخير حفنةً من التراب الندي ولتأنس بقبر تحاكي سكونه وتحس ترابه الذي يضم حبيبً لها، كانت روحه سكنت روحها ضج الجميع بالبكاء غير أن عظمة المشهد تجعل من كل شيء يبدو صامتا، ولا شيء ، لا شيء يمكن أن يكون اعظم من وداع شهيد كتب لنا على جدار الزمن بنجيعه معاني الحياة ، رحل هادي تاركاً في القلب دمعة، تحفر على جدران الذكريات كلمات لا تنسى ، ومشاهد لا تمحى، فصفحات حياته ستبقى على مسرح الوجود أُمثولة للسائرين نحو الله ، فسلام عليه يوم ولد، ويوم اشتم رائحة والده النبوية، ويوم سار في درب المجاهدين ويوم عانق جسده الطاهر تراب جبل الرفيع ، ويوم يبعث حياً نوره يسعى بين يديه .

رحمك الله يا سيد هادي ، ومثواك الجنة إن شاء الله مع الصديقين والشهداء الأبرار.


بيان رموز الفكر والسياسة العرب فى بيان سياسى شامل عن الأزمة السورية

بيان ضد العدوان الخارجي على سوريا: لنقف مع الدولة والشعب وطموحاته

أصدرت مجموعة من المثقفين والقلقين على ما يحدث في سوريا، من مختلف الدول العربية، بيان مؤازرة لسوريا التي"تواجه عدواناً متعدد الأطراف من قوى أجنبية وإقليمية". وهو بيان يهدف إلى"التأييد المعنوي للسوريين الذين لم يخدعهم الإعلام وتبينوا معالم العدوان خصوصاً هؤلاء الذين يختلفون مع النظام ورغم ذلك يقفون ضد التدخل الأجنبي وضد تخريب المسلحين".

الآن، وبعد أن ظهرت معالم العدوان على سوريا وأبعاده كاملة، فقد أزف الوقت لاتخاذ موقف واضح من الأوضاع في سوريا. لقد تبينت الحقائق جلياً من واقع الأحداث ومن مصادر المعتدين أنفسهم، سواء كانت الجهات التي تسلح العصابات الإجرامية والذين يقومون بحرب وكالة عن أطراف متعددة (أميركا ودول الناتو الأوروبية وتركيا وقطر والسعودية والكيان الصهيوني وقوى التآمر والتبعية اللبنانية) أو من يمولهم ومن يزودهم بالغطاء الإعلامي والدعاية المغرضة وأدوات الاتصال المتقدمة والمعلومات الاستخبارية واللوجستية أو من يقوم بتدريبهم والتنسيق بين فصائلهم ومن يشعل نيران الطائفية والنعرات الإثنية لتمزيق الوطن السوري وتفتيته أو من يساعد في تصدير عصابات مسلحة من دول أجنبية تتخفى وراء رداء الدين و"الجهاد" وتوظف شرائح سورية فقيرة مهمشة للقيام بأعمال تخريبية. إن ما يحدث في سوريا الآن هو عدوان آثم تشنه هذه القوى بالوكالة، ليس من أجل الديموقراطية وضد الاستبداد كما يدعون، بل لإزالة العقبة العربية الباقية أمام المشروع الشرق أوسطي المعلن منذ سنوات لفرض الهيمنة الأجنبية على الوطن العربي وتفتيته وإخضاعه.

كذلك أصبح من الواضح أنّ الحركات الاحتجاجية السلمية والمشروعة جرى اختطافها مبكراً واستغلالها من قبل قوى العدوان التي أعلنت هدفها بإسقاط النظام منذ عدة سنوات ومن قبل الأطراف التي تتبنى دعوات التدخل الأجنبي وتطالب بتزويد السلاح والحظر الجوي والحصار الاقتصادي الذي يعانيه الشعب السوري كله الآن.

لم يبقَ للمثقفين العرب الملتزمين قوميتهم والمؤمنين باستقلال الوطن السوري ووحدته أي مبرر أو سند للتردد أو التلكؤ في اتخاذ موقف واضح من الأحداث والعدوان الذي تتعرض له سوريا التي احتضنت المقاومة الفلسطينية واللبنانية. إن الموقف الصحيح والواعي يرفض الثنائية اللامنطقية، وكأن الاختيار هو فقط بين العدوان الأجنبي أو الاستبداد المحلي. فلنتذكر بديهية أن الحكم الديموقراطي لا يمكن أن يتحقق إلا عن إرادة شعب مستقل حر يتمسك بسيادة وطنه واستقلاله؛ فلا حرية لمواطن في وطن غير حر.

لهذا نعلن بوضوح نحن الموقعين على هذا البيان من توجهات سياسية متعددة أننا نقف بصلابة مع الدولة السورية وقيادتها في وجه العدوان السباعي الذي يتعرض له الوطن والدولة والشعب السوري كما أننا نقف بصلابة (وكما أعلن بعضنا قبل الأحداث بسنوات) ضد القمع البوليسي وأي سياسات اقتصادية لا تعطي الأولوية لعموم الشعب، وخصوصاً الكادحين، ونصر على العمل من أجل حرية وكرامة كافة المواطنين السوريين، ومن أجل المشاركة السياسية الواسعة لتحقيق طموحات الشعب المعيشية والقومية وعلى رأسها سيادة سوريا واستقلالها ووحدتها ووقوفها ضد الكيان الصهيوني والإمبريالية والتبعية لقوى الهيمنة الغربية. لهذا تبنى بعضنا من الوهلة الأولى مبدأ حماية استقلال سوريا ووحدتها ورفضنا لمحاولات إشعال الطائفية، وأكدنا في الوقت نفسه ضرورة الإصلاح الجذري السلمي مهما كانت الصعوبات.

إن سوريا بكل طوائفها وإثنياتها تصبو إلى العيش في سلام مبني على احترام وصيانة كل مكوناتها وتسخير كل طاقتها وعناصر إبداعاتها لخير المجتمع. إن الأولوية الآن هي دحر العدوان فليس هناك نظام حكم يتخلى عن شرعية الدولة لحساب عصابات مسلحة مدعومة أجنبياً أو يسمح بتمزيق النسيج الاجتماعي للدولة. إن الانتصار على قوى العدوان شرط أساسي ليس لخروج سوريا من محنتها وإنما لتشكيل بؤرة انطلاق جديدة وقوية للوطن العربي للتحرر من براثن التبعية واتفاقات كامب دافيد ووادي عربة وأوسلو ومن أجل تحرير فلسطين.

إن الشعب السوري يتوق لمؤازرة قوية من المثقفين العرب الرافضين للتدخل الأجنبي والتبعية تقويه معنوياً وتساعده في صموده العظيم نيابة عن الأمة العربية بأكملها.

الموقعون على البيان :

أ.سامي شرف سكرتير الرئيس جمال عبد الناصر للمعلومات ووزير شئون رئاسة جمهورية مصر العربية المتحدة - المطران عطاالله حنا رئيس اساقفة سبسطية للروم الارثوذكس القدس الشريف - أ. بسام الشكعة رئيس بلدية نابلس السابق وأحد مؤسسي الحركة الوطنية الفلسطينية - اللواء طلعت مسلم أحد أبطال حرب أكتوبرالمصريين هذه الحرب التي شارك فيها الجيشين المصري والسوري - المجلس الوطني للعرب الاميركيين - لجنة العرب الأميركيين للدفاع عن سورية في لوس انجلس ـ الولايات المتحدة - حركة الديمقراطية الشعبية المصرية أمريكا - أ.د. نصير عروري - أ.د.داوود خير الله - د. فوزي الأسمر - أ.د. حليم بركات - المحامي عابدين جبارة - أ. حياة بركات - أ. هانية عثمان - د. زياد ديب - أ. سندس سليمان - د. جيهان البيومي أستاذة طب - أ. جعفر جعفري - أ. ماهر الراعي مدير اقسام تقنية، مينيسوتا - د. شوقي قسيس - د. موسي قسيس جامعة يونجس تاون اوهايو - د. اسماعيل عبد الرحمن رئيس (سابق) الاتحاد العام لطلبة فلسطين – فرع اميركا - أ. علي أبو قلبين - أ. وليد بيور سائق - أ. دينا جاد الله أمريكا / مصر - د. نسرين الخير صوتيات - أ. يوسف أبو دية رئيس تحريرفلسطين الحرة- أ. جبر محمد يوسف نائب رئيس الاتحاد العام لطلبة فلسطين بأمريكا سابقا وعضو مجلس وطني فلسطيني سابق كندا - أ.منيرة سعيد كيتميتو - أ. وليد إميل نصار مؤلف موسيقي ومغني سياسي -أ.هاني البرغوتي هيئة تحرير موقع نبض الوعي العربي - أ. وليم بدر)

مصر : أ. عبد العظيم المغربي نائب الأمين العام لاتحاد المحامين العرب وعضو مجلس الشعب المصري الأسبق - د. رفعت سيد أحمد كاتب وباحث - أ.د. سعيد النشائي أستاذ جامعي هندسة كيمائية - أ.د.محمد عبد الشفيع عيسي معهد التخطيك القومي القاهرة - أ.د. شادية الشيشيني أستاذة جامعية - أ.د. سهير مرسي - م. صبحي عرفة القاهرة - أ.د. محمد أشرف البيومي - د. مني همام - أ.د.عمر السباخي كلية الهندسة أستاذ بجامعة الإسكندرية - أ.د. كمال نجيب كلية التربية جامعة الإسكندرية - أ.عزت هلال خبير نظم - أ.د. ياسر محمد العدل كلية التجارة جامعة المنصورة - د. منال عزت عبد المنعم هلال - أ. عاطف محمد المغاوري عضو بمجلس الشعب و قيادي بحزب التجمع - م. عبد العزيز سعد السعودي الاسكندرية - أ. محمد أحمد يوسف - أ. أحمد الدسوقي رئيس تحرير جريدة مصر - أ. عمرو صابح كاتب وباحث اجتماعي - أ. سيد شعلان - أ.د. محمد عبد الجواد شرف أستاذ جامعي - أ.د. جمال علي زهران أستاذ جامعي والمنسق العام للجمع العربي الاسلامي - القاضي ماهر اسماعيل محمد طلبة - أ.د. أحمد الأهواني جامعة القاهرة - اللواء رؤوف فهمي لواء طيار متقاعد - أ. أبو السعود إبراهيم عبد الرحيم صحفي ومدير عام مركز الأهرام للترجمة والنشر مؤسسة الأهرام - أ. عرب لطفي مخرجة وناشطة سياسية - أ. ناجي رشاد عبد السلام عرب عامل شركة مطاحن جنوب القاهرة - أ. أشرف سعد عزيز زكي محامي الجيزة - أ. سيد البدري معلم ثانوي - أ. داليا عبد الرازق فخر الدين - أ. محمود حمدي عبد الحكيم مخرج أفلام مستقلة الاسكندرية

فلسطين : د.عادل سمارة - أ.د. مسعد عربيد - أ. محمد العبد الله كاتب ومحلل سياسي دمشق - أ. احسان كامل سالم - أ.سعادة ارشيد - أ.مصطفى ملحيس - أ.خالد عبد الحق - أ.فارس انيس - أ.فضل الشرباتي - أ.سمير الجعبري - أ.طه البخاري - أ.حسن خريشة - أ. سوسن مروة - أ. جمال محمود الشهابي صحفي وناشط سياسي فلسطيني مقيم بدمشق - المحامي محمد نعامنة فلسطين المحتلة 1948 - أ.د. أسامة محمد أبو نحل أستاذ جامعي غزة - أ. سوسن البرغوتي الوطن العربي - أ. آمال سليم وهدان البيرة المحتلة - الشاعر أيمن اللبدي فلسطين المحتلة - أ. جلال عبد الله بشارات - أ. جاك يوسف خزمو ناشر ورئيس تحرير البيادر السياسي - أ. يوسف حجازي كاتب وباحث غزة - أ. فارس عبد الله - أ. محمد خضر قرش القدس - أ. آية عابدين - أ. معتصم كامل ياسين وزارة الأسري والمحررين نابلس - أ.د. عبد الستار توفيق قاسم نابلس - د. ندي جورج الحايك خزمو نائبة رئيس تحرير البيادر السياسي القدس - أ.د. اصلاح جاد رام الله - د. عبد الرحيم رسمي كتانة نابلس - د. عدنان بكرية طبيب وإعلامي حيفا - أ. زياد محمد أبو شاويش فلسطين- دمشق - أ. وليد بدر فلسطين المحتلة - أ. فيصل أبوخضراء - د. شريف أبوجابر كاتب ومؤرخ مقيم بألمانيا - أ. يوسف غنيم موظف القدس - أ. فداء غنيم منسقة أنشطة القدس - أ. ليانا قويدر رام الله - أ. نبيل عبد الله عبد الله اخصائي نفسي القدس - أ. محمد زهدي أحمد صاحب شركة نابلس - أ. عثمان علي شركس رام الله - أ. خالد عبد الحق - أ. راقية ابراهيم أبو غوش - أ. سناء محمد بدوي إعلامية - أ. سعد عامر - أ. طلال الغِوار - أ. عكنان ابراهيم الموسي اقتصادي شاعر - أ. صائب شعث كاتب وخبير في شئون الشرق الاوسط - أ. أحمد أيمن عامر طالب - أ. يزيد عامر - أ. رياض مفلح أمين أستاذ جامعي رام الله.

المملكة العربية السعودية : د. صالح ابراهيم الصويان ناشط اجتماعي الرياض - عبداللطيف حبيب العبداللطيف – الدمام - م. محمد علاء الدين علي سالم منصور.

لبنان : د.غالب أبومصلح خبير إقتصادي - د. زهير الخطيب أمين عام جبهة البناء اللبناني - أ. فارس أبي صعب باحث - أ.هاني مندس - أ. فيصل جلول كاتب لبناني مقيم بباريس - أ. صالح عرقجي كابتن طيار متقاعد - أ.ميخائيل عوض كاتب وإعلامي- د. يحي غدار جراح - العميد أمين محمد حطيط - ا. بشار القوتلي - أ.سليم نقولا محسن حركة القوميين العرب - أ. محمد صالح حشيشو مناضل سياسي.

الأردن : أ. سميح جريس أمين عام مساعد اتحاد المحامين العرب - م. علي حتر مهندس معماري - أ. حسين محمد مجلي الرواشدة نقيب محانين ونائب وزير عدل سابق - أ. جواد محمود يونس محامي - أ. فراس محادين مخرج سينمائي - د. غالب عبد المعطي الفريجات خبير تربوي - أ. لؤي وليد الزغل - أ. نهلة أحمد آسيا - أ. نائل ذعار الزبيدي موظف - أ. ماجد محمد مسلم - أ. محمود الهمشري - أ. محمد نعيم الرواشدة - أ. مناف رفيق مجذوب - أ. إنصاف حسن قلعجي - أ. اسماعيل محمد خليل قطيط - أ. تمارا رائف النابلسي - أ. جمعة فرج السرحان - أ. حنان توفيق مضاعين - أ. حسين مطاوع محمد كريم - أ. خالد ناجي عودة حدادين - أ. عمر جودت عبد الهادي - أ. محمد شريف الجيوسي كاتب ومحلل سياسي - أ. محمود ياسين الحارس - أ. فايز شخاتره - أ. عاطف رضا زياد الكيلاني اعلامي وناشط سياسي - أ. فهد الريماوي رئيس تحرير أسيوعية المجد - أ. كوثر مصباح عرار إعلامية - أ. محمد طه سليط فني ميكانيكي - أ. عمران محمد الخطيب ناشط سياسي - أ. جميل معزي هلسة دبلوماسي فلسطيني - أ. جمال محمود الشهابي صحفي ناشط سياسي دمشق - أ. جمال محمد العلوي - أ. جعفر عبد المحسن النصر ناشط اجنماعي - أ. توفيق لويس شومر أستاذ جامعي - أ. وصفي محمد عبده مستشار إداري ومالي - أ. إبراهيم يونس البطوش كاتب وناشط سياسي.

تونس : د.محمد صالح الهرماسي عضو قيادة قومية لحزب البعث مقيم بسوريا - أ.عز الدين بن حسين القوطالي محام وناطق رسمي باسم البعث في تونس - أ. نعيم بن روما - أ. سعيد بن روما - أ. الناصر بن صالح خشيني - أ. آسيا السخيري.

الجزائر: أ. علي عمار الأعور محامي ونقيب سابق للمحامين الجزائريين - أ. منتصر أوبترون كاتب صحفي - أ. خالدة بوربجي صحفية.

العراق : أ.د. علي حسين الساعدي أستاذ اقتصاد - د. عبد الكريم هاني وزير سابق - أ. نادية العبيدي رئيس تحرير وكالة أنباء التحرير (واتا) بغدا - م. سعد الله عبد الله الفتحي - أ. سعد الغزاوي صحفي - أ. عبد الرضا الحميد رئيس تحرير الصحيفة العربية - أ. طلال العوار كاتب وشاعر.

اليمن : أ. عادل أحمد العودي صحفي مقيم بدمشق - أ. عبد الباسط الحبيشي كاتب سياسي - أ. سيف الوشلي أمين عام الحزب الديمقراطي اليمني ألمانيا.

الكويت : أ. محمود جبر - أ. سلوي العلي ربة منزل.

إيران : وسيم يوسف داوود طالب دكتوراه هندسة مدنية طهران

فنزويلا : أ. زيد فرحان رضوان تاجر

دول أوروبية : أ. سعيد أحمد عساف المملكة المتحدة - د. يحي الشاعر ألمانيا - أ.نبيل فؤاد ملازي مهندس بولنده.

استراليا : أ. كامل كيلاني كهيمياء صناعية سدني

أ.جيلالي ميد دروبة - م. فراس خليفة - أ. جعفر عبد المحسن النصر - أ. خلود سعيد بازنا بنوك - أ. محمود عبد العزيز محمد الأنصاري عامل - أ. جخاد محمد علي - د.نبراس الدين فارس عثمان طبيب - د. وصفي محمد عبده.


ملحق الأدب :

إذا الشعب يوماً أراد الحياة

للشاعر الكبير / أبو القاسم الشابى

إذا الشـــعبُ يومًــا أراد الحيــاة فــلا بــدّ أن يســتجيب القــدرْ

ولا بــــدَّ لليـــل أن ينجـــلي ولا بــــدّ للقيـــد أن ينكســـرْ

ومــن لــم يعانقْـه شـوْقُ الحيـاة تبخَّـــرَ فــي جوِّهــا واندثــرْ

فــويل لمــن لــم تَشُــقهُ الحيـاة مــن صفْعــة العــدَم المنتصـرْ

كـــذلك قــالت لــيَ الكائنــاتُ وحـــدثني روحُهـــا المســـتترْ

 

ودمــدمتِ الــرِّيحُ بيــن الفِجـاج وفــوق الجبــال وتحـت الشـجرْ:

إذا مـــا طمحــتُ إلــى غايــةٍ ركــبتُ المُنــى, ونسِـيت الحـذرْ

ولــم أتجــنَّب وعــورَ الشِّـعاب ولا كُبَّـــةَ اللّهَـــب المســـتعرْ

ومــن لا يحــبُّ صعـودَ الجبـال يعش أبَــدَ الدهــر بيــن الحــفرْ

فعجَّــتْ بقلبــي دمــاءُ الشـباب وضجَّــت بصـدري ريـاحٌ أخَـرْ...

وأطـرقتُ, أصغـي لقصـف الرعـود ِوعــزفِ الريــاحِ, ووقـعِ المطـرْ

وقـالت لـي الأرضُ - لمـا سـألت: أيــا أمُّ هــل تكــرهين البشــرْ?

أُبــارك فـي النـاس أهـلَ الطمـوح ومــن يســتلذُّ ركــوبَ الخــطرْ

وألْعــنُ مــن لا يماشــي الزمـانَ ويقنـــع بــالعيْشِ عيشِ الحجَــرْ

هــو الكــونُ حـيٌّ, يحـبُّ الحيـاة ويحــتقر المَيْــتَ, مهمــا كــبُرْ

فـلا الأفْـق يحـضن ميْـتَ الطيـورِو لا النحــلُ يلثــم ميْــتَ الزهـرْ

ولــولا أمُومــةُ قلبِــي الــرّؤوم لَمَــا ضمّــتِ الميْـتَ تلـك الحُـفَرْ

فــويلٌ لمــن لــم تشُــقه الحيـاة, مِــن لعنــة العــدم المنتصِـرْ!

 

وفــي ليلــة مـن ليـالي الخـريف مثقَّلـــةٍ بالأســـى, والضجـــرْ

ســكرتُ بهـا مـن ضيـاء النجـوم وغنَّيْــتُ للحُــزْن حــتى ســكرْ

سـألتُ الدُّجـى: هـل تُعيـد الحيـاةُ,لمـــا أذبلتــه, ربيــعَ العمــرْ?

فلـــم تتكـــلّم شــفاه الظــلام ولــم تــترنَّمْ عــذارى السَّــحَرْ

وقــال لــيَ الغــابُ فــي رقَّـةٍم ُحَبَّبَـــةٍ مثــل خــفْق الوتــرْ

: يجــئ الشــتاءُ, شــتاء الضبـاب شــتاء الثلــوج, شــتاء المطــرْ

 

فينطفــئُ السِّـحرُ, سـحرُ الغصـونِ وســحرُ الزهــورِ, وسـحرُ الثمـرْ

وســحرُ السـماءِ, الشـجيُّ, الـوديعُ وســحرُ المـروجِ, الشـهيُّ, العطِـرْ

وتهـــوِي الغصــونُ, وأوراقُهـ ـا وأزهــارُ عهــدٍ حــبيبٍ نضِــرْ

وتلهــو بهـا الـريحُ فـي كـل وادٍ, ويدفنُهَــا الســيلُ, أنَّــى عــبرْ

ويفنــى الجــميعُ كحُــلْمٍ بــديعٍ, تـــألّق فـــي مهجــةٍ واندثــرْ

 

 

وتبقــى البــذورُ, التــي حُـمِّلَتْ ذخــيرةَ عُمْــرٍ جــميلٍ, غَــبَرْ

وذكــرى فصــولٍ, ورؤيـا حيـاةٍ, وأشــباحَ دنيــا, تلاشــتْ زُمَـرْ

معانقــةً - وهـي تحـت الضبـابِ, وتحــت الثلـوجِ, وتحـت المَـدَرْ -

لِطَيْــفِ الحيــاةِ الــذي لا يُمَــلُّ وقلــبِ الــربيعِ الشــذيِّ الخـضِرْ

وحالمـــةً بأغـــاني الطيـــورِ وعِطْــرِ الزهــورِ, وطَعـمِ الثمـرْ

 

ويمشـي الزمـانُ, فتنمـو صـروفٌ, وتــذوِي صــروفٌ, وتحيـا أُخَـرْ

وتُصبِـــحُ أحلامُهـــا يقظَـــةً,مُ وَشَّـــحةً بغمـــوضِ السَّــحَرْ

تُســائل: أيــن ضبـابُ الصبـاحِ, وسِــحْرُ المسـاء? وضـوء القمـرْ?

وأســرابُ ذاك الفَــراشِ الأنيــق? ونحــلٌ يغنِّــي, وغيــمٌ يمــرْ?

وأيـــن الأشـــعَّةُ والكائنــاتُ? وأيــن الحيــاةُ التــي أنتظــرْ?

ظمِئـتُ إلـى النـور, فـوق الغصونِ !ظمِئـتُ إلـى الظـلِ تحـت الشـجرْ!

ظمِئـتُ إلـى النَّبْـعِ, بيـن المـروجِ, يغنِّــي, ويــرقص فـوقَ الزّهَـرْ!

ظمِئــتُ إلــى نَغَمــاتِ الطيـورِ,وهَمْسِ النّســيمِ, ولحــنِ المطــرْ

ظمِئـتُ إلـى الكـونِ! أيـن الوجـودُ وأنَّـــى أرى العــالَمَ المنتظــرْ?

هـو الكـونُ, خـلف سُـباتِ الجـمودِ وفـــي أُفــقِ اليقظــاتِ الكُــبَرْ

 

 

ومـــا هــو إلا كخــفقِ الجنــاحِ حــتى نمــا شــوقُها وانتصـرْ

فصَـــدّعت الأرضَ مــن فوقهــا وأبْصــرتِ الكـونَ عـذبَ الصُّـوَرْ

وجـــاء الـــربيعُ, بأنغامِـــه, وأحلامِـــه, وصِبـــاه العطِــرْ

وقبَّلهـــا قُبَـــلاً فــي الشــفاهِ تعيــدُ الشــبابَ الــذي قـد غَـبَرْ

وقــال لهــا: قـد مُنِحْـتِ الحيـاةَ وخُــلِّدْتِ فــي نســلكِ المُدّخَــرْ

وبـــاركَكِ النُّـــورُ, فاســتقبلي شــبابَ الحيــاةِ وخِــصْبَ العُمـرْ

ومَــن تعبــدُ النــورَ أحلامُــه,يُبَارِكُـــهُ النّــورُ أنّــى ظهــرْ

إليــكِ الفضــاءَ, إليــكِ الضيـاءَإليــك الــثرى, الحـالمَ, المزدهـرْ!

إليــكِ الجمــالَ الــذي لا يَبيــدُ!إليــكِ الوجـودَ, الرحـيبَ, النضِـرْ!

فميـدي - كمـا شئتِ - فوق الحقولِ, بحــلوِ الثمــارِ وغــضِّ الزّهَــرْ

ونــاجي النســيمَ, ونـاجي الغيـومَ, ونــاجي النجــومَ, ونـاجي القمـرْ

ونـــاجي الحيـــاةَ وأشــواقَها, وفتنــةَ هــذا الوجــود الأغــرْ

 

 

وشـفَّ الدجـى عـن جمـالٍ عميـقٍ,يشُــبُّ الخيــالَ, ويُــذكي الفِكَـرْ

ومُــدّ عـلى الكـون سِـحرٌ غـريبٌ يُصَرّفــــه ســـاحرٌ مقتـــدرْ

وضـاءت شـموعُ النجـومِ الوِضـاءِ, وضــاع البَخُــورُ, بخـورُ الزّهَـرْ

ورفــرف روحٌ, غــريبُ الجمـال بأجنحــةٍ مــن ضيــاء القمــرْ

ورنَّ نشـــيدُ الحيـــاةِ المقـــدّسُ فــي هيكـلٍ, حـالمٍ, قـد سُـحِرْ

وأعْلِــنَ فــي الكـون: أنّ الطمـوحَ لهيـــبُ الحيــاةِ, ورُوحُ الظفَــرْ

إذا طمحـــتْ للحيـــاةِ النفــوسُ فــلا بــدّ أنْ يســتجيبَ القــدر

 


الفهرس

الموضـــوع

الصفحة

هذا العدد :

نصرة النبى .. بإعلاء راية المقاومة فى فلسطين !!

1

ملف العدد :

العداء الغربى للإسلام .. الحقائق وسبل المواجهة

2

في جذوز الغضب والكراهية

بقلم / فهمي هويدي

3

تلك المؤامرة الغربية على الإسلام

بقلم: الأستاذ أحمد عز الدين

6

الإسلاموفوبيا والصورة النمطية عن الإسلام (الواقع وسبل المواجهة)

بقلم / د . رفعت سيد أحمد

20

العداء الغربى للإسلام [الأسباب – المظاهر – الأبعاد – سبل المواجهة]

بقلم الشيخ / جواد رياض

33

الإسلام والغرب .. تعاون أم مواجهة ؟

د. محمد مورو

55

استطلاع رأى لـ 22 من رموز الفكر والدين حول: كيفية مواجهة العداء الغربي للإسلام وأسبابه

إعداد/منال مبارك

66

آراء حرة :لماذا نرفض قرض الصندوق؟

بقلم / محمد سيف الدولة

81

ناجى علوش .. ضمير فلسطين الذى رحل

بقلم د. رفعت سيد أحمد

85

قصة استشهاد السيد هادى حسن نصر الله فى 13/9/1997

89

بيان رموز الفكر والسياسة العرب فى بيان سياسى شامل عن الأزمة السورية

95

ملحق الأدب : إذا الشعب يوماً أراد الحياة

قصيدة للشاعر الكبير / أبو القاسم الشابى

101

 



* الكاتب والمفكر الإسلامى المعروف

* الكاتب والمفكر القومى المعروف

* الباحث والخبير فى دراسة الحركات الإسلامية – المدير العام لمركز يافا للدراسات والأبحاث – القاهرة – رئيس تحرير مجلة المقاومة

[1])) محمد باقر الصدر ، فلسفتنا – دار التعاون للمطبوعات ، بيروت ، 1982 ، ط12

([2]) د. محمد عمارة ، الغزو الفكرى ، وهم أم حقيقة ، الأزهر الشريف – القاهرة ، 1988

[3] د. إدوارد سعيد ، تغطية الإسلام ، مصدر سابق ، ص11 – 15 ، وكذلك كتابه الهام : الاستشراق ، بيروت ، مؤسسة الأبحاث العربية ، ط1 ، 1983 .

([4]) الحديث أخرجه أحمد عن أنس

([5]) لسان العرب : مادة وسط .

([6]) الكشاف : الجزء الأول ، تفسير سورة البقرة ، الآية 143

* من علماء الأزهر الشريف

[7] المسجد فى الإسلام : عبادة وثقافة ، محمد رجب البيومى ، الجزء الثانى ، ص 96-98

[8] المرجع السابق : ص101-104

[9] سورة آل عمران ، الآية 67

[10] المرجع السابق : ص98-101

[11] مساجد مصر ، الجزء الأول ، ص64

[12] رد المحتار على الدر المختار ، ابن عابدين ، الجزء الأول ، ص418

[13] خطط المقريزى ، الجزء الرابع ، ص27

[14] خلاصة الوفا للسمهودى -  ص 191 ، موسوعة الفتاوى الإسلامية [ دار الإفتاء ولجنة الفتوى بالأزهر ]

[15] الحديث أخرجه أحمد عن عبد الله بن عباس

[16] الحديث أخرجه أحمد عن أنس

[17] لسان العرب : مادة وسط .

[18] الكشاف : الجزء الأول ، تفسير سورة البقرة ، الآية 143

[19] الوسطية فى بعض الأحكام الشرعية : جواد رياض ، بحث نشر فى مجلة تراثيات، مركز يافا ،[العدد 3 يونيو 2000] ص 30 ، 31

[20] وكذلك  جعلناكم أمة وسطا : سيد زهير ، بحث نشر فى مجلة تراثيات ، مركز يافا  ، [ العدد 3 يونيو 2000 ] ، ص 50

[21] ارجع إلى  : الفتاوى الإسلامية ، دار الإفتاء المصرية ، طبع المجلس الأعلى للشئون الإسلامية .

[22] تفسير القرطبى ، جـ 12 ، ص 37 .

* مفكر إسلامى ورئيس تحرير مجلة المختار الإسلامى - مصر

( [23] ) مروان بحيري – الدراسات الاستعمارية في الإحياء الإسلامي في القرن 19 .

( [24] ) نقلا عن عبد الوراث سعيد " أمتنا والنظام العالمي الجديد " .

( [25] ) د . مصطفى الخالدي .. د . عمر فروخ – التبشير والاستعمار .

( [26] ) جلال العالم – قادة الغرب يقولون – المختار الإسلامي .

( [27] ) محمد محمد الدهان – قوى الشر المتحالفة – دار الوفاء .

( [28] ) د . عمر فروخ – مرجع سابق .

( [29] ) جلال العالم مصدر سابق .

( [30] ) ريتشارد هرير دكمجيان – الأصولية في العالم العربي – ترجمة عبد الوارث سعيد – دار الوفاء .

( [31] ) باول شمنز – نقلا عن عبد الوارث سعيد – أمتنا والنظام العالمي الجديد .


ملفات مصورة
استطلاع رأى
هل توافق علي خارطة الطريق التي وضعها الجيش




  
أراء حرة
وجوه من المقاومة
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص: "لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ، لَعَدُوِّهِمْ قَاهِرِينَ، لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ إِلاَّ مَا أَصَابَهُمْ مِنْ لَأْوَاءَ، حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَيْنَ هُمْ؟ قَال: "بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ وَأَكْنَافِ بَيْتِ الْمَقْدِس"

"الشهيد فتحي الشقاقي"
"الشهيد أبو علي مصطفى"
إسرائيل من الداخل