آراء حرة

إصدار جديد .. رؤى فى الوطن والوطنية

بقلم: الأستاذ سيد أمين - 02 اكتوبر, 2012



 

 

رؤى

فى

الوطن والوطنية

 

 

الناشر : مركز يافا للدراسات والأبحاث


 
 

رؤى :

في الوطن والوطنية

 

 

 

 

 

 

 

 

 


حقوق النشر محفوظة   

 

اسم الكتاب : رؤى : فى الوطن والوطنية

إعداد وتأليف :  سيد أمين

الطبعة : الأولى

سنة النشر : 2011 م 1433هـ

مراجعة لغوية : محمود سامى

الناشر:  مركز يافا للدراسات والابحاث ـ القاهرة

ص ب 806 - المعادى القاهرة ت / فاكس 23806596 – ت/23782403

الموقع على شبكة الانترنت الدولية : www.yafacenter.com

E – mail : yafafr @ hotmail .com


بسم الله الرحمن الرحيم

الإهداء

إلى نفسى  جبراً لخاطرها

إلى أمى الكبرى مصر وإلى عروبتى .

إلى كل من وقف معى لإعداد هذا الكتاب

لا سيما الدكتور رفعت سيد أحمد صاحب الرؤئ النافذة

إلى أمى وأبى

أهدى هذا الكتاب


هذا الكتاب

 

"روئ.. في الوطن والوطنية", كتاب يحمل عدة مقالات نشرت في الصحف والمواقع الاليكترونية المصرية والعربية, ولأن تلك المقالات كانت – ولا زالت – تحمل أطروحات ذات قيمة بالغة سواء فى الدلالات والنتائج , رأينا جمعها وإعادة نشرها لاسيما أن التاريخ لا يمكن التعرف عليه سوى بالنبش فى الماضى على اعتبار ان قراءة التاريخ هى دراسة مكثفة فى المستقبل. ولأن تلك الرؤى أو الأطروحات كانت تحمل فى طياتها آنذاك طرحاً موضوعياً , وفى أحيان قليلة للغاية طرحاً منحازاً – نظرا لكوننا بشر نحب ونكره ونؤثر ونتأثر – ارتأينا اعادة انتشالها من دائرة النسيان بهدف ترميم الذاكرة , وبالتالى طرحها مجدداً على مائدة الحوار مع التنبيه الى أن كل رؤية أو بالأحرى مقال لا يجب أن نقرأه بمعزل عن الظروف السياسية والاقتصادية والفكرية السائدة وقت كتابتها , وذلك لأن تجريدها من تلك الحالة المحيطة قد ينتقص من قيمتها بشكل كبير.

ومن ضمن الأشياء التى يجب علينا أن نُذكِّر بها , أنه فى زمن الثورات فلا تعد بطولة أو تفردا أن تقول "يسقط الطاغية" ولكن فى زمن الخنوع قد تعني الإشارة بأى قول يفهم منه الإيحاء بطغيان الطاغية عملا فى غاية الجرأة والشجاعة.

ورغم أن وسائل التفكير واحدة تقريبا بين الناس , إلا أن ثمة اختلافاً كبيراً فى معايير التفكير الحاكمة ومنتجاتها الأمر الذى أوجد تمايزا بين البشر بعضهم البعض , وساهم فى اختلاف ترتيب الأولويات بين شخص وآخر ما أوجد بدوره تنوعا فكريا نجمت عنه الأيديولوجيات الفكرية المسيطرة فى عالم اليوم. ولأن الشجرة المزهرة على سبيل المثال يراها الناس بصور شتى ومنطلقات متعددة , فمنهم من يهتم بها جماليا وآخر بوصفها كائناً حياً وثالث يعتبرها مصدراً للطاقة ونتاجاً لعمليات حيوية معقدة , فإن الكاتب  هنا يزعم انه لم ينظر قط إلى ظاهر الأشياء ولكن تعمد الغوص فى مسبباتها ومسببات مسبباتها , وعلى كل حال تلك الرؤى لا تحمل إلا وجهة نظره ولا تعبر الا عنه فى وقت معين للأحداث التى حاقت بالمجتمع من حوله , وهو نفسه يبدى استعداده للتخلى عن اى طرح طرحه متى ظهر جليا خطؤه وتكشفت وسائل تشويش عاقت عملية إبصاره بشكل سليم.

هذا الكتاب , يتضمن أربعة فصول كل فصل يتضمن عدة مقالات تحمل فى اتساقها رؤية واحدة عن أحداث متشابهة .

يتضمن الفصل الأول " الثورة .. إرهاصات ونتائج "رؤية شاملة للأحداث التى مرت بها مصر منذ عام 2002 وحتى قبل شهر من طباعة هذا الكتاب , وهى رؤية تتضمن توقعات وأحياناً مطالبات ملحة بالانقلاب على الوضع المقلوب أساساً بغية إصلاحه , وتطيح بنظام مبارك بالغ الاستبداد والتعفن , كما ترصد الرؤية سلبيات ومخازى – إن جاز التعبير- التى ارتكبها هذا النظام فى حق الشعب المصرى وأمته العربية , مع التركيز على أخطار مفاسده المتمثلة فى العبث بمقومات الشخصية المصرية مروراً باللعب على حبائل إثارة الفتنة الطائفية واختلاق الأزمات الاقتصادية , ومحاولة وضع العثرات امام كل نشاط يسعى لأن يضخ الدماء فى الجسد الذى أُريد له الموت.

وفى الفصل الثانى "ثورات أم مؤامرات" يرصد الكاتب تطلعات الشعوب العربية للتحرر من الهيمنة الأمريكية والغربية والاستبداد المحلى , ولكن فوجئ فيما بعد بأن الثورات المنشودة لم تسع للتحرر ولكن أصَّلت له , وراحت تدعوه لاجتياح ما تبقى من بلدان محررة وليس تحرير البلدان المستعمرة , الأمر الذى ألقى بظلال من الشك حول حقيقة تلك الثورات وهل هى فعلا ثورات شعبية أم إنها مجرد ثورات مفتعلة تغذيها آله إعلامية عملاقة , خاصة أن أمراء النظم التى أخضعت بلدانها للاحتلال الغربى راحت تلبس ثوب الثورة وتدعو إلى الإجهاز على البلدان الحرة المتبقية فى عالمنا العربى دون أن توجه سهماً واحداً ضد أمريكا وإسرائيل , لذلك رأى الكاتب هنا أن يوضح الفرق بين الغث والثمين حتى لا نبكى على اللبن المسكوب كعادتنا.

اما الفصل الثالث فيتضمن عرضا للحالة الثقافية "المنحطة" فى مصر والعالم العربى والتى تمثلت فى إعلاء فن هابط  يهبط بأذواق الناس ولا يسموا بها , وتعليم يدعو لخلع ردائى العروبة والإسلام والهرولة خلف ثقافة لا يمكن ان تنفعنا , فضلاً عن فساد نخبة تم اختيارها بشكل أمنى لا فكرى كما ينبغى وراحوا يدفعون بها إلى قمة المشهد الثقافى فى حين تم التنكيل بالأوفياء والوطنيين وتحقيرهم والحط من شأنهم وأحياناً ترويعهم ورميهم بالعمالة للخارج وفى أحسن الظروف التضييق عليهم فى قوتهم ومصادر رزقهم على أمل شيطانى أن يموتوا كمداً وغيظاً فى بيوتهم وعلى أسرة المرض.

وفى الفصل الرابع والأخير يعرض لهموم الوطن العربى وأهم الأمراض الكبرى التى يعانيها فضلا عن سرد لمتفرقات تخدم تشخيص الحالة فى مصر .

نقدم هذا الكتاب ’ آملين أن يضيف جديداً إلى ما ثبت فى قلوب وعقول القراء الكرام , وإنْ حدث ذلك سيكون الكاتب قد نجح فى خدمة بلده ووجد من يثبت صحة رؤاه .. والله الموفق.

المؤلف

 


الفصل الأول

الثورة .. إرهاصات ونتائج

 

الوفد 30 مايو 2003

المصريون بين العبث والواقع

عقب الانتكاسات الكبرى يشيع الإحباط بين الناس وتنتشر ثقافة اليأس والعبث والهزل .. ويكثر الأشباه .. ويشح الرجال، وإذا كان عبد الرحمن الكواكبي - رحمه الله – جأر قديمًا شاكيًا مرارة العبث حين قال (ما بال الزمان يضن علينا بأناس ينبهون الناس ويرفعون الالتباس ويفكرون بحزم ويعملون بعزم ولا ينفكون حتي ينالوا ما يقصدون).

فإن حالة العبث تلك هي نتاج – أكرر نتاج – لا وعي قومي رافض للواقع بكل عوراته .. ولا شك أن الزمان قيم بشخوصه .. فإذا انحط الشخوص وذهبت شمائلهم انحطت الأفكار وصارت هزيلة.

ولو أردنا كشف عبثية زماننا فإن الغناء هو أرشيف تأريخي جيد للعصر – علي سبيل المثال – ومنه نستطيع فهم فلسفة المرحلة التي يعيشها الناس .. وإذا كان أفلاطون الفيلسوف تنبه منذ عشرات القرون إلي ذلك حينما قال: (إن الأغاني بمعانيها وألفاظها دليل علي تغيير جوهري في كيان وأحوال الدولة) .. فإنه قصد ما قاله أحد الكتاب السياسيين الانجليز (كما نقرأ تاريخ المجتمع الإنساني في السياسة والأدب والاقتصاد .. فإننا نستطيع أن نقرأه أيضًا في الموسيقي والغناء).

والمعنى أننا من خلال متابعة بسيطة لكلمات مطربي هذه الأيام نصل إلي يقين جازم بأننا نعيش حالة الانحدار أو الاندحار .. حيث صخب الموسيقي وخيال مريض مشبوب باللابراءة والجنس والعنف أو اللامعني .. ومستمعون يتراقصون انتشاء باللاوعي واللاعاطفة.

حقيقة فإن العبثية تلك امتدت إلي كل مناحي حياتنا حتى تلك السياسية .. فما معني أن تهتم الدولة اهتمامًا ملحوظًا بالرياضة وإقامة المهرجانات الفنية والاهتمام المبالغ فيه بقضايا المرأة التي لا نمانع من الاهتمام بها لكي تنال كل حقوقها شريطة أن يكون الاهتمام بها متوازيًا مع كل القضايا خاصة تلك الملحة التي يعايشها الناس وعلى رأسها الاهتمام بلقمة العيش التي صارت مجهدة جدًا لدى قطاع كاسح من الشعب .. وصارت البلاد في حاجة ماسة وليس هذا نزقًا مارقًا إلي برنامج قومي عاجل لمكافحة الجوع وسوء التغذية .. وذلك لأن الإنسان الجائع لا يهمه سوى أن يأكل أولاً وبعد ذلك تأتي منظومة الحاجيات والإشكاليات الأخرى.

وحينما نتحدث عن برنامج قومي لمكافحة الجوع ليس ذلك رؤية للحياة من خلف النظارة السوداء .. فالواقع أن من لا يستطيع تأمين طعام المحتملين للانضمام إلى طابور الجائعين فيه .. رغم أن الكثيرين غير قادرين علي تأمين طعامهم .. فما رأيكم في الدعوة إلى هذا البرنامج؟

وبرنامج مكافحة الجوع هو برنامج قديم جدًا وحظي باهتمام كل الثورات الشعبية في العالم بل إنه من أهم أسبابها .. ويعتبر من قبيل الوطنية والعدالة أن نتساءل : كيف يتسنى لمواطن جائع أن ينتج؟ .. وكيف نطلب منه أن يبدع وهو مشغول أساسًا بالبحث عن لقمة العيش؟ وكيف نحاسب شعوبنا علي عدم تقدمها الحضاري وهي مازالت تعاني – في الألفية الثالثة – من عدم إعدادنا لها أي أساس للحياة الكريمة!!

بل إننا نبرع في قتل طاقاتها عبر صور الفساد التي تقفز علينا من كل حدب وصوب فتقتل فيها أي معني من معاني الوطنية والانتماء والولاء لوطن برع في التفريق بين أبنائه.

إن موقف العبث هو موقف واع أحيانًا رافض لكل صور الظلم .. هو إنكار لمجتمع لا يحترم أفراده .. تخصص في صناعة الفجوات الكبيرة بين الواقع المأمول.

قديمًا قال المفكر الروسي تروتسكي قبيل الثورة البلشفية: "إن التفكير – كالتبول تمامًا – هو أحد الإفرازات غير الضرورية للإنسان".

ومعني ذلك أن الهزلية هي رد فعل مضاد للتفكير الذي أثبت فشلاً ذريعًا في الرقي بالإنسان في الدول النامية بسبب سوء التنفيذ وعقبات البروقراطية.

وخلاصة القول أن الهزل والعبث الذي نراه أينما أطرنا آذاننا وأبصارنا – رغم قباحته – هو دليل علي انحدار ثقافاتنا التي هي مرآة للوضع السياسي والاقتصادى والاجتماعي المتردي من جانب .. ودليل أيضًا علي رفضنا لواقعنا من جانب آخر.

ليبرالية "الوفد"

كما عهدناها .. لقد عبرت جريدة "الوفد" بحق خلال الهجمة الامبريالية الوحشية علي العراق وما تلاها من أحداث عن ضمير القومية العربية حيث فتحت صدرها لتحتضن كافة الآراء والأصوات لتكون منبرًا حرًا وطنيًا محايدًا معبراً عن آمال الأمة وأمانيها دون مزايدة أو خنق للأصوات والحقائق .. ورغم اختلافي الأيديولوجي مع توجهات "الوفد" إلا أنني وجدت نفسي كقارئ من قراء "الوفد" أنه لابد أن أحمل لها شكر جميع الوطنيين.

***

الوفد 18 أغسطس 2003

السعادة .. والانتماء

من يرى منكم إنسانًا سعيدًا في هذا الوطن فليبلغ عنه فورًا .. والعلة في ذلك أن سعيد أيامنا هذه واحد من اثنين: إما أن يكون مخربًا سره ما وصل إليه حال البلاد والعباد من سوء .. وإما أن يكون مجنونًا يمثل وجوده حرًا طليقًا خطرًا على أمن المجتمع.

ولم يعد خافيًا علي أحد اننا نعيش نحن المصريين في هذه الأيام أسوأ أيامنا .. التي هي حصاد سنوات عجاف طويلة من التدمير المركز لقلب الوطن الذي فقد عافيته تمامًا.

وما عاد سرًا أيضًا أن الاحباط صار القاسم المشترك لجميع الجماهير .. فما إن تنظر إلي أي إنسان إلا وتقرأ من عبوس وجهه معاناته أما إذا تحدثت إليه أو حدثك هو بسريرته فستسمع ما يعصر القلب حزنًا.

الجميع يعاني .. يئن .. يصرخ .. ولكن لم يعد هناك متسع من الوقت لسماع صرخات بعضنا فما بداخل الواحدة منا يكفيه.

ما كنا نراه بالأمس شيئاً يحتاج الشفقة أصبح الآن مألوفًا .. فقد اعتادت آذاننا علي سماع كلمات الاستجداء فلم تعد نثق فيها وبالضرورة لم نعد نحس بها.

ولذلك كان من الطبيعي اختفاء البسمة من على الشفاه .. وكان طبيعيًا أيضًا أن نشك في وطنية السعداء فينا .. وأن لم نشك في وطنيتهم نشك إذن في قدراتهم العقلية وذلك لأن البؤس صار طابعًا قوميًا عنا.

وليس من قبيل العبث الدعوة إلي برنامج قومي لمكافحة الجوع فما نراه اليوم شيئًا مثيرًا للخجل ربما نتكلم عنه غدًا دون جدوى أيضًا.

وتذكرت ما حدثني عنه صديقي التونسي حينما سألته بشيء من الفضول عن أحوال الناس هناك .. فتحسرت على وطني .. أخبرني بأن التونسيين يعشقون بلادهم وذلك لأن حكوماتهم تهتم بالعنصر الإنساني.

ورغم أن تونس بلد فقير إلا أن الحكومة توفر أعمالاً لكل الراغبين في العمل، وأنها لا تفرض الرسوم والضرائب علي الشباب الراغب في العمل خارج الوطن .. بل إنها تجيز له بعد العودة إحضار أية مقتنيات معه دون دفع رسوم الجمارك.

كما أن دعم الغذاء يبدو شيئًا واضحًا ولنا أن نتخيل أن أجر الموظف في اليوم الواحد خمسة ينارات .. بينما سعر الدجاجة علي سبيل التوضيح تساوي 30 فلسًا وقس علي ذلك، بالإضافة إلي أن الحكومة تبنت مشروعًا قوميًا يحمل ذات الاسم المقترح "المشروع القومي لمكافحة الجوع" حيث يوفر الطعام المجاني لفقراء تونس عبر ضوابط صارمة ودون تحويله لعمل دعائي.

وتذكرت ما رواه زميل لي زار طهران وأخبرني في جملة موجزة قال فيها إن الحكومة الإيرانية تحترم مواطنيها .. ويكفي المواطن الإيرانى أن تلتزم حكومته بتوفير غذاء شبه مجاني له يكفيه أكثر من نصف الشهر وأن من شروط العمل هناك في أي قطاع كان خاصًا أم عامًا  أن يوفر صاحب العمل لأفراده وجبة مجانية .. وأن التليفونات في الشوارع مجرد خدمة عامة مجانية.

وأنا وإن كنت لست علي يقين مما رواه لي الصديقان إلا أنني لا استبعد حدوث ذلك.

والحقيقة أننا لا نطلب من حكوماتنا سوى أن تضع الفقراء في حسبانها وهي تخطط لأى قرار خاصة إذا كان الفقراء في مصر حسب التقارير الدولية يزيدون علي 56% من الشعب المصري .. هم الذين لا يزيد دخل الفرد الواحد منهم علي ربع دولار في اليوم حسب أفضل الأحوال .. أي ما يعادل جنيهًا ونصف الجنيه أو يزيد وهي حسب التقارير الدولية أيضًا غير كافية لتوفير مياه شرب نقية له.

وبعيدًا عن الأرقام التي ما عادت مجدية فإن الكثيرين يشعرون أن الوضع أكثر سوءًا من الأرقام والصورة صارت ملطخة بالسواد في المشهد التراجيدي.

علق السفير صلاح الدين إبراهيم في مقال جاء تحت عنوان "كيف نكون سعداء" نشرته الوفد في 12 يوليو علي مقال كانت قد نشرته الوفد لي فى أعداد سابقة بعنوان: "بحثًا عن السعادة والحقيقة" وبعيدًا عما راح السفير صلاح الدين إبراهيم يعزي إليه أسباب التعاسة التي يشعر بها المصريون فإن فى الواقع أن السعادة يربطها خيط رفيع بالصحة النفسية وتربطها علاقة طردية مع الانتماء.

والانتماء الذي أقصده ليس ذلك الانتماء للوطن كما يشب في الخيال للوهلة الأولى فحسب بل الانتماء في شكله المطلق .. بدءًا من انتماء الفرد لذاته حتي انتمائه لوطنه فالإنسان بطبيعته باحث عن السعادة .. والسعادة تتأتي من أن يحقق ذاته وتحقيق الذات يبدأ من الولاء لها أولاً وهنا وفي هذه الزاوية بالذات يختلف الناس فمنهم من يري أن تحقيق الذات يبدأ عبر هدم ذوات الآخرين وهذا هو الإنسان الظلامي الأناني غير المبالي بالمجتمع ومنهم من يري أن تحقيق الذات يبدأ بعلاقة تكامل مع ذوات الآخرين وهذا هو الإنسان الخير الهادف لبناء المجتمع.

والمجتمع الآن يعاني سيادة الطراز الأول من الناس، وهو الأمر الذي قاد المجتمع نحو الشعور بالتعاسة والمشكلة الحقيقية هي أن المجتمع بدا كداعم لتفشي هذه الثقافة مما أضعف بالضرورة القيم النبيلة.

أما عن دعم المجتمع لتفشي ظاهرة الانتهازية يتمثل في حصر مجالات النجاح في التحقق المادي للأفراد وعدم العقاب لاستخدامهم الوسائل الشريرة لتحقيق نجاحهم وتهميشه بل وتجاهل هذا الأمر تمامًا.

كما أن غياب دور المجتمع كرقيب أعلى لأفراده جعله مجتمعًا ممزقًا وتربة خصبة للكفر به وخداعه من قبل أفراده.

لقد نضب أو كاد الولاء الحقيقي للوطن نظرًا لأن هذا الوطن الذي يمثل المجتمع فشل فشلاً ذريعًا في تحقيق ذوات شخوصه بطريقة محترمة وديناميكية فيها شيء من المنطق حيث عجز عن إيجاد تفسير منطقي لفشل الفاشلين أو نجاح الناجحين وهيأ الأمر للاعتقاد بأن هناك وسائل أخرى للوصول للسعادة غير تلك التي نعلمها كما عجز المجتمع عن تحقيق الحد الأدنى من طموحات الناس بل إن المجتمع المصري أو أفراده صاروا يؤمنون بأن مجرد البقاء علي قيد الحياة هو منتهي الطموح .. رغم أن الملايين من هذا الشعب لا يجدون قوت يومهم.

ومن المفيد التذكير بأن السعادة تبدأ بسعادة الروح وتنتهي بسعادة المجتمع .. وكان يجب علي المجتمع ترشيد الإسراف علي فئات محددة وقليلة من شخوصه خصمًا من حقوق الأغلبية .. لأن الاهتمام بفئة من فئاته دون أخرى هو جور لا يحق لوطن يمثل الجميع أن يقع في ذاك الشرك.

وإنني مازلت لا أتخيل أن تقوم سعادة علي تعاسة الآخر .. ولا أتخيل أيضًا أن يقف الوطن مكتوفًا أمام تعاسة أولاده.

وذلك لأن تعزيزه لسعادة أفراده هو تعزيز لتماسكه وشرعية وجوده .. على افتراض مؤكد بأن السعادة هي صناعة مجتمعية صرفة .. وان لم يتحقق ذلك فهذا يعني نهاية الطريق المنير والدخول في النفق المظلم.

****

الوفد 20 أكتوبر 2003

تحية الصمود .. لشعبنا العظيم

تحية الصمود لهذا الشعب العظيم .. تحية لا تسمن ولا تغني من جوع .. نواسيه بها في مأساته .. تحية لهذا الشعب الفريد الذي يفضل الموت نازفة جروحه دونما تسمع منه التأوه حتى همسًا.

الشعب الذي يقاوم اللطمات بامتصاصها .. ويبتسم كبرياء حتي لا تقطر عينه دمعة مهانة هاربة.

إنه شعب مصر البطل .. عاشق السلام والحياة .. حتي في هامشها الضيق .. مجيد صناعة القناعة .. وقابل العيش على العدم .. معتاد الكفاح .. مروض المصائب .. المؤمن بالله فطرة وليس اكتسابًا .. العارف أن مصائبه قدره ولا يمكن أن تخطئه .. وأن بلواه حتمًا تنقشع .. المتعلق بأهداب الأمل .. والتعلق بالأمل وحده إيمان عميق بالنصر .. وسر من أسرار الوجود .. تحية إلي شعب مصر.

هل وجدتم مواطنًا يضحك رغم أنه يعاني حتى النخاع، أزمة في المسكن والمأكل والمشرب والصحة والدخل؟!! .. إنه المواطن المصري.

قلبي مع المصريين وأنا من قاعدتهم العريضة .. بعدما حولت الحكومة حياتهم إلي جحيم لا يطاق .. ولا يمكن أن يعيش فيه شعب سواهم.

إنني خجل من الحالة المزرية التي وصل إليها الناس، أرتال المتسولين في شوارع مصر من أقصاها إلي أقصاها وأظن أنه لولا قليل من الحياء لضمت قوافلهم نصف الشعب المصري بلا أدنى مبالغة – لتشمل قطاعًا كاسحًا ممن تسميهم الحكومة بالموظفين .. ناهيك عن جيوش الشباب المتعطل عن العمل والباحث عن لقمة عيش وفقط!!

حقيقة، إن الشعب المصري يعاني معاناة لا مثيل لها، وأظننا جميعًا في غنى عن الدليل، فمن منا يكفيه مرتبه حتي منتصف الشهر؟!!

لا أظن أحدًا، فما بالنا بمن حرمته حكومتنا من أن يكون من ذوي الرواتب؟!!

حقًا، يحتاج الفقراء في النجوع والكفور والقرى إلي من يصرخ باسمهم، إلي من يقول لمن بيده الأمر إن ((الجوع كافر)) لأن من أول معالم الحضارة في أي مجتمع ليست الكباري والانفاق وتعبيد الطرق واقامة مراكز المؤتمرات والاحتفالات والمهرجانات ..ولكن الإنسان.

نحتاج أن ننحي كل شيء جانبًا الآن ونتجه إلي عملية بناء الإنسان .. وعملية بناء الإنسان تبدأ أول ما تبدأ بأن نملأ معدته بالطعام ثم نوفر له السكن الآدمي ثانيا .. وبعد ذلك نوفر له مصدرين دائمين، الأول للدخل والآخر لغذاء الروح.

وإذا كان المواطن عليه واجبات نحو وطنه يجب عليه القيام بها مثل الخدمة العسكرية والمشاركة السياسية والولاء المطلق للوطن فإن له حقوقًا أيضًا وهى متعددة.

شاهدت وسمعت بنفسي ما يحدث في أحياء – العاصمة !! – القاهرة الفقيرة كيف أن البلطجي يفرض الإتاوات علي الناس دونما يجرؤون الإبلاغ عنه وحجتهم في ذلك انه سيتم القبض عليه ولن يمر يوم أو أكثر حتي يعود البلطجي ليسومهم سوء العذاب.

بل والأشنع من ذلك أنه – ونحن في الألفية الثالثة – يقوم بفرض سطوته ليتزوج من أية بنت يختارها دون رغبتها هي أو من ذويها، وكأننا في غابة.

وأقصد من سرد هذه الوقائع أنه ينبغي تشديد عقوبة البلطجة وترويع الآمنين لأقصى درجة ممكنة .. ليس فقط لتحقيق العادلة ولكن لحفظ هيبة الدولة.

****

الوفد 4 يوليو 2005

ضرب من ضروب الحواة

تحدث إلي ذات يوم قريب أحد رجالات الحزب الوطني في دائرة الحوامدية .. ورغم يقيني بأن الحزب الوطني خلع بسلام عباءة الأفكار ليرتدي عباءة المصالح والتربيطات والتهبيش، إلا أنني فضلت أن أناقش صديقي في سبب انضمامه للحزب الوطني وهل جاء الانضمام لقوائم الحزب من قبيل الاقتناع بالفكرة أم بالسلطة؟

ولأن صديقي حسن النية طيب الأخلاق راح يقول لي: إن الحزب الوطني في حد ذاته فكرة نبيلة ولكن رجالاته هم الذين حادوا به عن النبل .. وأنه اختار الفكرة ولا يعنيه أن يختار غيره السلطة .. وراح يتحدث بجلاء عن المساوئ في الحزب الوطني التي يجب أن تصوب بل إنه راح يكشف لي وقائع مذهلة وهي قيامه بالتصويت علي ثلاثمائة وثمانين صوتًا في لجنة عرب الساحة ومن ضمن من صوت لهم وبالبصمة مواطن يقيم في قطر وآخر متوف لدي أسماؤهما وأنه لا يستطيع أن يسامح ضميره في انه ساهم في تزوير إرادة الشعب وتزوير فكر الحزب الوطني!!

هذه الواقعة من وقائع الفساد وتزييف إرادة الناس في مصر لا تقل خطورة عن وقائع رواها لي شقيقي موظف المجلس القروي بأبو تشت الذي كان أحد مشرفي الاستفتاء في لجنة مدرسة المحارزة بأبو تشت قنا، حيث أكد لي أن مواطنًا واحدًا لم يطرق باب اللجنة بينما تولي ضباط المركز تسويد الاستمارات حسب النسب المحددة.

وأنا لا أعرف لماذا كل هذا التزييف في إرادة الناس؟! بل انني أرى لافتات الدعاية التي ملأت ربوع المحروسة تؤيد وتبايع السيد الرئيس لفترة رئاسة جديدة لا يدرون عددها نظرًا لطول المدة رغم أن السيد الرئيس لم يعلن ترشيح نفسه بعد.

وهنا أتساءل : ما قانونية هذه اللافتات التي انتشرت في الشوارع منذ شهور مضت، بينما ينص قانون الدعاية للانتخابات الرئاسية – الجديد – بأنه يحظر الدعاية لمرشح الرئاسة قبل واحد وعشرين يومًا من الانتخابات الرئاسية ذاتها؟

إذن .. كيف يخرق قانون في أول سابقة لتنفيذه .. لدرجة تجعل أي مواطن يستطيع أن يقيم دعوى قضائية لرفع كل اليافطات من شوارع مصر بوصفها يافطات دعاية ويكسبها من الجولة الأولي.

وإذا اعتبر الحزب الوطني نفسه بريئًا من كل اليافطات فلماذا تصمت عليها الجهات المختصة وهى التي اعتادت أن ترقب وتسمع دبة النملة؟!

إنني أصرخ في وجه مسئولي الحكومة .. بألا يجعلوا الناس تكفر بالسياسة .. ألا يجعلوا الناس يعتبرون أن العمل السياسي والوطني هو ضرب من ضروب الحواة وأنه معني من معاني السحر وألاعيب شيحة.

وألا يجعلونا نترقب دومًا كينونة اللعبة القادمة التي سيقدمها لنا الحاوي.

وأنه محاولة لإقناعنا بأن أحمد هو الحاج أحمد .. رغم ما قام به الأخير من ترتيبات وطقوس تجعل قلبه أكثر خشوعًا لله وبعدًا عن الدنايا ومواطن الزلل .

****

الوفد 4 أكتوبر 2005

عن العوام والاستبداد

"العوام هم سيف المستبد وترسه" بهذا الوصف تحدث العلامة عبد الرحمن الكواكبي في كتابه الأشهر "طبائع الاستباد ومصارع الاستعباد" واصفًا عامة الناس وطرق مساعدتهم للمستبد .. والحقيقة أن العامة هم مطية المستبد في الوصول لغاياته .. هم وقوته عليهم .. هو بهم يقوى وهم به يضعفون .. هم يكتوون بناره وهو يستنير بنورهم .. هم زاده وزواده .. وهو نقصهم وعوزهم .. المستبد يعلو علي جماجم موتاهم .. وهم يعيشون ليسلبهم روحهم .. هم حجته وهو حدهم.

والمشكلة أن العامة قد فقدوا على مر العصور تمييز ما يفيدهم عما يضرهم وذلك من طول بطشه بهم .. فلو منحهم فرصة للخلاص لخافوا أن يكون هذا كمينًا لهم يكشف به نواياهم نحوه .. فيهبوا له فداءً بالروح وبالدم فى تسابق مهين للنجاح في الاختبار المهين.

العامة يمجدون المستبد .. وكأن جمعهم ليس إلا غثاء سيل خر من يده .. ولعلنا نتذكر ذلك المثل الشعبي الشائع الذي يقول "ماذا فرعنك يا فرعون .. فقال: ما وجدت من يلمني" وذلك لأنهم يعتقدون أن فرعون هو مثال للاستبداد بغض النظر عن صحته وكذبه .. إنما هو خيال العامة عن أسباب الاستبداد.

والمستبد يصور لهم أنه لولا حكمته ورقة قلبه لما أمكنهم أن يحيوا بدونه .. فهو يصنع لهم كل صباح معجزة لملء بطونهم الفارغة رغم أنهم لا يأكلون إلا فتات ما يجود به مما صنعته أيديهم هم ورواه عرقهم المخضب بالإهانة .. قاصدًا من ذلك ربطهم به وقطع الطريق على فرص الخلاص.

والمستبد يمتاز بكونه ناكرًا للجميل .. فحينما تأتي الرياح له بالجود يشعر بالزهو والبطر .. فيبيح منكرات الأفعال في الرعية تحت ستار التضحية من أجل الوطن .. وذلك لأن ذاته تضخمت حتي صارت بحجم الوطن.

وحينما تأتي الرياح له بالعسر .. يهب متمردًا منقلبًا علي الرعية .. واصفًا سلوكهم بأنه مصدر النكسات .. وكأن فنون قمعه لهم هي عمل من أعمال السياسة الواجبة علي الحاكم!!

والمستبد تميز بالجهل .. هو يبخل عليهم بالعلم مدركًا أن علمهم تمرد عليه .. وهو يسعي دائمًا لجعلهم يف حاجة إلي فتاته .. هو دائمًا يخيفهم من المستقبل ويصوره لهم بأنه حالك الظلام وأنه لولا خصال منحه الله إياها وهبات ميزه الله بها لما استنارت الطريق أمامهم.

والمستبد يتميز أيضًا بالبخل .. يبخل علي العامة بالعلم .. وهم يجودون له بدمهم وعمرهم الذي مثل لهم وقودًا دافعًا لإطالة أمد استبداده .. هو يصور قليل ما بأيديهم كأنه صيد ثمين رغم أنهم هم والأرض والفضاء التي يقيمون عليها ملك لاستبداده.

ومشكلة العامة والمستبد هي مشكلة أزلية .. لا يمكن حلها إلا بايجاد قدر من الوعي لدى العامة يمكنهم من الفرز دون خوف أو وجل ودون استعداء للقيم الانتهازية من جانب، مع ضرورة أن يتوافر ذلك الحاكم العادل الذي يدرب الشعب عمليًا على عدم الخوف من الحرية وأن يستجيب لمطالبهم متى قرروا.

****

الوفد 7 نوفمبر 2005

الاستبداد هو المتهم الأول

لماذا تأخرنا وتقدمنا الجميع؟

لماذا صرنا نحن كعرب عامة ومصريين خاصة إلى ما نحن فيه؟

لست أدري .. لكني علي اعتقاد بأن الاستبداد هو المتهم الأول في تلك الجريمة النكراء التي حاقت بخير أمة أخرجت للناس .. أمة تدعو للشورى والرأي الجمعي.

فالاستبداد هو الذي قذف بأمتنا إلي ذيل الأمم بعدما كنا نؤمهم .. وعطل وأهدر طاقات والعقول لتذهب في صحارينا مذهب السراب.

هو الذي جعلنا نستبع ونذل بعد سيادة وعزة ونجوع ونعرى ونحن بلاد الثروات .. ونجهل ونحن دعاة العلم.

ولا يمكن أن نتحدث عن الاستبداد ومصارع الاستعباد ونغفل الواقظ الأول من السبات العلامة عبد الرحمن الكواكبي حينما أفرد له مرجعًا فريدًا أسماه "طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد".

حيث قال عنه إنه نار غضب الله في الدنيا وقال إنه أعظم بلاء يتعجل به الله عباده الخاملين ولا يرفعه منهم حتي يتوبوا توبة الانفة.

وقال إن المستبدين يتولاهم مستبد والأحرار يتولاهم حر.

صدقت يا سيدي .. فالشعوب تصنع جلاديها .. وترزح تحت نير استبدادهم وذلهم حتي تستعذب المهانة والذل والاستبداد .. ومتى استعذبته هلكت وفنت.

ولكن هل نظام الحكم في مصر استبدادي طبقًا لمفاهيم العلامة عبد الرحمن الكواكبي كما أوردها في كتابه؟

يقول الكواكبي حرفيًا "لا يكفي هنا الإشارة إلي أن صفة الاستبداد كما تشمل حكومة الفرد المطلق الذي تولي الحكم بالغلبة أو الوراثة تشمل حكومة الفرد المقيد المنتخب متي كان غير مسئول وتشمل حكومة الجمع ولو منتخبا لأن الاشتراك في الرأي لا يدفع الاستبداد وانما قد يعدله نوعًا ما وقد يكون الاتفاق أضر من استبداد الفرد .. ويشمل أيضًا الحكومة الدستورية المفرقة فيها بالكلية قوة التشريع عن قوة التنفيذ عن القوة المراقبة .. لأن الاستبداد لا يرتفع ما لم يكن هناك ارتباط في المسئولية فيكون المنفذون مسئولين لدى المشرعين وهؤلاء مسئولون لدي الأمة تلك الأمة التي تعرف أنها صاحبة الشأن كله وأنها تراقب وتحاسب".

وبقليل من التأمل سيتضح لنا جليًا أن الاستبداد في مصر ينتمي إلى ذلك الدستور المشار إليه.

وذلك لأنه أولاً: هناك ترسانة من القوانين واللوائح الداخلية ضمن قوة التشريع وإن كانت في بعض الأحيان متضاربة مما يعطي قوة أكبر للاستبداد وهذه القوة التشريعية استمدت قوتها ووجودها من وجود الحاكم نفسه بمعنى أن الحياة النيابية لدينا في مصر حياة شائهة ومزورة والجميع يشهد بذلك حيث إن الحزب الوطني وهو عبارة عن حركة تبادل مصالح بين أفراد ولا علاقة له بعالم الأفكار احتكر الحياة النيابية عبر تزوير الانتخابات ليسقط إرادة الشعب ويرفع بدلاً منها إرادة الحكم والحاكم.

وحتي تلك الحياة النيابية الفاسدة في مصر لو اعتبرناها مجازًا حياة سليمة لوجدنا هناك انفصالاً – وهذا ثانيًا – بينها وبين التنفيذ في المسائل التي تتوافق مع إرادة الشعب.

حيث إن قوة التنفيذ تكون أكثر وضوحًا في انحيازها للحاكم دون الحاجة للتحلي بأية زينة للحياء كما في تلك التشريعية.

وهذا الانحياز يعطيها الحق في إهدار القوانين والتشريعات ولو أردنا نضرب مثالاً لقلنا أن هناك آلاف المعتقلين السياسيين الذين برأت المحاكم ساحاتهم مرة بعد أخرى ورغم ذلك تصر وزارة الداخلية علي اعتقالهم ليمضوا خلف الجدران عشرات السنين دون تهمة.

وقس علي ذلك تلك الأحكام الصادرة بحق أحزاب مصرية مجمدة لتعود لمزاولة نشاطها إلا أن السلطة التنفيذية تحول دون ذلك مثل أحزاب العمل ومصر الفتاة كما أن هناك آلاف الأحكام القضائية ضد وزارة الداخلية تحديدًا والحكومة عامة لم يلتفت إليها.

والأدهي من ذلك أن سلطة المراقبة ثالثًا هي أيضًا منحازة للحاكم وذلك لأنها من صنع يديه .. حتي ذلك الأخير الذي قالوا عنه إنه جهاز قومي لحقوق الإنسان هو من صنع الحكومة ولا يمكنه سوى كيل المديح لها وتغطية عوراتها.

إذن .. هل يمكننا أن نقول إن النظام المصرى نظام استبدادي وخاصة إذا علمنا أنه يوجد مليون مواطن يسكنون المقابر بينما يوجد في المقابل مليونًا وحدة سكنية مميزة التشطيب أنشأتها الدولة للأغنياء.

وأنه يوجد في مصر 7 ملايين عاطل و9 ملايين شاب وشابة فاتهم قطار الزواج ومليونا معاق وخمسة ملايين مريض بالسكر وأقل من أربعين مليونًا تحت خط الفقر وعشرون رجل أعمال سرقوا 90 مليارًا عبر العشرين سنة الماضية.

بعد كل ذلك هل يمكننا أن نقول إن النظام في مصر نظام حكم استبدادي؟

سنترك الإجابة ليقولها عبد الرحمن الكواكبي لمن حسن حظه بقراءته.

****

الوفد 13 أكتوبر 2005

مرحلة فاصلة

يعيش الشعب المصري هذه الأيام مرحلة فاصلة من مراحل تطوره التاريخي والسياسي .. مرحلة تستدعي أن يقف جميع المصريين صفًا واحداً لدعم شوقهم إلي التغيير بعد أن تكلست السلطة وتعفنت آليات عملها وتسلل الوهن إلى عظام نظام الحكم والشعب علي السواء.

وأنا في نظري أري أنه كان من الممكن أن يقوم مرشح الحزب الوطني في انتخابات الرئاسة بعدم ترشيح نفسه وأن يعلن على الملأ أنه قرر عدم ترشيح نفسه لكي يترك الفرصة للأجيال القادمة في تحديد مستقبلها.

ولو أقدم مرشح الحزب الوطني وقتها علي هذه الخطوة لعدت بمثابة عبور جيد ولصفق له الجميع احترامًا وتجاوزنا – كشعب عانى من هيمنة الفساد والجوع والبؤس والتشرد – عن الجراح التي لحقت بنا منذ عشرات السنين نتيجة هذا الفساد .. ولكنا اعتبرنا هذه التجربة تجربة فريدة تستحق الاحترام وتعد تكفيرًا مقبولاً عن جميع الخطايا التي عانيناها.

ولكن ليس كل ما يتمناه الفرد يدركه، بل استمرت القافلة في السير ، وزورت الانتخابات، والشهود كثر لدرجة أنهم صاروا 70 مليونًا هم جموع الشعب المصري، وتناسي النظام أن الشعب يحتاج إلي من يُضمد جراحه لا إلي من يصب الملح فيها.

واختنقت أنفاس الشعب المسكين، المقهور تارة بالاستبداد وأخرى بالجهل .. ولم تعد المسكنات القديمة التي كان يقدمها نظام الحكم تجدي .. كأن يسحب جزءًا من الهواء الكامن في البالونة حتي لا تنفجر، وذلك لأن طول الاحتباس جعد من بشرتها فترهلت وصارت في حاجة إلي تكهين.

بل من عجب .. ومازالت جراح انتخابات الرئاسة ساخنة بعد .. أن يستمر النظام في تزوير إرادة الناس لمرة ثانية في أقل من شهرين، وذلك حينما أعلن صفوت الشريف – حسب ما نشرته الأهرام في صفحتها الأولي في أول أيام شهر رمضان المعظم – أن قافلة رموز "الأهلة والجمال" ستجوب الجمهورية بدءًا من 24 أكتوبر الجاري بوصفها رموزًا لمرشحي الحزب الوطني، وهو الأمر الغريب الذي لا يليق أن يقوله شخص بدرجة وزير، وذلك لأن توزيع الرموز ليس حكرًا للحزب الوطني بل هو بحسب أولوية المرشحين من كافة الأحزاب في تقديم أوراق ترشيحهم، اللهم إلا إذا كان عرافًا وقد تنبأ بأن مرشحي الحزب الوطني جميعهم سيحصلون علي رمزي الهلال والجمل!!

ولست أدري من أين جاءت لهم كل هذه الجرأة في الاستهانة بكل شيء مقدس في مصر، وأنا في هذا الصدد لا أعفي الشعب من مسئوليته في حماية قوانينه ودستوره من الانتهاك.

وإذا كنا نعيش الآن أيام في شهر رمضان المعظم، فلا يسعنا حاليًا ألا أن ندعو الله ونبتهل إليه عسى أن يصيبنا نفح من بركاته، بأن يخلصنا من الاستبداد والطغاة الذين هدموا كل منجزات شعبنا، وأن يرفع الغشاوة عن قلوبهم، وأن يكف أيديهم بقدراته عن الهبش والنبش من أموال هذا الشعب الذي اعتقدوا أنه شعب قاصر، وأن تعود كل أموالنا المسروقة وثقافتنا المغدور بها، وتاريخنا المناضل، وعروبتنا التي تسري في الدم.

ندعوه أن يجد الخمسة ملايين عاطل أعمالاً حقيقية لهم، وأن تتزوج الــ9 ملايين عانس – شباب وشابات – ممن فاتهم سن الزواج بسبب العجز عن تدبير حاجياته، وأن تقف الدولة مع محنة مليوني معاق نصفهم يمارس الشحاذة في الطرق وعلى الأرصفة.

ندعوه بأن يطعم الأفواه الجائعة من تلك الأموال التي سلبها فاسدو هذا الوطن، وأن يستطيع رب كل أسرة تدبير مصاريف المدارس التي صارت غير مجانية.

ندعوك يا مولانا أن تغفر ذنب من تاب من فاسدينا – شريطة أن يصلح ما أفسده – وأن تتوب عمن لم يتب.

ندعوك يا مولانا أن تصير مصرنا قوية كما كانت، ولا تصبح في ذيل الأمم كما هى الآن.

ندعوك يا رحمن فاستجب فقد استبد بنا المستبدون، وهُنا على العالمين، وما عاد ملجأ إلا إليك.

****

محيط – 21 يونيو 2010

عن الحزبية .. والتدجيل

قد تهاجموننى جميعكم، قد يتهمنى بعضكم بالفاشية وربما الرجعية ولكن ذلك لن يغير من قناعتى شيئا، فدعوني أبوح لكم بأننى ضد الحزبية بل إننى اعتبر الأحزاب لاسيما فى عالمنا الثالث والعربى تحديدا مجرد مجملات لوجه الاستبداد القبيح.

هذا الوجه الذى ما انفك من تجهيز حيلة حتى يبدأ فى الأخرى بما يضمن له السرمدية والدوام، وبالطريقة التى يساير بها روح العصر، فإذا كانت الروح السائدة فى العالم هى روح نظم الحكم المتفردة فهو قطعا نظام حكم متفرد , وإذا كانت روح التمثيل والديمقراطية , فهو نظام ديمقراطى , وإذا كانت شيوعية فهو شيوعى وإذا كانت رأسمالية فهو رأسمالى  , ومع هذا وذاك يبقى هو بشخوصه وسياساته وتختلف فقط الأقنعة والمسميات.

يا سادة .. أنا لم أعد مقتنعًا بالحزبية والنيابية فى بلادنا ,لأنها تحولت إلى انتهازية وفساد يرتدى ثوب الوطنية والديمقراطية , التى لا يعرف أحد ما هى.

ففى كل بلادنا العربية ربما بلا استثناء نجد أن الحزب الحاكم وهو بالمناسبة حزب لا يقوم على أساس الأفكار بل على أسس تربط مصالح الأعضاء والشلليات، يقوم بصناعة معارضيه ويمدهم بالأفكار والأشخاص بما يضمن لهم دورا مقنعا فى تمثيلية «المعارضة» وهو الأمر الذى يضفى له المشروعية ويجمل وجهه القبيح.

أنا أعجب من أناس يقصرون قياسهم على فساد النظام الحاكم أو صلاحه فى أية دولة عربية على مجرد وجود أحزاب معارضة فى هذا البلد من عدمه ,  وهم لا يحتاطون من أن يكون هذا النظام هو نفسه صانع تلك الأحزاب وملهمها الأول وراسم أدوارها.

ويحضرنى هنا وصف الزعيم الليبى معمر القذافى للحزبية بأنها "تدجيل" و"النيابية" ب"التمثيل" وأنا أؤيده فى ذلك وأضيف أنها فى بلادنا قد تتحول إلى خيانة عظمى للشعب بما تمارسه عليه من تغييب وتجميل للطغيان.

وأعرف أن بلادى تحوى نحو 24 حزبا جميعها صناعة تكاد تكون خالصة للحزب الحاكم وشخوصها هم شخوصه , رجال يعينهم هذا الحزب، بل إنه من ملهيات القدر أن تلك الأحزاب التى لا يستطيع مثقف مهما كان مهتمًا بشئون تلك الأحزاب أن يحصى فقط ولو مجرد أسمائها أو أسماء أو حتى توجهات برامجها , وذلك لأنها أحزاب تنشأ بليل بدون أعضاء أو حتى برامج على موائد الحزب الحاكم.

وقد بلغ الاستهتار فى "التدجيل" أقصاه حينما كان رئيس أحد أهم تلك الأحزاب وأكثرها وضوحا فى البرنامج وفى الأعضاء شقيقًا لوزير فى الحزب الحاكم.

إن خطورة الحزبية وضحت بجلاء لمن لديه أدنى بصيرة فى دولة مثل العراق  , فهؤلاء الذين لطالما هاجموا العراق فى عهده الوطنى قبل 2003 بحجة كونه لا يسمح بتكوين الأحزاب هم الآن ربما صاروا على قناعة بمصداقية ووطنية هذا الموقف، فأحزاب العراق نشأت من ميليشيات ارتكبت جرائم فى حق الشعب وتحولت الحزبية على أيديهم إلى طائفية بغيضة أكلت وستأكل الأخضر واليابس فى هذا البلد المنكوب بالخونة والعملاء الذين يعتلون الحكم الآن.

وفى العموم وفى المجمل تقاس العدالة فى البلدان بالمستوى الاجتماعى للسكان وبالنهضة الصناعية على المستوى العالمى، وهنا نجد أنه ما صنعت الحزبية فى بلادنا لا عدالة ولا نهضة ولا تداولاً للسلطة ولكنها كرست لسرمدية الحاكم كما أنها لم تصنع دولة صناعية متطورة كما صنعتها نظم لا تتخذ ديكورا لنخبتها الحاكمة فمنعت الأحزاب مثل الصين.

بل إن دولاً كبرى مثل الولايات المتحدة الأمريكية التى تدعى التعددية وتعد مثالا للديمقراطية عند الكثيرين , نجد أن حزبين فقط يتداولان السلطة فيها منذ تأسيسها وأن هذين الحزبين لا يختلفان عن بعضهما فى التوجهات والمقاصد والسياسات إطلاقا وإن اختلفت الشخوص والأزمان كما أننا لم نسمع عن حزب ثالث لهما ذي توجه شيوعى أو قومى أو راديكالى أو يحمل فكراً مختلفاً .

كما أن هناك أحزابا – وهى فى الأغلب جادة وناجحة - تعلى من أهمية الانتماء إليها وتربيطات منتسبيها المصالحية عن أهمية الانتماء للوطن ومصلحته وقد يلجأ بعضها الى العدو الخارجى فى محاولة للانتقام من خصمه ويدفع الوطن والمواطن الفاتورة الباهظة لتلك المهاترات , بل إن الصراعات السياسية بين تلك الأحزاب عادة ما يدفع ثمنها المواطن البسيط الذى هو فى الحقيقة الوطن.

إننى بحق أدعو إلى إلغاء الأحزاب فى بلداننا العربية والكف عن التمثيل والتدجيل وممارسة لعبة الخداع ضد الشعوب وهو الأمر الذى قد يوفر الجهد المنصرف إليها ليتم تحويله إلى التنمية والتصنيع والعدالة كما كان الحال فى مصر عبد الناصر.

****

جبهة انقاذ مصر – 21 سبتمبر 2010

التوريث الفئوى .. أخطر أنواع الفساد المصرى

قائمة المسكوت عنه فى مصر لاتنتهى ..وحنفية الفساد لا تكاد أن  تقيد حتى تنفتح على مصراعيها بحيث صار  الناس يمتدحون  شخصا ما  وينزهونه ليس إلا لكونه اقل فساداً من شخص آخر افتضح أمره .. ثم أخذوا يبالغون فى امتداح خصاله حتى صاروا يمجدونه .

لقد اعتاد الناس على الفساد والفاسدين .. وتكونت ثقافة نفسية وأخلاقية وعرفية تشرع له ليكون ثالوث الماء والهواء.. وصار اختلاف الناس حول الفاسد يدور حول  الاختلاف فى حجم المسروقات .. فأباحوا أن تسرق أرنباً ومنعوا سرقة الجمل.

وراح البعض ينتقد الفساد بشدة وذلك ليس لكونهم خيرين خالصين ولكن لأنهم لم  يتمكنوا من سرقة الجمل فاكتفوا بالأرنب.

ولا يفوتنى الإشارة إلى انه ليس معنى ذلك الكلام أن جميع المصريين صاروا لصوصا فذلك يتنافى تماما مع المنطق والعقل ومع ما يتسم به المصريون من تدين فاذا كان هناك سارق لابد ان يكون هناك مسروق منه .. والذى هو بالطبع شعب مصر.

وعودة إلى الأمور المسكوت عنها وهى كما قلت كثيرة للغاية .. ولكن كان أخطرها التوريث الفئوى .. فإذا كان بمقدور أى مصرى أن ينتقد ما يسمى التوريث الرئاسى إلا أنه ليس بمقدوره أبدا انتقاد التوريث الفئوى وإلا سيكون بذلك قد القى بنفسه إلى التهلكة .. وبالقانون.

أنا واثق انه تدور فى كل قرية ومدينة فى بر مصر رحى  قضية توريث مصغرة .. ابن العمدة عمدة .. وابن ضابط الشرطة ضابط شرطة .. وابن الصحفى صحفى .. وابن أستاذ الجامعة أستاذ جامعة ..وهكذا.. وبالطبع هذا التوريث  مبنى على اعتبارات غير موضوعية  اعتبارات تعلى من قيمة الحسب والنسب  والمحسوبية والمدفوعات وتلقى بالكفاءات على الأرض لتحاصرها تفاصيل الفقر حتى تموت هماً وكمداً أو تنتبذ فى الصحراء مكانا قصيا.

إن ظاهرة التوريث الفئوى تبدو واضحة وبشكل فج فى أربع فئات كان ينبغى أن تنأى بنفسها عن الزج بنفسها  فى هذا السلوك المشين وهم السلك القضائى والسلك الدبلوماسى والشرطة والإعلام.

فلك أن تتخيل أن أسرة واحدة مكونة من ثلاثة أشخاص مثلا تجدهم هم الثلاثة يعملون فى السلك القضائى فضلا عن أولاد أعمامهم وأولاد عماتهم وأولاد الخال وأولاد الخالة وهكذا.. وبالطبع ما ينطبق على السلك القضائى ينطبق على الفئات الثلاث الاخرى.

ويحضرنى هنا الإشارة إلى  مفارقة على قدر ما فيها من سخرية إلا أنها مؤلمة ودلالاتها خطيرة .. فقد حدثنى صديقى عن انه توجد فى قريته عائلتان إحداهما العائلة التى ينتمى إليها هو وتضم نحو11شخصا يعملون بالسلك القضائى وعائلة منافسة اخرى يعمل فيها نحو 14 شخصا فى الشرطة .. وكان بسطاء الناس يطلقون على الأولى المحكمة والثانية المديرية وهم بذلك لا يقصدون السخرية.

وخطورة ظاهرة التوريث الفئوى لاسيما فى تلك المجالات الحساسة فى أنها تقتل الشعور بالعدالة فى مقتل وتدفع الناس دفعا لليأس الذى هو مفجر لكل الجرائم.

ودعونى أتساءل هل انزل الله العدالة على فئة معينة من الناس حتى يصيروا جميعا - وبربطة معلم - قضاة ؟! وهل الرؤية الأمنية توافرت لعائلة بعينها فصاروا ضباطا فى الشرطة ؟ وهل تصلح عائلة بعينها ليعمل كل أفرادها  فى السلك الدبلوماسى ويحق لها دون غيرها تمثيل مصر وتشكيل رؤيتها الخارجية ؟ وإذا كان من المفروض فى الصحافة  تشكيل وعى الناس من جانب ومراقبة أداء السلطات الثلاث من جانب آخر فكيف نورث تلك المهنة الحساسة لفئات من الناس ليسوا على أساس الكفاءة والمعرفة ولكن على أساس الأقارب والأصدقاء؟

وهل ينكر زملائى الأجلاء فى الصحف القومية - وأيضا الحزبية والخاصة - انه توجد أسر يعمل أفرادها فى مؤسسات بعينها كصحفيين أو حتى فى الشئون المالية والإدارية بحيث تجد الأم والأب والابن والابنة والأخ وابن الأخ والأخت وابن الأخت …الخ ؟

لا اجد اى وجه للعدالة فى هذا اوذاك .. فقرار بمنع تعيين شخصين تجمعهما صلة قرابة حتى الدرجة الخامسة  فى عمل واحد قطعا سيصب لصالح البلد.. وقطعا سيفتح المجال للجد والاجتهاد والإبداع.. اما لو استمر نظام التوريث الفئوى فحتما ستترهل البلد ولن تتقدم خطوة للامام.

إن التوريث الفئوى هو نوع من أنواع الإرهاب وأخطر أنواع الفساد وأشدها فتكا وينبغى أن تقف ضده القوى الوطنية وقفة رجل واحد وذلك حرصاً منها على مصلحة البلاد العليا.

أما لو لم نتخذ هذا القرار سنكون قد تواطأنا جميعا بالصمت وتركنا الوطن بمفرده ينزف الكفاءات التى أهدرت فى مفرمة الفساد والمصالح والخوف.

****

جبهة انقاذ مصر 10 فبراير 2011

حتى نقتص لدماء الشهداء

لا يجب أن  تسمحوا للطاغية  بانسحاب آمن من السلطة بعدما تخضبت يداه بدماء  مئات الشهداء الذين اقتطفهم من جناين مصر فى ثورتها المجيدة من اجل التحرر من الاستبداد والفساد والجهل ومن اجل آلاف الشهداء الذين سقطوا فى زنازينه وسجونه طيلة ثلاثين عاماً من التخلف والاستبداد.

ما شهدته وتشهده بلادنا هذه الأيام مروع فى جانب منه ورائع فى جانب آخر فقد سقط الشهداء ولكن انكسر حاجز الخوف والسياج الأمنى الذى طوقه الطاغية حول رقابنا منذ ثلاثين عاما.

سقط الشهداء ولكن توحد الوطن شيبه وشبابه حول هدف واحد "ارحل يا مبارك" , هم شهداء فى عمر الزهور أبوا  ألا يفارقوا ميدان الشهداء "التحرير سابقا" إلا وقد وجهوا رسالة للطاغية الثمانينى وهى أن دماءهم تهون فى سبيل تحرير الوطن وان مصر الولادة دائما أنجبت وستنجب أبطالاً مهما أراد الطاغية مبارك تخنيثهم وتدجينهم.

سقط شهداء منهم من سجل فى دفاتر المستشفيات ومنهم  من دفنوا فى مقابر جماعية بصحراء السادس من أكتوبر دون قيد او تسجيل بحسب ما روى شهود عيان موثوقون.

سقط شهداء ولكنهم سجلوا كمتوفين طبيعيين جراء اصابتهم بأمراض أو أزمات قلبية كما روى أطباء بمستشفى الدمرداش والهلال للمتظاهرين من ان السلطات الأمنية أمرتهم بذلك.

سقط شهداء جراء التعذيب بعدما اختطفتهم الشرطة من شوارع مصر فى جمعة الغضب وقاموا بتعذيبهم بشكل مفرط أدى للوفاة كما حدث مع حالتين فى بولاق الدكرور.

سقط شهداء قتلوا بدم بارد على يد البلطجية وبمساعدة ضباط الشرطة ولدينا معلومات بالأسماء عن قيام نائب للوطنى بتأجير أربعة من المسجلين خطر لقتل المتظاهرين بحدائق القبة.

الكثيرون من الجرحى سقطوا بعد ذلك شهداء دون أن يعرف أحد الأمر الذى يرجح أن يكون الضحايا بالآلاف.

إن ما حدث بحق جريمة ضد الإنسانية تستوجب العقاب الشديد لكل رموز الدولة التى ارتضت أن تروع نحو 85 مليونا من البشر من اجل إجهاض الثورة وتخويف الناس رغم ان الرسول الكريم يقول من روع مؤمنا فأنا خصيمه يوم الدين.

ليس من العدل أن نستكين و نفضل الاستقرار على القصاص لدماء الشهداء الذين ضحوا من اجل مصر والذين تحسر ذويهم لفراقهم , يجب عقاب القتلة ومن قبل ذلك الانتصار للثورة وإلا فكلنا مستهدفون بالقتل والإقصاء والإخصاء والتجويع.

لا يجب أن تتوقف الثورة حتى تحقيق كل أهدافها على أن يتم بعد ذلك إلغاء الدستور الحالى وحل جميع المجالس النيابية والأحزاب التى تأكد الجميع أن معظمها كان يدور فى فلك الحزب الحاكم ويعبر عنه.

أن معلومات عن امتلاك الرئيس وأسرته نحو 70 مليار دولار آثار فزع المصريين الذين اجروا عملية حسابية بسيطة فضربوا هذا الرقم فى 6 وهو سعر صرف الجنيه المصرى مقابل الدولار ثم طرحوه على عدد سكان مصر  فاكتشفوا أن نصيب كل مواطن مصرى يتجاوز الستة آلاف جنيه وهو ما يمكن أن يمثل حلا اقتصاديا ممكنا لازمة العديد من الأسر المصرية.

البعض يعيب على الصعيد بأنه لم يشارك فى الثورة وأؤكد أن هذا الاتهام باطل فالمظاهرات تكاد تكون شبه يومية فى كل من أسيوط وسوهاج والأقصر وقنا ونجع حمادى إلا أنها لم تحظ بتغطية إعلامية كما هو فى شمال البلاد.

فضلا عن أن الصعيد قد ضحى بآلاف الشهداء وآلاف المعتقلين الذين لا زالوا رهن غياهب السجون منذ عقود وذلك أثناء مقاومتهم لـ"حملة الصعيد" التى شنها النظام فى تسعينيات القرن الماضى وحرق قرى بكامل "شيبها وشبابها ونسائها وأطفالها" والحكايات لا تنقطع فى صعيد مصر لمن يريد تقصى الحقائق.

لقد كان ضابط  الشرطة الذى تلطخت يداه بدماء الشهداء فى صعيد مصر يعود للقاهرة فيقيم له النظام الاحتفالات ويطوقه بأكاليل الغار رغم أن يده لا زالت تقطر دماً وجوراً .

لكل ذلك لا يجب أن يرحل مبارك دون أن يدفع الفاتورة.

****

محيط – 16 فبراير 2011

مؤامرات حول ثورة الشباب المجيدة

لكل نجاح أعداء , ولكل ثورة ضحايا , ولكل إرادة أمة انتصار, مهما تعددت حيل ومخادعات الظالمين , أقول ذلك لأنني أحببت بحق ثورة الشباب ـ وأنا أجئ في ذيل قائمتهم ولكنني واحد منهم ـ وأخشى أن يسرق السارقون النجاح أو يجهضونه ووقتئذ لا يمكن لأحد أن يتخيل حجم الخراب الذي سيكون قد لحق بمصر خاصة حينما ينطفئ الشعاع الذي أضاء الظلام مرة ثانية.

أدرك أكثر أو ربما مثل غيري أن ثورة 25 يناير المباركة قد أعادت ضخ الدماء للجسد المنهك , الذي أوشك أن يتحول جثة هامدة , لا روح فيها ولا عزيمة لديها ولا نور يلوح في الأفق للخلاص.

 إنني بحق أخشى أن أستيقظ ذات يوم فأكتشف أنا ما تعيشه مصر هذه الأيام مجرد أحلام كرى في ليلة شتوية دافئة ومقمرة , ولذلك أخاف من أن تستيقظ مصر على خفافيش الظلام وقد لملموا فلولهم وراحوا يجرون الماضي البغيض ليدفعوا به أمامنا ليكون هو ذاته المستقبل.

دعوني أكون صريحا , فأنا خائف بحق على الثورة المباركة التي نعول عليها أن تكرس لبناء مصر الحديثة الحرة والقوية والديمقراطية , فحكومة النظام القديم هي ذاتها التي تدير الدولة الآن حتى لو كانت تحت مسمي "حكومة تصريف أعمال" وهناك أيضا عمال شركات يخرجون على مستوى الجمهورية طولا وعرضا يتظاهرون لمطالب فئوية - هي بالطبع عادلة ولكن توقيتها غير ملائم- والريب كل الريب في التوقيت المتزامن .. لها الأمر الذي  يذكرنا بتصرفات الشرطة عقب جمعة الغضب لاسيما أن جهاز أمن الدولة - كما هو معروف- يحكم قبضته بشده على كل المجالس النقابية في تلك الشركات ويعين أشخاصها تقريبا , ولعل الهدف من وراء ذلك هو إجهاض الثورة الحقيقية ذات المطالب العامة بتظاهرات فئوية متعددة تحمل مطالب خاصة , فضلا عما تحدثه من فوضى في البلاد قد تتيح للصوص الذين يتحكمون في مقادير تلك الشركات ترتيب أوراقهم لإخفاء السرقات أو يكون الهدف وراء ذلك خلق انطباع لدى عموم الشعب لأن النظام البائد كان الأفضل وذلك تطبيقا لسياسة مبارك "إما أنا أو الفوضى".

ومما زاد من مخاوفى تجاه عبث أيادي الأمن أو فلول الحزب الوطني أن عدداً من أئمة المساجد الحكوميين يقومون بالدعاء ضد الثورة والحديث عنها بوصفها (فتنة).

وكذلك لما لاحظته من قيام عدد من الأشخاص التي تبدو على وجوههم "سمات البلطجة " وهم في الغالب يسخرهم رجال الأمن وشراذم الحزب الوطني لشطب الشعارات التي تمجد الثورة من الشوارع ومحطات المترو ليس بهدف التجميل ولكن بهدف المحو.

ومن مخاوفي أيضا هذا العود المتدرج لرجال النظام البائد على شاشات الفضائيات وأولهم أحمد عز ثم أنس الفقي وما يتردد من حديث ستجريه قناة abc الأمريكية مع الرئيس المخلوع مبارك.

بل إن البعض ذهب إلى أفاق أكثر خطورة مؤكداً أن مبارك ليس مريضا بالدرجة التي تروجها وسائل الإعلام , ولكنه قادر على متابعة الشئون السياسية لمصر مع نائبه عمر سليمان لحظة بلحظة استعدادا للإنقضاض , وأن تسريبات مرضه كانت حيلة للعب على الحالة العاطفية للشعب المصري لاسيما بين الطبقة المهمشة من العمال والفلاحين.

هذه هي مخاوفي , ولكن مصادر اطمئناني أيضا لها قيمتها ووزنها فأنا أثق بالجيش وولائه لشعبه وليس لهذا الشخص أو ذاك وأعتبر أن إقدامه على حل مجلسي الشعب والشورى ومحاولة تعديل الدستور وتحديد مدة زمنية لنقل السلطة هي كلها أمور جيدة , ومعي ذلك نحن نطالبه بإقالة الحكومة الحالية واستبدالها بحكومة كفاءات انتقالية وتحويل النظام السياسي إلى نظام برلماني وحل الأحزاب وأمن الدولة والإفراج عن المعتقلين السياسيين كافة وتعويضهم ومحاربة الفساد.

نعم من حقنا أن نخاف على تلك الثورة فقد تنفس الشعب أخيراً هواء الحرية وزال الكابوس الذي جثم على صدر أمتنا ثلاثين عاماً كاملة خرب فيها البلاد وسرق ثرواتها وأهان كرامتها وسطحها وجهلها وغيبها وسلب إرادتها وباع أرضها للأجانب وسرق العوائد لنفسه وأتلف عوالم الأشخاص والأفكار والأشياء وأسس لثقافة الخيانة والفساد والمحسوبية واستمر يستنزف مقدرات البلاد والعباد جيلاً بعد جيل فتخلفت مصر العظيمة عن ركب الحضارة وانتشر الجهل والمرض والفقر وحولها بدلاً من زعيمة للتحرر الخارجي إلى زعيمة للاستعباد والاستعمار وجعلها كمقاول أنفار مأجور لتسليم البلدان العربية إلى إسرائيل.

لقد لوي نظام الطاغية مبارك ذراع المفكرين والمبدعين بالتجويع تارة والإرهاب تارة والسجن تارة وسار الجميع ملوثين بالفساد ترغيباً أو ترهيباً.

****

جبهة إنقاذ مصر- 14 مارس 2011

مبارك خائن و لص ومزور وقاتل .. وهذه هى الأدلة؟

لن أكون متجنياً أو ظالماً أو سفيهاً أو مغالياً لو قلت أن المستبد  المخلوع حسنى مبارك مؤسس  ما يمكن ان نسميها  نظرية " الاستبداد الناعم" هو خائن ومزور ولص وكاذب  وقاتل وزعيم عصابة وهذه هى الأدلة , فالديكتاتور المخلوع هو خائن لأنه خان مبادئ الجمهورية ومدد الحكم لنفسه بدلا من دورتين إلى نحو ست دورات متتالية ولم يكتف بذلك بل قام بالتخطيط لتوريث ابنه جمال مبارك منقلبا على أبجديات الجمهورية وبديهياتها.

وهو رجل مزور لأنه زور إرادة الشعب طيلة ثلاثين عاما كاملة المتمثلة فى صناديق الاقتراع فى كل الانتخابات البرلمانية والنيابية وأصبح المواطن البسيط يعرف ويتوقع من يفوز ومن يخسر فى أية انتخابات حتى لو كانت لجمعية تعاونية طبقا لقربه أو بعده من مبارك وليس من منطلق حب الجماهير أو كرهها له.

والرئيس مبارك لص أيضا لأنه سرق أموالاً وأودعها فى البنوك الأوربية والأمريكية ليس هو فحسب بل أسرته وحاشيته ناهيك عن سبائك الذهب والألماس – نشرت الأهرام فى نبأ  مقتضب تهريب 39 صندوقا للإمارات  منها قبل اندلاع الثورة بدون أسماء -  والعقارات التى قد نعلمها أو لا نعلمها وما كان باسمه أو بأسماء مقربين آخرين مع قيام بنوك أوربية بتجميد أرصدته مما يفيد وجود أموال مهربة وإن كنا لا نعرف حجمها كاملا علماً بأن راتب الرئيس القانونى طوال الثلاثين عاما لا يمكنه من جمع المائة مليون جنيه وليس 420 ملياراً "70مليار دولار".

ومبارك رجل كاذب لأنه كان يقول أشياء ويفعل غيرها وفترة حكمه أكدت لنا ذلك , وهو قاتل حيث أصدر أمراً بقتل آلاف الأبرياء فى الصعيد فى فترة التسعينيات تحت مسمى مكافحة الإرهاب وأصدر أيضا أمرا بقتل الأبرياء فى ثورة  الشعب المجيدة ناهيك آلاف المعتقلين الذين قضوا تحت وطأة التعذيب فى السجون بدون محاكمة.

والرئيس المخلوع يصلح كزعيم عصابة  لا رئيسا لدولة مثل مصر  حيث كون وحمى مجموعة من السارقين وأسبغ عليهم صفات الفضيلة وأسند إليهم الحكم وراح يخدع الجميع ويدعى أنه انشأ دولة ديمقراطية فقام بصنع معارضة وأحزاب وهمية وإعلام وهمى ومنظمات حقوقية وهمية  وجمعيات وهمية ومجالس نيابية وهمية وهكذا.

واعذرونى لو طالبت السيد عمرو موسى بالاعتذار على ما أصابنى من ذعر جراء تصريحات منسوبه إليه فى صحيفة اسبانية ينفى وجود جريمة ارتكبها ( مبارك ) حتى نحاكمه عليها ومصدر ذعرى هو أنك يا سيد موسى أسبغت البراءة على رجل مازالت دماء المئات من قتلاه لم تجف بعد وكأنك قصدت بمثل هذه التصريحات المستفزة ليس إهانة الشهداء أو أسرهم فحسب بل إهانة المنطق الذى يدرج قياسا إليه مفهوم المجرم وغير المجرم والجريمة والفضيلة .

دعنى يا سيد موسى وأنت رجل كان يحبه الكثيرون أن أقول إن كنت لا تعتبر هذه جريمة يُسأل عنها أعلى مسئول فى البلاد فدعنى أذكرك بجرائم أخرى لا يمكن ان نسامح عليها مبارك ونظامه وهى جرائم على كل طيف ولون وفى كل المجالات فهل تنكر ان نظام مبارك وعبر ثلاثين حولا كاملا قام إعلامه بتجهيل وتسطيح الناس وتغييب وعيهم والتفنن والإبداع فى خداعهم وتضليلهم والسخرية من عقولهم فضلا عن تسخير الاعلام تحت خدعة مصلحة مصر فى النيل من الخصوم والأعداء ومن أجل تحقيق مصالح للرئيس تارة وابن الرئيس تارة وحرم الرئيس تارة وكأن هذا البلد  مجرد عزبة لعائلة مبارك كما حدث فى موضوع  مباراة "مصر والجزائر" والتى ثبت تورط علاء مبارك خلفها دفاعا عن مصالحه الاقتصادية بحسب الفيجارو الفرنسية .

أليس مجرماً يا موسى من يروع الملايين كما حدث عقب جمعة الغضب ويقتل الآلاف بينهم نساء وأطفال وشيوخ كذلك ما حدث فى حملة الصعيد التى قادها مبارك على صعيد مصر تحت شعار مكافحة الإرهاب فراح جنوده يبورون آلاف الأفدنة من زراعات القصب ويحرقون محاصيل القمح والذرة وراحت امن الدولة تقتحم البيوت وتقتل من فيها نساء وأطفال وشيوخ ثم تأتى صحف الحكومة لتقول إنهم إرهابيون هاجموا الشرطة كما حدث فى قرية بنى هلال بالقوصية عام 1993 حيث أبادت الشرطة القرية بكاملها تقريبا وما تكرر من إخراج محجوزين مقيدة أيديهم بالسلاسل من أقسام الشرطة ثم إطلاق النار عليهم وبعد ذلك تنشر الصحف أن تسعة إرهابيين حاولوا اقتحام قسم شرطة " أبو تيج بأسيوط" وما حدث من قيام الشرطة بالقبض على عشرات المعتقلين وتقييدهم وإطلاق النار عليهم فى الحميدات وقفط وفرشوط ونجع حمادى وأبو تشت والبلينا وكل مدن الصعيد مليئة بهذه الشواهد والمدهش ان جميع الضحايا تقريبا أبرياء وان عمليات القتل جميعا الناس شهود لها فضلا عن العديد من عمليات الاغتصاب والترويع وحرق المنازل وتسخير البلطجية ضد المثقفين وحملة العلم .

 ومن أهم الشواهد بالغة الدلالة على الاستبداد فى عصر مبارك الذى دام ثلاثين حولا أن ضباط الشرطة كانوا يطلبون دوريا من خواص العائلات فى القرى والنجوع دفع فدية مالية شهرية او سنوية لشراء أسلحة يتم تحريزها كمضبوطات فى حملاتهم بل ان الضباط أنفسهم كانوا يبيعون المخدرات للبعض أحياناً ويدسونها للبعض أحايين أخرى .

التفاصيل يا سيد موسى كثيرة قد نغرق فيها تماما  ولكن لا يمكن لرجل جهَّل شعبه أن يكون بريئا ولا يمكن أن يكون لرجل أفقر وأمرض ولعب فى ثقافة وطبائع شعبه أن يكون بريئا خاصة حينما جعل سمعة المصرى فى العالم كله سيئة للغاية .

لا يمكن ان يكون الشعب فاسد ما لم يكن رأسه افسد فقد يحتال الرجل وأسرته وقد يحاول تجميل صورته أو يجملها له البعض وقد يتلاعب البعض هنا أو هناك من أجله إلا انه لاشك سرق ثروات البلد قد يقول البعض إنها اقل من 70 مليار دولار "420 مليار جنيه مصرى" وأنا أرى أنها اكبر من ذلك ولكن بالقطع هو لص وإلا فما هى تلك الأموال التى أعلنت سويسرا عن تجميدها وهل ينكر احد أن البلاد استنزفت أرضاً وفضاء وبحرا فى ظله .

هل ينكر موسى ان مبارك خان مبادئ الجمهورية وراح يستعمل سلطاته بعد تزييف المجالس لسنوات طويلة فى تعديل الدستور وتفصيله على هواه فى التمديد ثم بعد ذلك سعيه للتوريث ؟

هل تنكر انه قتل حرية الرأى والإبداع وخلق جمهورية أخرى داخل الجمهورية صنعها على هواه فصنع حكومته ومعارضته بكافة تدرجاتها وصنع أحزابه وكتابه وفنانيه وصدَّر هذا الوضع للعالم باعتبار ان هذه هى مصر الكبيرة فلم يسمع قط لصوت مصر الأصلية إلا مصر التى صنعها والتى تقاسمت ثروات البلاد طولا وعرضا وصار اللص فى عهد سيادته لا يخرج من الشباك كما جاء ولكنه يدخل ويخرج من الباب وفى وضح النهار ويضرب له الجميع تعظيم سلام ويبادر البعض بإضفاء التقديس وإسباغ الاحترام له .

هل ينكر موسى أن مبارك كان عميلا لإسرائيل وليس أمريكا كما هو سابقه وانه احد أهم أسباب غزو العراق واستشهاد الملايين من أبنائه وأنه سخر دور مصر العظيمة المقاومة كمجرد حارس لأمن إسرائيل ومصالحها تارة ضد العراق وثانية ضد حماس أو إيران وأخرى فى السودان ورابعة ضد إفريقيا وهكذا .

 هل تنكر أن من اكبر جرائمه وهى الأهم الوقوف ضد أية تنمية مصرية تقود إلى إنشاء دولة عصرية ديمقراطية حرة يمكن أن تنافس على الاستقلال فى العصر الحديث .

هل تنكر يا موسى ان مبارك يعادى الفكر والمنطق وتكرس نخب عصره للجهل و الدجل والانتهازية وصار شعاره ليس البقاء للأصلح ولكن للأغبى وللأفسد والأكثر سرقه ونهبا.

 أنا فى الحقيقة لا أجد أن مبارك صنع أو ترك دولة فموقعة الجمل فى ميدان التحرير كانت تعبيراً بليغاً عن فكر مبارك الرخيص والاستبدادى.

***

محيط – 29 ابريل 2011

مظاهرات قنا .. ثورة فى غير محلها

شعب قنا شعب طيب , صادق وأصيل وقوى العزيمة , لكنه يتصرف بعفوية شديدة ويمكن أن ينقاد بسهولة وراء أى محتال أو مغرض , طالما أنه ظهر لهم بثياب الحمل لا الذئب , أو لمجرد أنه قال لهم إنه شخص طيب , وهو شعب يخدع بظاهر الأمور فى الغالب ولا يكلف نفسه عناء البحث فى مدلولاتها.

وأنا كواحد من أبناء محافظة قنا اعترف بأن ما يحدث هناك من مظاهرات احتجاجاً على تعيين محافظ جديد وما تلاها من قطع للسكك الحديدية والطرق الدولية , هو أمر فى غير محله , بل هو أمر معيب ولا يمكن القبول به لاسيما أن من جاءوا بهذا المحافظ  هم رجال الثورة وليس رجال مبارك , وخاصة أن ذلك يأتى فى ظل ثورة تحدث عنها العالم , وتقول أدبياتها أنه قامت احتجاجا على الطائفية التى غذاها النظام البائد وجهازه الأمنى اللعين , وأن تلك الثورة تقف مع العدل والمساواة , وأنها تعبير عن إرادة الشعب , مسلمين ومسيحيين , بحاروة وصعايدة , عمال وفلاحين , شيوعيين وقوميين وليبراليين وإسلاميين , وتلك الأدبيات والشموليات هى التى جعلت العالم كله يتعاطف معها .

إلا أن من حرم من الحرية نحو 30 عاما لدرجة أفقدته معناها وقيمها  وقيمتها , قام بخلع جميع ملابسه وأراد السير بين الناس عاريا  حينما سمحوا له بالتعبير عن رأيه ظناً منه أن هذه هى الحرية التى افتقدها طوال هذا الردح الكبير من الزمن , وقديما قالوا إن ابنا سأل أباه "علمنى التفاهة , فقال الأب : تعالى فى الفارغة وتصدر".

والفارغة هنا أن يكسر أبناء بلدى القنائية المزاج العام للشعب والبلاد التى تعيش أجواء كرنفالية ثورية عظيمة فيها ما فيها من تسامح وإخاء , وراحوا يطالبون بإقالة محافظ جديد لم يجلس على كرسيه بعد , وحجتهم فى ذلك أنه مسيحى , إنه عذر أقبح من ذنب , وهو عذر غير عادل بالمرة وأساء بشدة إلى الثورة والثوار فى نظر العالم , الذى يراقب المشهد المصرى عن كثب , كما أحرجت حكومة ابن الثورة البار الدكتور عصام شرف وكذلك رجال المجلس العسكرى وهما الذين ينفذون إرادة الشعب , خاصة أن تلك الثورة سُوقت عالميا  على انها ثورة عدالة اجتماعية وليست ثورة طائفية تقصى الأغلبية فيها الأقلية .

كنت أتمنى أن يقود أبناء بلدى تلك المظاهرات ضد نفس المحافظ الجديد بحجة انه رجل من رجالات النظام البائد , وقتها كان الجميع سيقف معهم وعلى رأسهم الدكتور شرف نفسه , ولكن لأنهم رفعوا شعار كونه " مسيحياً " لتبرير إقصائه فقد اخرجوا الموضوع عن سياقه , وأساءوا بشدة للمسيحيين شركاء الوطن بالداخل أولاً وللثورة ثانيا , وبالتالى لا يمكن أن يستجيب لا المجلس العسكرى ولا مجلس الوزراء لمطلب الإقصاء , ولن يتعاطف مع مطالبهم كل ابناء الثورة , فضلا عن فقدان الاحترام خارجيا , ولو استجاب المسئولون لهذا المطلب الآن فسيكونون قد دشنوا – فى نظر الداخل والخارج – لحقبة طائفية وبالتالى تلطيخ ثوب الثورة الأبيض فى عيون المراقبين .

أنا بصراحة مشفق جداً على المسئولين – الحكومة والمجلس – جراء تلك الأزمة التى تسببت فيها قلة الوعى  التى سقاها مبارك للناس سقاية , ولذا يجب أن اسرد شكوكى حول المتسببين فى اشتعال تلك الأزمة وخداع الشباب المتحمس وهم ثلاث فئات :

الأولى هم أصحاب المصالح وهم الذين يطمحون فى ان يتقلد شخص يخّدم على مصالحهم زمام المحافظة ويطرحون أسماء بعينها مثل اللواء عادل لبيب المحافظ الأسبق رغم انه ركن من أركان النظام البائد وسبق أن طرده الاسكندرانية شر طردة.

والثانية هم بعض العائلات التى تنتمى للوطنى المنحل , وهم عائلات صغيرة العدد فاحشة الثراء ,  أضرت الثورة بمصالحها , فراحوا يرسلون برسالة يقولون فيها أنهم أقوياء وقادرون على تحريك الشارع , ولذا يجب التفاوض معهم للخروج من الأزمة , الامر الذى يعيدهم إلى تصدر المشهد السياسى مجددا.

والثالثة وهم شخصيات ذات تأثير واسع على البسطاء والمهمشين , تقودهم عواطف عنصرية , وان كان ينقصهم الوعى السياسى , وأمثال هؤلاء بعض السلفيين .

ودعونى أقدم اقتراحات للخروج الأمثل من تلك الأزمة بما يحفظ للثورة ثوبها النقى الأبيض الطاهر , وهى ان يقوم الدكتور عصام شرف بتعيين محافظ آخر للمحافظة يشترط ان يكون مسيحيا وينتمى لصفوف المعارضة للنظام السابق وأنا أرشح هنا الدكتور جمال اسعد المعارض الناصرى البارز.

وبهذا الاقتراح سنكون قد جنبنا الثورة تلطيخ ثوبها بالعنصرية , وتجنبنا الإساءة لشركاء الوطن من جهة أخرى , كما احذر المجلس العسكرى أو مجلس الوزراء من ان يرشح أياً من أبناء قنا لتولى زمام أمور هذه المحافظة لاسيما فى هذه الأوقات الاستثنائية.

واقترح على الزملاء الثوار – لاسيما شباب الإخوان المسلمين -  فى قنا تنظيم مظاهرات حاشدة تدعو وتؤكد للوحدة الوطنية .

وأرجو من شباب الثورة فى قنا تجنب الاندفاع فى مطالب غير موضوعية , وان يركز على طرد فلول النظام البائد وان يصنع مستقبلاً أفضل , وان يرتب أولويات مطالبه , ومدى إمكانية تحققها , وما أهمية تلك المطالب , ومن يضار منها ومن يستفد , مع العلم بأن هناك اتجاهاً لدى قطاعات واسعة من شباب الثورة تنظيم مظاهرات مليونية تطالب بالوحدة الوطنية وعدم العنصرية , الأمر الذى قد يسىء إلى شباب بلدى ويظهرهم على غير ما يقصدون بأنهم من أنصار الثورة المضادة.

****

محيط – 10 مايو 2011

خطة الوطنى للاستيلاء على الحكم

استمرت الاضطرابات التى ينظمها رجال الاقطاع فى فرنسا عقب الثورة الفرنسية سنوات عديدة ربما دامت 12 عاما كاملة , ثم برزت بعد ذلك الإمبراطورية الفرنسية وعبرت حدودها الضيقة إلى ما وراء البحار والمحيطات محققة واحدة من كبريات الإمبراطوريات فى التاريخ , إذن فلم تحقق الثورة المضادة -أو محاولات المقاومة بتعبير أدق - شيئاً سوى أنها عطلت انطلاق القطار لبعض من الوقت ولكنها لم تستطع منعه, وفى اندونيسيا لم يستطع أنصار نظام الديكتاتور "سوهارتو"- وهو نظام شديد الشبه بنظام مبارك اللصوصى - احتواء الثورة الشعبية التى أطاحت به وبنظامه فى العقد التاسع من القرن المنصرم وباءت كل محاولات رجاله لإشعال الفوضى أو"الثورة المضادة" بالفشل على مدى ثلاث سنوات ثم انطلقت قاطرة اندونيسيا التنموية وتحولت شيئاً فشيئاً إلى دولة مصدرة للتقنيات والتصنيع.أقول ذلك لمن اعتقدوا أن بإمكانهم ان يجروا القاطرة إلى الوراء أو أن يطفئوا نور الله الذى انعم به على مصر بعد طول ظلام وإظلام, وهى محاولات يائسة وفاشلة , ستقاومها يد الله خالق تلك الثورة قبل أن يقاومها الثوار أنفسهم.وما محاولات أزلام مبارك وبقاياه لإثارة الفوضى إلا واحدة من مخطط كبير لكى يعود اللصوص لحكم مصر مجددا,ويستمروا فى امتصاص دم الشعب , واستغلال حالة الانخفاض الثقافى التى هم من جذر لها وعمقها فيه , لتكون المعادلة أما نحن أو الفوضى , مع الأخذ فى الاعتبار فى هذه النقطة ان النجاح الكامل للثورة يعنى ليس تجريد هؤلاء من الأموال التى نهبوها فحسب, ولكن إيداعهم فى السجون وربما الإعدام , فضلا عن الفضح الاجتماعى , وبالتالى فان عرقلة تقدم الثورة بالنسبة لهم هى قضية حياة أو موت.خمسة محاور رئيسة للانقلاب على الثورة هى "الأحزاب الجديدة" و"تغذية النعرات الطائفية " و"الانفلات الأمنى" و"المطالب الديمقراطية" و"التشكيك فى النزاهة" ولكل فئة شرحها.فلقد استغل أزلام مبارك المناخ الديمقراطى الذى أتاحته قوانين تشكيل الأحزاب السياسية بعد الثورة وراحوا بما لهم من أموال وأحياناً امتدادات طائفية إلى التسلل عبر تلك الأحزاب وأيضاً تأسيسها , وارتدى معظمهم ملابس الثوار, وراحوا يغرقون المجتمع بسيل من الأحزاب التى لا تحمل فكرا أو برنامجا أو توجها ذا قيمة , وحتى لا يكتشف أمرهم قاموا بتصدير وجوه جديدة لقيادة تلك الأحزاب , واعرف - من مصادرى الخاصة - أن توجيها صدر - لا اعرف مصدره - لكل المشيخات الخاصة بالحزب الوطنى بإنشاء أحزاب جديدة الأمر الذى قد ينتج عنه ظهور آلاف الأحزاب للضوء وجميعها تنتمى للحزب الوطنى , على أمل أن تأتلف ذات يوم فيعود الحزب الوطنى وبرموز فساده ولكن باسم جديد وبشكل أقوى.ومن تلك الاحزاب حزب يسمى "المواجهة " أسسه شخص كان يدعو للتوريث وتربطه بجمال مبارك علاقة وطيدة ويبدو انه تلقى تمويلا ضخما فراح يركز على الفيسبوك وينشر إعلانات مدفوعة الأجر عليه , واستقطب عددا لا بأس به من الشباب الذين يجهلون حقيقته , وكذلك هناك حزب "الحرية" الذى أسسه معتز محمد على محمود صاحب مصانع اسمنت قنا ويضم فى عضويته قطاعاً كبيراً من أغنياء الحزب الوطنى , وكذلك حزب "التضامن" الذى أسسه رجل الأعمال "أبو المواهب المحرزى" شقيق القيادى فى الحزب البائد "أبو النجا المحرزى" وقد أعلن عن تأسيس هذا الحزب - وعبر حيلة - من خلال قاعة مؤجرة بنقابة الصحفيين , وعمد إلى حذف كلمة "المحرزى" حتى لا يفتضح أمره, علما بأن أبو المواهب المحرزى تربطه علاقة وطيدة مع أبو الوفا رشوان حارس مبارك الشخصى , ويقوم حسام مروان صاحب منتجعات ارابيلا التى كان يقطن بها علاء مبارك بتأسيس حزب سياسى بالتعاون مع قيادات مشيخة الحزب الوطنى بالقاهرة الجديدة.وهناك حزبا " نهضة مصر"و"نهضة الثورة المصرية" ومقر الأخير فى ميدان رمسيس , وكلاهما ينتميان للحزب الوطنى, كما توجد أيضاً أحزاب تحمل أسماء الثورة  مثل " حزب 25 يناير" وعلى الأرجح انه تم تغيير اسمه بناء على قانون الأحزاب الذى يحظر احتكار اسم الثورة لحزب ما.ويجرى عبد الرحيم الغول مساعيه لتأسيس حزب فى نجع حمادى بقنا بينما يقوم رجل النظام والمعارض - معا- رجب هلال حميدة بالمشاركة فى "اتحاد القوى الوطنية" مع آخرين من الحزب الوطنى.ولا يفوتنى أن انوه إلى أن قانون الأحزاب الجديد لا غبار عليه وان رقم الخمسة آلاف توقيع لا يمثل معضلة بل نطالب بأن يكون عشرة آلاف توكيل لضمان الجدية , ولكن بشرط ان يتم إشهار الحزب فى الصحف الرسمية على نفقة الدولة وان تخفض مصروفات إجراء التوكيلات , مع ضرورة ان يجرى تنفيذ القانون بأثر رجعى على الاحزاب القديمة , لان احصاءا لعدد المنتمين لنحو عشرين حزبا قائما فى مصر الآن - من اصل 24 على ما اعتقد - قد لا يتجاوز الألف عضو مجتمعين , وهى أحزاب وهمية يقودها رجال امن الدولة المنحل وقد أسست لإكمال الديكور الديمقراطى للحزب الوطنى.وما مظاهرات قنا وما سبقها او تلاها من أحداث الا واحدة من الاساليب الواضحة ل"تغذية النعرات الطائفية" والقبلية التى عمد اليها أزلام مبارك , وكذلك تغذية الصراعات الثأرية فى المنيا , وأنا أتصور أن قضية السيدة كاميليا شحاتة زوجة كاهن مغاغا قد تصلح - بحسب رؤية رجال الوطنى - ان تكون المفجر لفتنة طائفية عنيفة قد تعصف بالثورة والثوار, وقد ينتج عنها احد خيارين أما تحويل كثير من المسيحيين والسلفيين الى مناهضين للثورة فى حال ارتخاء يد الجيش , أو أن تمتد يد الجيش لتقمع الجميع ويتم التضحية بالدولة المدنية.وكذلك إيهام رجال الحزب الوطنى والأمن السابقين ل "البلطجية "و"المسجلين خطر" بان الوقت سانح لهم بان يبطشوا بالمجتمع والانقضاض على الثورة قبل ان تنتصر فيتحولوا هم الى وقود لها , او على الأقل إنهم لن يحصلوا على ما كانوا يحصلون عليه من مزايا فى النظام القديم.وقد لعب المخططون لهذه الأحداث على فضول الشعب المصرى بحيث تعطل أية معركة بين عدة أفراد المرور فى الشوارع , ليس بسبب المعركة , ولكن بسبب الآلاف الذين وقفوا يشاهدون تفاصيلها , وهو ما حدث فى المعركة التى دارت بشارع عبد العزيز والتى نشبت بين نحو 20 شخصا ولكن الآلاف وقفوا ليشاهدوها مما عطل المرور لعدة ساعات وسط القاهرة , وبالطبع نمت الشائعات المرعبة حول حقيقة ما يحدث , مما خلق انطباعا بأن هيبة الدولة سقطت بسقوط الطاغية مبارك.أما رابع تلك النوعيات فهى "المطالب الديمقراطية" وهى مطالب عادلة ومشروعة ولكن الإصرار عليها فى هذا التوقيت الحرج حيث توقفت حركة الإنتاج وتراجع احتياطى النقد للبنك المركزى قد يقود إلى كارثة.والوسيلة الأخيرة من وسائل الانقضاض على الثورة فهى "التشكيك فى نزاهة " بعض الشخصيات التى ساهمت فى اندلاع الثورة  , وقد بدأ الأمر من مجرد تشكيك فى بعض الثوار من الشباب , الى التشكيك فى كل الشخصيات التى تمثل ثقلا عند أنصارها , ولم ينجو احد من تلك الحملات التى طالت الجميع , مرورا بموسى والبرادعى وحمدين والبسطويسى وحتاتة وبلال , بل انه بعد زيادة شعبية الدكتور عصام شرف وإنجازه فى ثلاثة اشهر ما لا يمكن إنجازه فى عدة سنوات راحت صحف تشن عليه حملة مغرضة وتختلق القضايا التى تطعنه بها , وتتهمه بالضعف تارة والعمالة تارة وادعاء البطولة تارة بل إن إحدى الصحف لم تجد ما تتهمه به , فتساءلت عن السبب الذى جعله يترك مصر وذهب للعمل فى الخارج ثم يعود قبيل الثورة , وراحت اخرى تترك النشر فى المليارات التى نهبها مبارك وعصابته وفردت مانشتا عريضا تتهم شرف بأنه حصل لوالدته على علاج بقيمة 100ألف جنيه , وهى اتهامات فى الغالب لا تسىء لشرف بقدر ما تسىء لمن اتهموه.

*****

محيط – 29 مايو 2011

عن مخطط تخريب الثورة وتسفيه الثوار

منذ أيام قلائل نشرت صحيفة "روزاليوسف" تحقيقا مثيرا حول أحداث إمبابة , الصحيفة أوردت اعترافات نادرة لعدد من البلطجية الذين شاركوا فى إشعال فتيل تلك الأزمة - التى أساءت للثورة بشكل خطير - وراحوا يسردون الأرقام التى تم دفعها  لهم - 5 آلاف جنيه للواحد منهم - واسم ضباط الشرطة الذين قاموا بالدفع لهم ممن يعملون فى قسم شرطة امبابة , والعمل الذى يجب ان يقوموا به وهو إحداث تجمهر وإثارة الفوضى واختلاق الشائعات وتغذية الشعور الطائفى واطلاق النيران بشكل عشوائى لإثارة الهلع , ورغم أننى تصورت ان هذه الاعترافات ستقلب الدنيا رأسا على عقب لاسيما أن من نشرتها صحيفة قومية , إلا أن شيئا لم يحدث وكأنها لم تنشر أساساً , وما يزيد الطين بلة أن شهوداً أكدوا انه لا قوات الشرطة ولا الجيش تدخلت للسيطرة على الموقف - رغم تواجدهما - حتى سقط  ضحايا من المسلمين والمسيحيين.

وفى برنامجه الشهير "آخر كلام" على "أون .تى. فى " راح الإعلامى الرائع يسرى فودة يستضيف ثلاثة من رؤساء القطاعات فى الجهاز المركزى للمحاسبات - أكبر وأهم جهاز رقابى فى مصر- حيث قاموا بتفجير الموقف تفجيرا , حيث كشفوا بالمستندات ما لا يخطر على بال , عن أن تقارير القمح المسرطن ظلت حبيسة الأدراج  ليس فى عصر مبارك فحسب ولكن استمرت فى محبسها حتى الشهر الماضى , ولم تخرج سوى بضغوط شديدة على رئيس الجهاز , ليس ذلك فحسب بل راحوا يقولون ما يفهم منه إنهم يمتلكون الأدلة على استمرار تواصل رئيس الجهاز الحالى مع مبارك حتى الآن , ولمن لا يعرف فان ما جاء فى التقرير أن آلاف الأطنان من الأقماح المسرطنة تم استيرادها بربع الثمن وبيعت بخمسة أضعاف الثمن للحكومة رغم عدم سلامتها , ومن أجل التغطية على فسادها خلطت فى ملايين الأطنان من الأقماح البلدية السليمة , الأمر الذى تسبب فى انتشار الأمراض السرطانية والكلوية والكبدية , وقالوا إنهم يمتلكون تسجيلات يحذرهم فيها الملط من فتح هذا الملف لأن " فخامة الرئيس" يرغب فى  إغلاقه , حتى الآن والمفاجأة لم تذكر بعد والتى تمثلت فى وجود نحو 77 مليار جنيه فى البنك المركزى أكدوا أنها مخصصة للصرف على الثورة المضادة .!!

فى الواقع توقعت أن لا يصبح صباح جديد على مصر بعد تلك الحلقة إلا وسنجد شيئاً من اثنين , أما أن يطل علينا مبارك وعصابته من شاشة التلفاز ويخرجون لنا ألسنتهم ويقولون "انتم صدقتم الثورة , إحنا ضحكنا عليكم "واما نكتشف ان المتظاهرين فى أجواء جمعة الغضب عادت مجددا تنادى "الشعب يريد إسقاط الرئيس" لكن أيا منهما لم يحدث صباحا فحمدت الله , وصليت له ركعتين تمنيت فيهما على الله ان يتم نوره على مصر.

وفى مقال له كتب "الدكتور محمد عباس" صاحب مقالة "من يبايعنى على الموت" الشهيرة أن أصدقاء له يعملون فى جهات كانت تتعامل مع جهاز أمن الدولة - سابقا - أن ضباط الجهاز المنحل أطلقوا جميعا  لحاهم ورجح "عباس" أن يكونوا هم من يمثلون أدوار السلفيين فى حيلة لافتعال وقيعة بين طبقات المجتمع وطوائفه, فى حين أكدت لى زميلة زوجها يعمل عميد شرطة أن جهاز أمن الدولة يعمل بكامل طاقته الآن وبشكله القديم ولم يتغير سوى الاسم فقط لا غير.

ومنذ أسابيع تواتر النشر من قبل صحف أوروبية وأمريكية عن أن " الترليونير" الهارب حسين سالم اتفق مع شركة تعمل فى مجال " تحسين سمعة الأشخاص السيئين" لتحسين سمعة مبارك وزوجته وأولاده مقابل مليار دولار, بحيث تقوم بشراء الذمم والشهود والمستندات التى تؤدى الى تبرئتهم من كل ما هو منسوب إليهم من فساد , وفى نفس الصدد نشرت صحف أوروبية وعربية أن عددا من رجال الأعمال العرب والأوربيين رصدوا 100 مليون دولار لتبييض وجه مبارك عالميا.  

وإزاء هذا الكم من المعلومات - ومنها ما لا نستطيع أن نذكره لقسوته وصادميته - كان يجب أن نرى تغييرا , ولكن الأفعال عكس الأقوال , فما أن يتم التحقيق مع سوزان ثابت حتى نفاجأ بأنها مريضة تحتاج لجراحة عاجلة , ثم تفيد تقارير إنها سليمة , ثم تقارير تؤكد سوء حالتها النفسية , وبدلا من أن يطبق القانون عليها فوجئنا بأنه تم التصالح معها بشكل انفرادى بحجة إنها تنازلت عن أملاكها للدولة " قصر أثرى تابع للدولة أساساً كانت قد استولت عليه و24 مليون جنيه وهو مبلغ لا يكمل ثمن فيلا من مئات الفلل التى يبيعها شقيقها الهارب منير ثابت فى جولف القطامية", وهو الأمر الذى تلاه وسبقه الإفراج عن أمين أباظة ومفيد شهاب وفتحى سرور ثم زكريا عزمى وآخرين , وكأن ما حدث مجرد تمثيلية وحينما انفضت خرج الممثلون .

ولقد لفت انتباهى أمر قد يبدو بسيطا لكنه ترك فى قلبى قبل ذهنى انطباعا حزينا , وبعضا من الريبة , فما إن أدلى الأستاذ محمد حسنين هيكل بشهادته أمام جهات التحقيق حول تصريحاته بشأن ثروة مبارك , حتى تبارت وسائل الإعلام الرسمية فى التأكيد على أن المعلومات التى تم الإدلاء بها كانت مبنية على ما نشر فى وسائل إعلام خارجية كما لو كانت تريد أن تؤكد أن مبارك برىء وهيكل بالغ فى تصريحاته ومعلوماته فشنك , لاسيما أنه فور إدلائه بتلك التصريحات , شن الطابور الخامس من الكتاب والصحفيين " كُتاب أمن الدولة " هجوما حادا عليه من خلال البحث فى تاريخه وكأنه هو من ارتكب جرما فى حق الشعب وليس مبارك.

الآن دعونى أرصد تقديراتى عما حدث فى مصر الثورة  وأنا لا ألقى اتهاما على أحد :

* فإطلاق حرية الأحزاب قبل إتمام الثورة لأهدافها كاملة بقدر ما هى تقدم نحو الديمقراطية , إلا انه من الممكن أن تعتبر محاولة لتفتيت وحدة الثوار وتحزبهم , وبالتالى إظهار الخلافات الفكرية الطبيعية بينهم مبكرا, فضلا عن اختراق هذا المناخ بتأسيس عدد كبير من الأحزاب المنبثقة عن الحزب الوطنى وهو ما إذا أضفنا له وجود نحو 20 حزبا من الأحزاب القديمة التى أنشأها جهاز " أمن الدولة" ستكون الغلبة لأحزاب الوطنى , وهو ما أشرت له تفصيلا فى مقال سابق بعنوان "خطة الحزب الوطنى للاستيلاء على الحكم".

* أما التلويح بالأزمة الاقتصادية وتضخيمها فهى محاولة لإعادة تشكيل وعى الأغلبية الصامتة من "المهمشين "و" ناقصى الوعى" بأن الثورة ومليونيات التطهير هى السبب وراء سوء أحوالهم الاقتصادية وليس نظام مبارك ,رغم أن تلك الأزمة ليست جديدة على المصريين , وهم يعيشونها منذ سنوات بل إنها هى مفجرة الثورة أساساً , ولا احد ينكر تفاقم أزمة البطالة فى عصر مبارك , ولا ينكر أيضاً أن الأزمات التى يعيشها المصريون الآن هى أزمات موسمية تحدث كل سنة , مثل أزمة الغاز والسولار والخبز والخضروات حتى انه فى أغسطس الماضى وصل سعر كيلو الطماطم 15 جنيها والجميع يعلم ذلك , فما الجديد إذن؟ فضلا عن أن آثار الأزمة المالية العالمية تأخر وصولها إلى مصر وبالتالى تأخر انتهاؤها منها.

*الملاحظ أن عددا من الفضائيات لاسيما المصرية تعمد الى استضافة عدد ممن تقول عنهم إنهم ثوار وتسبغ عليهم الألقاب وحينما يتحدثون نكتشف انهم غير مثقفين أو قليلو الوعى , وأحيانا ذوى توجهات فكرية لا تتسم بالوطنية أو المنطقية أو المسئولية , وهو ما يمكن اعتباره محاولة لتسفيه الثوار , الغريب أن تلك الممارسات هى ذاتها التى كان يتبعها "جهاز أمن الدولة" مستبعدا فى ذلك أصحاب المنطق والوعى , الأمر الذى يكون له مردود عميق السوء لدى المتلقى.

*أخشى أن يكون التأجيل المتكرر فى الأحكام على رموز فساد مبارك هو محاولة لكسب الوقت حتى تؤتى مخططات التفتيت واكتمال مقومات نجاح الثورة المضادة ثمارها.

* من الملاحظ أن عددا كبيرا من الصحفيين الذين يهاجمون الدكتور عصام شرف رئيس مجلس الوزراء هم أنفسهم من كانوا فى السابق أبواقا لمبارك, ولا يفوتنى هنا أن أشير إلى أنه حينما طرحت فكرة المصالحة مع مبارك استضافت الفضائيات بعضا منهم , فراحوا يرحبون بالفكرة ويمجدونها الا أنه بعد الهجوم عليهم من المتصلين سواء أو من الضيوف الآخرين فى تلك الحلقات, حاولوا الظهور بمظهر المحايدين وانتقلوا "جميعا" للهجوم على رئيس الحكومة متهمينه بالضعف هو أو منصور العيسوى وزير داخليته ,الأمر الذى يؤكد نزاهة هذا الرجل أو ذاك وحرصهما على خدمة الثورة.

رسالة الى المجلس العسكرى :

 إننى أناشد المشير طنطاوى وهو رجل شهم ومعه جميع رجالات المجلس العسكرى وأقول لهم : إن باب التاريخ مفتوح لكم على مصراعيه , ادخلوا من أين شئتم , وتمنوا على مصر الأمانى فهى كريمة عليكم وحنونة وسعيدة بكم, ومتسامحة وسمحة معكم , ولكنها هى الآن تستحلفكم بنخوتكم أن تخلصوها من نظام مبارك بشكل حقيقى وسريع حتى يعود الاستقرار إليها وحتى لا يشمت فيها أعاديها , تدعوكم أن تنقلوها الى الديمقراطية والحرية , أن تقيموا فيها العدل والمساواة , أن تحموا حدودها , وتحموا شعبها من أخطار الداخل والخارج , حتى  تتبوأ مكانتها عالية بعدما مرغتها تلك العصابة فى السخام , وتوصيكم بألا تأخذكم بهم شفقة ولا رحمة ولا عشرة , فقد خانوا مصر وعملوا على تخلفها وإفقار وتجهيل شعبها وتركيعها طوال سنوات طويلة مشئومة مضت, رغم أن شعبها أول من عرف الكتابة وشيد  أكبر منارة للمعرفة فى التاريخ" مكتبة الإسكندرية ", واستذلوا شعبها وهو شعب فى غالبيته شعب طيب مسلم ومسالم.

مصر يا سادة, وانتم أرباب الوطنية والفداء ولا تثريب عليكم , لا يمكن أن تتوقف على مبارك وعصابته , فهم لم يصنعوا دولة قط , بل أداروا مصر العظيمة كما يدير الإقطاعى الوسية , نكسوا هامتها , وشردوا شعبها فى كل بقاع العالم , ولم يراعوا فيها ذمة ولا دينا , ولا يصح أبداً أن نرحمهم ونفسح لهم المجال للإفلات بجرائمهم , فمصر كنانة الله ودرة الشرق وحصن العروبة , بها أوصاكم الرسول الكريم خيرا - وهم من أثاروا الفتن ومازالوا , وقال أيضاً "من أذى ذميا فأنا خصيمه يوم القيامة " لكنهم هم - ولا يمكن ان تكونوا أنتم - خالفوا وصايا الرسول , وقال عنها نابليون "من سيطر على مصر سيطر على الشرق" وجعلها هتلر ركناً من ثلاثة أركان للسيطرة على العالم , وقال أفلاطون عنها حينما اطلع على حضارتها أيها الرومان أنكم أطفال , فمصر هى  من هزمت  طوفان المغول وهى بلا قيادة أو جيش , هى التى تعقبت الصليبيين وقضت عليهم للأبد وسجون المنصورة تشهد ,هى التى صمدت فى وجه فرنسا وبريطانيا وإسرائيل , هى التى أسست جامعة العرب , مصر هى احمد عرابى ورفاعة الطهطاوى وعبد الناصر ,مصر هى منارة التحرر العربى والإفريقى والعالمى ولا يستقيم الكون بدونها, ولذلك فلا يجب أن تتوقف حركة الكون او تتعطل دورة التاريخ على مبارك وعصابته , هيا افعلوا , مصر فى انتظاركم ولن نصدق أى كلام مغرض بحقكم , هيا فباب التاريخ مفتوح لكم - وأنت أهل لدخوله - وضعوا تلك الشرذمة فى غياهب السجون التى سجنوا فيها الأبرياء طوال حقبتهم السوداء , وصدقونى أن الشعب لا يمكن أن يسامح فى إطلاق سراحهم مهما كلفه الثمن .

فالناس يا سيادة المشير تضيق ذرعاً بمجرد سماع أسمائهم , وهناك 85 مليوناً شاهد على فسادهم وخيانتهم لبلدهم وشعبهم وعروبتهم , وأنتم من تقدرون على طمأنة الناس وانتشال مصر , والتاريخ سيخلدكم , هيا افعلوا.

****

محيط – 31 – مايو 2011

ثورة صنعها الله .. لابد أن تنجح

ان ثورة صنعها الله وأنبتها ورواها حتى أتت أكلها ,لا يمكن أن تهزمها مكائد مبارك وعصابته , بل أن تحدى الثورة المصرية قد يعد فى حد ذاته تحديا لإرادة الله التى قهرت وعرت كل حيل الخداع والكذب والتسطيح والتجهيل التى دأب مبارك وعصابته سقاية الشعب بها طيلة ثلاثين عاما عجفاء مضت.

إن إرادة الله هى التى أنارت بصيرة شعب ظل يخدع حتى اللحظة الأخيرة , وظل المٌخادع يضرب بشدة على أطناب ما خلفه فيهم من أمية , وأمية متعلمين , وانتهازية مثقفين وهم الفئة التى حاول مرارا وتكرارا شراء ضمائرهم بمصالحهم وسقايتهم فنون الأنوية والانتهازية , علما بأن نحو 35 % من الشعب المصري مازال اميا لا يجيد الكتابة القراءة , فى حين أن نصف النسبة الباقية تعانى من أمية المتعلمين, فى حين أن نسبة كبيرة من المثقفين رضخت لإغراءات وذهب المعز.

أليس الخروج من هذه المعادلة القاسية بانتصار إرادة الحق والخير والثورة هو فى حد ذاته إنجاز يصل إلى حد الإعجاز ؟

ألم يكن انحياز الجيش الى صالح الشعب أمرا غير متوقع هذه المرة قياسا بتدخله لصالح النظام فى انتفاضة الخبز 1977 وأحداث الأمن المركزى 1986 , وقد تجلى انحيازه ذلك فى صور شتى  ومنها الجبهوى كقيامه بتأمين نحو 12 مدخلا من اصل 13 مدخلاً لشوارع تؤدى الى ميدان التحرير كان من الممكن أن يقوم بلطجية مبارك بالهجوم على الثوار من خلالهما , فيخلفوا اكبر وأبشع مجزرة حدثت فى تاريخ مصر , ثم راح يترك المدخل المطل على ميدان عبد المنعم رياض ليكون شاهدا على حجم وقاحة وبلطجة أنصار مبارك.

بكل صراحة .. أعجب من الذين دأبوا على مهاجمة المجلس العسكرى الحاكم فى مصر بسبب وبدون سبب , نعم هناك تباطؤ فى القبض على المجرمين فى النظام البائد ولكن يجب ألا نغفل ان تركة الفساد التى خلفها الرئيس المخلوع كانت ثقيلة للغاية , ولا يمكن ان نصلح فى90 يوما جل ما أفسده مبارك فى 30 عاما , ومع ذلك فان ما تحقق حتى الآن من انجازات ما كان ليتخيله حتى ابدع المبدعين خيالاً .

كما اننى , والشهادة لله ,  احترم بشدة أدوار جميع رجال المجلس العسكرى طيلة هذه الفترة , لأنه لم يستطع مصرى واحد ان يسجل للمشير طنطاوى والفريق عنان انفرادا بالقرارات , بل ولم يسجل لأى منهما ظهور اعلامى .

لقد بدا المجلس العسكرى – رغم كل محاولات التشكيك والوقيعة بينه وبين شعبه – ديمقراطيا لأبعد مدى , حريص بصدق على نقل مصر من التخلف والفساد والاستبداد الى طور الدول القوية المتقدمة , ولم يقدم أبطال جيشنا العظيم مصالحهم الشخصية على مصلحة وطنهم .

كنا ننتقد التباطؤ فى تقديم مبارك للمحاكمة , وكنا نقول ان كل ما يقوله – العسكريون – بخصوص ذلك مجرد وعود وتطمينات هدفها كسب الوقت وتمييع القضية , لكنهم اثبتوا أنهم الأكثر وطنية منا , وخيب الله سوء ظننا فيهم .

أنا لا أريد الخوض فى تفاصيل بطولات الجيش المصرى وتلاحمه مع شعبه ضد الطغاة , فالشواهد حقا متعددة منها ما يمكننا أن نتحدث فيها ومنها ما لا يجب أن نتحدث فيها “الآن” ولكن جميعنا يدركها , بعدما تسربت معلوماتها إلى الشارع وأكدتها الأحداث,وكلها شواهد تجعلنا نعتز بأننا شعب خرج منه هذا الجيش .

لقد تدخلت إرادة الله لإنقاذ الثورة حينما رفض الجيش مساندة الشرطة فى قتل الشعب فى جمعة الغضب كما طلب منه مبارك – بحسب التسريبات.

وتدخلت العناية الإلهية ثانية فرفض الجيش البطل قتل المتظاهرين فى جمعة الزحف أمام قصر العروبة , بل وتعهد بحماية الشعب من أية يد تمتد إليه , كما وقف الجيش ضد أية محاولة ترويع بالطائرات أو من خلال منافذ مترو الأنفاق لثوار ميدان التحرير, ثم راح يتمدد فى طول البلاد وعرضها يحرس ويحمى أعراض الشعب وممتلكاته محطما مخطط الفوضى الذى تنفذه الثورة المضادة فى مقتل .

حقا لقد كان الجيش فى كل هذه الأوقات بمثابة يد الله الباطشة بالظالمين.

لقد خيبت إرادة الله مساعى نظام مبارك فى إثارة الفوضى مرات عدة , فالمظاهرات الفئوية التى أراد بها تنفيذ مخطط الفوضى وتخريب البلاد ها هى تتحول إلى معاول لاقتلاع بقايا النظام الفاسد , وخطاب مبارك الذى بثته العربية وأراد منه الوقيعة بين الجيش والشعب وإرسال رسالة إلى خلايا الحزب الوطنى لاستكمال مسلسل الفوضى , نتج عنها انه أودع ليس هو فقط فحسب بل كل  آل مبارك فى السجون وعجل بمحاكمتهم جميعا , ولم يستمل تعاطف البسطاء هذه المرة بل قابلوه بسخرية وتندر.

إنها حقا إرادة الله هى التى هيأت رجال المجلس العسكرى والدكتور عصام شرف ووزراء حكومته ليقودوا البلاد  فى وقت هى بحاجة حقيقية إليهم فيه.

***

البصرة  1 يونيو 2011

واحد من ضحايا مبارك

اختلط الحابل بالنابل , وحاول المهرجون اعتلاء قمة المشهد الجدى , رغم أن تاريخهم يذخر بالعبث وأحيانا العمالة أو حتى الخيانة , كان الواحد منهم مجرد حذاء لمن يدفع وبقدرة قادر تحول إلى رجل مبادئ,

عمل بعض المهرجين كمبرراتية لجرائم مبارك وجهازه القمعى "أمن الدولة" الذى خرب الدولة وأهان كرامتها وما إن انهار هذا النظام الفاسد حتى وجدنا هؤلاء العملاء يعتلون قمة المشهد الثورى , وليت ذلك فحسب بل راحوا بكل جد ونشاط وكذب يتهمون ضحاياهم السابقين من الشرفاء بأنهم هم عملاء مبارك ونظامه.

ولأن قدرة الله التى أطاحت بمبارك وجزء من عصابته وخلعتهم من كراسيهم خلعا قادرة على أن تقتلع باقى أزلامه فقد جعل هلاكهم فى كذبهم ومن بين حصاد ألسنتهم وقلة وعيهم , وذلك لأن أولى التدبير هلكى والله قادر على أن يعريهم كما عرى زعيمهم.

تخيلوا أن نفرا من هؤلاء الحمقى الهالكين راح يلسن علىّ فى غيابى بأننى عميل لأمن الدولة رغم أن الجميع يعلم أنه هو لا أنا من أحذية مبارك , ونسى هذا المأجور أننى حرمت من العمل فى كل الصحف المصرية تقريبا بسبب تقارير أمن الدولة ضدى , بل إننى عوقبت مرارا وتكرارا فى قوتى وقوت أسرتى بسبب مواقفى من هذا النظام الفاسد  ومن سياساته تجاه غزة والعراق , وتم طردى من كل الصحف لمدة تزيد عن العشر سنوات تضورت فيها وأسرتى جوعا لكننى لم أهادن قط بل رحت عبر كتاباتى على صفحات "النت" أهاجم  هذا النظام ولم يتملكنى اليأس ولا القنوط  كما تملك العديدين من الرفاق الوطنيين والقوميين المصريين.

ونسى هذا المخادع اننى كنت أول من هاجم الديكتاتور المخلوع شخصيا فى عام 2004 من خلال ديوانى الشعرى الذى حمل اسم "أشعار مارقة" حيث حفل بقصائد عناوينها " شاوشيسكو" و"الطاغوت" و"الإخطبوط" و"هُبل"و"المستبد"وبعضها يذكر "مبارك "صراحة" .

كما إننى كنت قد كتبت رواية " زمن السقوط" عن مطبعة "الوطنية" فى عام 1999 تدور أحداثها بالكامل حول التعذيب فى سجون " أمن الدولة".. ومن بعد ذلك تم إيقاف نشر كل اعمالى فى هيئة قصور الثقافة والهيئة العامة للكتاب رغم حصولى على إجازات لجان النشر , كما تم منعى من الكتابة فى جريدة "الوفد" عقب تولى محمود أباظة شقيق الوزير المخلوع أمين أباظة دون سابق انذار , وساومنى أحد كبار الصحفيين "الأمنيين" فى جريدة المسائية على استمرارى فى العمل مقابل العمل لحساب جهاز الأمن فرفضت فتم منعى وبشكل فج من دخول المؤسسة بعد عمل دام سنة , كما رفضت صحيفة وموقع "اليوم السابع" عملى فيها رغم أن الأخ دندراوى الهوارى اخبرني اننى سأعمل سكرتيرا للتحرير فى هذا الإصدار الناشئ حينئذ ثم قاموا بعد ذلك بتعيين طوب الأرض إلا أنا  , وجميع الصحفيين يعرفون مدى ارتباط "اليوم السابع" بأمن الدولة , وما تكرر فى هذا الإصدار تكرر فى الأهرام والمساء والمصرى اليوم , وحتى صحيفتى الأصلية "الأسبوع " حدث فيها خلاف غير مفهوم نتج عنه تقديمى أجازة بدون مرتب , وفى النهاية أدركت أننى شخص غير مرغوب فيه فى صحف دولة " مبارك" وعلىَّ أن أبحث عن عمل آخر وهو والله ما حدث كى أطعم منه أسرتى رغم اننى اعمل بهذه المهنة منذ عام 1990 , ولا يفوتنى أن أؤكد أن الانترنت كان متنفسى الوحيد للتعبير عن النفس ولا أدري ماذا كان سيصير الحال لو لم تخترع هذه التقنية العظيمة.

لقد كان مبارك وأزلامه من القسوة بما لا يمكن غفرانه , وبما يتنافى مع أدنى قيم الإنسانية والرحمة , وأذكر أننى فى ذات يوم كتبت مقالا فى صحيفة الوفد أكدت فيه أن النظام يقتل معارضيه دون طلقة رصاص واحدة حيث يخيرهم بين الجنون أو الموت كمدا وحزنا فى بيوتهم.

وفى ذات يوم كتبت مقالا حمل عنوان " مأساة الصحافة المصرية" ورحت أنشره على مواقع الانترنت فالتقانى الزميل يحيي قلاش وأخبرنى أن الأستاذ الكبير فهمى هويدى يريد أن يناقشني فيه وهو ما حدث فعلا ثم استئذننى فى الإشارة إليه فى مقاله بجريدة الشروق , وكان المقال قد تضمن معلومات تفيد أن هناك مخططا لتعويم وتمييع نقابة الصحفيين عبر ضم 2000 صحفى إليها خلال السنوات الأربع الأخيرة - فترة مكرم محمد أحمد – ويتسم معظمهم بعدم الكفاءة الصحفية والثقافية ويعمل جلهم لدى أمن الدولة  , وهو المخطط الذى تكشف الآن فى نقابة الصحفيين وصارت هناك مطالبات جادة بوقف لجنة القيد وإعادة هيكلة شروط العضوية.

عموما أنا على قناعة بأن الشجرة المثمرة تقذف عادة بالطوب لاسيما لو كان القاذف معلوماً للقاصى والدانى أنه رجل "بوليسى" , وإذا كان المتحدث مجنوناً فيجب ان يكون المستمع عاقلاً .

***

الأسبوع – 20 يوليو 2011

يوم أن عاد الرئيس

هذا الصباح، رأيت فيما يري النائم، وأحسست فيما يحس المتيقظ، أن مبارك قد عاد إلينا مرة أخرى، وكان صوت المذيع في القناة الأولى بالتليفزيون المصري .. يسرد تفاصيل الاستعدادات لإلقاء خطابه الأول علي الشعب .. ويردف أن الرئيس سيكشف تفاصيل المؤامرة الكبري التي تعرضت لها البلاد الأشهر الماضية.

مرت اللحظات ثقيلة، حبلى بالتساؤلات، مفعمة بالتشاؤم والمخاوف .. وكدت أسمع نبض قلبي يدق بسرعة وكأنه طاحونة أهمل صاحبها صيانتها .. وتركها تسري إلي مصيرها المحتوم، فركت عيني، بل ضربت بيدي علي أذني .. علّي لم أفصل بعد بين الحقيقة والسراب، وودت لو كنت مازلت نائمًا، وأن ما أسمعه ليس إلا كابوسًا يأخذ وقته وأستيقظ منه.

 أدرت محرك القنوات علي التلفاز الذي تركته مفتوحًا ليلة البارحة ورحت أغط في نوم متقطع وأنا أتابع أحداث ميادين التحرير، وكيف واجهت قوات الأمن المتظاهرين بقوة مفرطة.

تباعدت القنوات وكأنى لم أعرف مكانها إلا أنني عثرت بالتأكيد علي بعضها، محللون وسياسيون يرجئون تعليقاتهم إلي ما بعد خطاب الرئيس، صوت مذيع الـ»بي.بي.سي« الأجش ينقلنا إلي بث مباشر للخطاب.

كان الرئيس مبارك كعادته يمشي معتزًا بنفسه بين صفوف المهللين له من أعضاء مجلسي الشعب والشوري، ركزت الكاميرا علي وجهه وهو يحاول تصنع الابتسامة ويلوح بيده للحضور، حاولت في تلك اللحظات تفرس ملامح وجهه لعلي أفرق بين ما هو إنساني فيها وما هو وحشي، علِّي أغلب إنسانيته وأبدد الخوف المتصاعد بداخلي، لكن ذلك للأسف لم يشفع، حيث وجدت شبهًا قريبًا بينه وبين النمر الذي يبتسم بعدما تمكن من فريسته، وراح الخوف يتزايد أكثر وأكثر بداخلي.

كان الرئيس قد اعتلي المنصة وكانت هتافات »الهتيفة« من جوقة »الحزب الوطني« لا تتوقف »بالروح بالدم نفديك يا مبارك« .. و»اخترناك اخترناك أبدًا أبدًا لن ننساك« .. وأخذ هتاف قوي يتصاعد »الموت للعملاء .. الموت للعملاء« وبالطبع كانوا يقصدون الثوار الذين أنا واحد منهم كما هو الشعب كله.

وهنا اعترتني رجفة شديدة وتذكرت خطابه في قناة »العربية« وتساءلت تري ماذا سيفعل بنا مبارك .. قد يكون نصيبي أن يسلخ وجهي أو يعلقني كذبيحة علي مدخل إحدى سلخانات شرطته.

خفتت الهتافات وبدأ الرئيس خطابه "أيها الاخوة المواطنون" هنا قلت في نفسي ربما يقصد" أيها الضحايا القادمون"وأخذت أحاول ترقب كل كلمة سيقولها وانتزعها ليس من شفتيه ولكن من عينيه وحركات يديه، واستطرد " لقد اجتازت البلاد فترة عصيبة .. محاولاً تقمص شخصية الزعيم عبدالناصر ـ حاول فيها مأجورون من القلة المندسة بين الشعب اعتلاء المشهد السياسي في مصر والزج بها في أتون فوضي عارمة لصالح جهات أجنبية لا تريد لمصر وشعبها الخير".

وأردف "لقد كنا لهم بالمرصاد حتي أوقعناهم في الحفرة التي حفروها للبلاد .. وقضينا علي معظمهم واكتظت السجون بفلولهم".

واستطرد الرئيس "لقد عرفتموني منذ سنوات عديدة، وفياً لمصر، أمينًا علي مصالحها القومية، حريصًا علي استقلالها .. مدافعًا عن كرامتها وها أنا الآن أثبت لكم كما أثبتُّ في حرب أكتوبر المجيدة أنني قادر علي الانتصار في معركة الداخل كما انتصرت في معركة الخارج".

 وتابع " إن فلول جماعة الإخوان المسلمين المحظورة بموجب القانون الذي أنتم شرعتموه وحركات كفاية و٦ أبريل وجمعية التغيير وغيرها من حركات طفيلية مأجورة سقطت في شر أعمالها".

"وهاهو البرادعي وعبدالحليم قنديل وجورج إسحاق ومحمود الخضيري وزكريا عبدالعزيز والبسطويسي وأحمد بلال وعلاء الأسواني وبلال فضل ويسري فودة وممدوح حمزة ومحمد الأشقر وعمرو مصطفي ومحمد البلتاجي وخالد يوسف وغيرهم من شراذم الناس يصلون سعيرًا في الدنيا كما سيصلونها في الآخرة".

وكشف مبارك في خطابه المقتضب والتاريخي ـ علي حد وصف الإعلاميين فيما بعد ـ تشابك مصالح عناصر من دول خارجية ضد مصر وقال  " ولا أخفيكم سرًا أن تحقيقات موسعة جرت كشفت عن تشابك عناصر متعددة في تنفيذ تلك المؤامرة علي البلاد منها إسرائيل وأمريكا وساحل العاج« ثم لاحظ الرئيس حالة من الوجوم بدت علي وجوه الحاضرين من ذكر اسم ساحل العاج فاستدرك يقول "نعم ساحل العاج التي أرادت نشر الفوضي في مصر حتي لا يتمكن منتخبنا القومي من المشاركة في كأس الأمم الأفريقية".

وتابع "وكذلك تلاقت مصالح داخلية للفئات المندسة مع مصالح خارجية تمثلت في محاولة نقل البلاد إلي النموذج "الديمقراطي" للبلاد الغربية الكافرة مع أن الله يقول في محكم كتابه " وجعلنا بعضكم فوق بعض درجات" وأن مبدأ " المساواة" الذي ينادون به هو في حد ذاته "الشيوعية"التي لا يقرها عقل ولا دين ولفظتها بلدانهم أنفسها قبل أن تنتقل إلينا علي يد تلك القلة".

ثم واصل الرئيس قوله " لهذا وذاك كانت مساعينا السابقة والمستمرة لتسليم البلاد إلي أيد أمينة حريصة علي مصالح الشعب، تقطع كل يد عابثة بأمنها القومي وكان جمال مبارك واحدًا من أهم الشخصيات التي رشحتموها وائتمنتموها علي حمل الأمانة كما حملها والده من قبل، وأنا هنا أؤكد انه لا حكم إلا بانتخابات حرة ونزيهة تسودها روح الشفافية وبإرادة شعبية خالصة".

وتابع "وفي نهاية حديثي لا يمكنني إلا أن أحيي الشرفاء الذين وقفوا ضد المؤامرة الدنيئة للنيل من البلاد وفي مقدمة هؤلاء اللواء حبيب العادلي وزير الداخلية".

هنا علت هتافات التحية لحبيب العادلي فنهض لرد تحيتهم وقد بدا أسفل بزته العسكرية حذاء" كزلك" كهذا الذي يرتديه الجزارون وانفرطت سكين كبيرة كانت معلقة بسلسلة في خاصرته وأخذت تقطر دمًا.

فيما راح أحمد عز وأحمد المغربي وفتحي سرور وصفوت الشريف يتراقصون من حوله وقد لمحت ضحكة تشفٍ تظهر من فم أحمد نظيف الذي ظهر جليا بين الراقصين.

وأنهي الرئيس خطابه بسرد أهم وقائع الفخار الوطني التي مرت بها مصر وقال:"لقد اجتازت البلاد اختبار التنمية بنجاح وشيدت أكبر شبكة للصرف الصحي في التاريخ، وطاردت منتخب الجزائر في السودان بعدما طردته من مصر شر طرده، وانتجت مدينة الإنتاج الإعلامي سلسلة مطولة من الأعمال الدرامية التي بهرت العالم وجعلت من مدينة أكتوبر هوليوود مصر".

وأضاف "وشعب صنع تلك المعجزات قادر علي أن يستكمل المشوار في مسيرة نجاحه الطويلة والسلام عليكم ورحمة الله".

وهنا زغردت النساء وتعالت الهتافات "بالروح بالدم نفديك يا جمال".

****

الاسبوع – 7 اغسطس 2011

محاكمات صدام .. مبارك .. مشاهد متنافرة

يغص عالمنا العربى بصنوف شتى من الفساد المقترن بالحكم , مبرهنا على أن السمكة لا تفسد إلا من رأسها / رئيسها الذى إذا كان بالدف ضاربا فشيمة أهل "البيت" بلا شك الرقص والطرب.

وثمة مشهدان اثنان قد يبدوان للوهلة الأولى متقاربين تماما وسرعان ما يكتشف الرائى أنهما متنافران , بل ويقف كل مشهد منهما فى أقصى جهة من المشهد الآخر.

وللحقيقة فإن التقارب المخادع الذى يبدو للوهلة الأولى ليس إلا فى مشهد واحد وهو أن الذى يحاكم هو أعلى رتبة فى البلاد إلا أن المشهد برمته يبدو بعد ذلك مختلفا , من حيث السبب والنتيجة , ومن حيث الضحايا هل هم أعداء البلاد أم هم الوطنيون فيها ومن حيث الظرف الذى قاد إلى تشكيل هذا المشهد أو ذاك , هل كان ثورة شعبية وطنية أم احتلالاً أجنبياً ؟ فضلا عن انه لا يستوى خلقا خائن ومقاوم , صادق وكاذب , وأدلة ملفقة وأخرى قاطعة يجرى تمزيقها.

المشهد الأول حدث عام 2007 ويخص الرئيس العراقى صدام حسين والمشهد الثانى فى 2011 ويخص الرئيس المصرى محمد حسنى مبارك.

ففى المشهد الأول نرى رئيسا سقط أسيرا أثناء مقاومته عدوان 33 دولة غربية كبرى على بلاده , فى مؤامرة وقف فيها بطل المشهد الثانى موقف المتآمر والشامت بل والمشارك .

 بينما فى المشهد الثانى نرى ثورة شعبية غير مسبوقة تاريخيا فى دولة مثل مصر يميل شعبها إلى السكينة والسلام والتسامح ضد رئيس البلاد وأركان نظام حكمه الذين ساموا شعبهم سوء العذاب طيلة 30 عاما حكمها مبارك , دمر خلالها الحرث والنسل , وبيعت أراضى الوطن للأجانب ولعلية القوم واعتلى اللصوص قمة المشهد السياسى , وسيطر نظام الإقطاع . واستمرأ الناس الفساد والعمالة والخيانة وكل قيم الانحطاط , بل والأدهى أن ذلك صار صكا للراغب فى العيش عيشة رغدة.

حوكم بطل المشهد الأول بأدلة ملفقة وتهم تم دحضها من الغريب قبل القريب , وكانت جريمته فى كل المشهد انه دافع عن استقلال بلاده طيلة فترة حكمه ولم يدخل الى الحظيرة الأمريكية / الإسرائيلية التى هرول إليها معظم الحكام العرب وعلى رأسهم عراب إسرائيل بطل المشهد الثانى.

وفى المشهد الثانى حوكم الرجل بتهم تخجل منها الوطنية وتعافها الفطرة الإنسانية وتنفيها قيم الشهامة والرجولة , فهو لم يترك موبقة قانونية وأحياناً أخلاقية الا وارتكبها , عمالة ليس لأعداء بلاده فحسب بل لأعداء دينه وأعداء بنى جنسه التاريخيين منذ أن خلق الله الخلق , وكذا السرقة و النهب والاحتيال والتعذيب والكذب والتحريض على قتل وإصابة آلاف المتظاهرين السلميين من خيرة شباب بلده المثقف وممن هم فى سن أبنائه وأحفاده , والعمل على نشر الفساد والخوف فى الأرض التى أوصى الله لها بالأمن والأمان والرخاء والنصر , كل ذلك نظير أن يبقى فى الكرسى حتى يورث نجله الحكم.

فى المشهد الأول نرى قاضيا أصدر حكمه قبل أن يعتلى المنصة ومتهما وقف شامخا أبياً بل وأنيقاً رغم أن حراس المحكمة برمتها هم أعداء البلاد كلها والخصوم الشخصيون له.

وفى الثانى نرى قاضيا مشهودا له بالنزاهة ولكنه لا يحكم إلا بناء على مستندات وبراهين حال المتهم وعصابته دون توافرها لأسباب متعددة منها أن المتهم مشهود له بارتكاب جرائمه بدقة كبيرة كما أن كل الأدلة لا تخرج إلا من بين يديه.

ونرى مبارك راقدا على سرير فى محاولة رخيصة لاستدرار عطف شعب تم ثقب ذاكرته وتغييبه سياسيا وفكريا ,رغم أن العديد ممن حضروا المحاكمة شاهدوا مبارك يهبط ماشيا من الطائرة ومنهم شيخ المقاومين حافظ سلامة , ولا يفوتنى هنا أن اذكر ما تردد عن أن تقريرا لمنظمة اليونسكو حول وعى الشعوب العربية السياسى أكد أن 94.6% من المصريين يعانون أمية سياسية.!!

فى المشهد العراقى تمت محاكمة الرجل محاكمة صورية وسط مظاهرات غضب واستنكار تجوب العالم , ووقفت الامبريالية العالمية حامية لها ومصرة عليها , وفى المشهد المصرى كانت المحاكمة فى حد ذاتها مطلبا شعبيا وعالميا , وجاءت فى إطار تخفيف ضغط الرأى  العام , فيما استنكرتها كل قوى الرجعية والإمبريالية العالمية وأزلام مبارك وفلوله.

الاختلاف أيضا وصل إلى أشخاص الدفاع ففى المشهد العراقى كان القتل يطارد دفاع صدام حسين بل ويمتد ليطال أهلهم وذويهم أيضا , فيما ازدحمت القاعة بشهود الزور , بينما فى المشهد الثانى تم الدفع بسخاء لدفاع مبارك – مع كثرتهم وطول خبرتهم ولا علاقة لنا هنا بضمائرهم فمنهم من يدافع عن جواسيس إسرائيليين متمرسا خلف مفاهيم المهنية – ولكن اكتظت القاعة بأسر الضحايا المكلومين ومحاميهم المتطوعين الذين لا يملك كثير منهم دخلا منتظما.

ونرى أيضاً جمال وعلاء مبارك يحاولان الظهور بمظهر أصحاب الحق والثقة بالبراءة بل والضحايا رغم أن الجميع يعلم أنهما ليسا إلا مهندسين فى مؤسسة الفساد التى ضربت بأطنابها كل مصر , أما عدى وقصى صدام حسين فعلى النقيض فقد استشهدا أثناء مقاومتهما - مع الطفل مصطفى- للاحتلال الأمريكى لبلادهما.

وحتى من ناحية المحاكمة الشعبية لكلا الطرفين , نجد أن الشعب العربى فى أغلبه يشهد لصدام حسين بالوطنية والشهامة والشجاعة وعدم إيثار النفس على الغير , فهو لم يتردد أبداً فى أن يودع كل لص أو منتهك للقانون السجن حتى لو كان ابنه قصى أو حتى زوج ابنته , بل انه صنع من العراق البلد النامى بلدا يقف فى مصاف الدول المتطورة , فهو الأكثر تقدما تقنيا وعلميا وتعليميا وطبيا ليس فى العالم العربى فحسب بل وفى العالم الثالث كله , أما بطل المشهد الثانى فقد هوى بالبلاد إلى الحضيض وباع مصانعها وغرَّب تعليمها , وخرَّب زراعتها وصحة شعبها , ورهن نفطها , وباع أرضها , واستأثر لنفسه ولابنيه ولحزمة من ضعاف النفوس بكل مقدرات البلاد ولم يترك للشعب حتى الفتات , فأتخمت كروش وبنيت قصور , وفسدت ذمم وضمائر , وتبلدت مشاعر , بينما سكن الشعب القبور وأكلوا الجيف ولحوم الحمير ,وتفشت السرقة والرذيلة , وساد منطق عصابات القرون الوسطى , وتفشت الشللية فى كل شىء , وقتل الشرفاء والمفكرون جوعا فى منازلهم , وقهرا بين عزوتهم , وذلاً رغم عزتهم.

نعم كلا المشهدين متشابه فى الظاهر لكن اختلاف الجوهر بينهما شاسع , كالاختلاف بين إعدام المجاهد عمر المختار ومقتل الخائن أمين عثمان , وأثق أن إعدام صدام الذى لم يدنه قط بل زاد من عبقرية هذا الرجل وأعلى من قيمته العالية أصلا فى التاريخ , أثق انه لو طبق على مبارك فلن يدعم أبداً موقفه , ولن يرفع من شأنه المتخم بالفساد .. واثق أن الناس سيقولون انتصرت العدالة ويتأكدون من أن الله – حقا -  يمهل ولا يهمل.

 


الفصل الثانى

الثورات العربية بين المطالب المشروعة .. والمؤامرات

 

الوفد 6 سبتمبر 2002

هل نحن أمة مرشحة للزوال؟

كان لهذا التساؤل شديد الوقع علي نفسي، ولولا إيماني بأننا خير أمة أخرجت للناس لكنت الآن قانعًا بهذه الرؤية شديدة الكآبة.

فثمة علامات تبدي صدقاً للقول وتدلل علي خوف المواطن العربي من خطر الإبادة الجماعية، فخليجنا العربى يمتلىء بأقدم الأساطيل والبوارج وحاملات الطائرات الأمريكية، بينما محيطنا الخائر واقع تحت برزخ التغريب والإرهاب .. والإرهاب المضاد وأما وسط أمتنا فهو الآخر لاحق بهم بلاء حيث يعيش أسوأ مراحل حضارته المهددة بالانقراض أو الانفجار - أيهما - تحت وطأة ثالوث الفساد والفقر والتبعية.

بينما والمشاهد الثلاثة السابقة ترسم ملامح وطننا العربي يظل هاجس الرعب النووي الصهيوني هو الهاجس الأخطر .. حيث لا يترك عسكريو هذا الكيان فرصة للتذكير بأن جميع العواصم العربية واقعة تحت رحمة صواريخهم النووية.

انني أري (جنكيز خان) القرن الحادي والعشرين .. مرتيًا ملابس الكاوبوي ملوحًا من فوق جواده لشعوبنا - كل شعوبنا - طالبًا منا الاستسلام والتسليم حتي نلقي حتفنا في دورات مياهنا وإلا سيقوم بشينا في نار جهنم التي صنعها.

والمدهش انه رغم عدم حدوث أية مقاومة له إلا أنه يري أن يذبحنا ونحن مسلوبو شرف لمقاومة فارضًا علينا خيارين، الموت جبنًا وعهرًا وقتلاً بالخوف والرصاص أحيانًا أو الموت شيًا بنيرانه النووية .. والنهاية في الخيارين واحدة وهي: الموت!!

ويبدأ الكاوبوي حملته الإبادية الفاشية بالعراق الشقيق المناضل كحلقة أولي في سلسلة لم يخجل من كشف سترها لتشمل معظم الأقطار العربية حتي ما كان منها حليفًا له.

وحال الكاوبوي في ذلك كمن يقول ساعدوني في ذبح العراق وبيعها سوف انظر في شأن الحليف المخلص لي منكم وأجعله في مرحلة بعيدة من مراحل الذبح .. ولكنني لن استثنيه أبدًا.

قلت لنفسي إن الفرق كبير بين خطر اليوم وخطر الأمس .. وبين تتار اليوم وتتار الأمس وجهًا لوجه .. أما تتار اليوم فلا عين تراهم وهم يمتطون العلم لمحو الحضارة ويستخدمون المجهول لمحو كل معلوم .. يحلقون في الفضاء البعيد لمحو الأرض ومن عليها سواهم .. ولكنهم لا يمتلكون الشجاعة لكي يواجهوا تتار الأمس الفرد يقتل فردًا، أما تتار اليوم فالفرد يقتل جيلاً كاملاً وربما أمة .. خاصة لو كانت هذه الأمة راقدة علي فراش الاحتضار.

******

الوفد 19 ابريل 2003

نحو آلية جديدة للنضال .. عقب النكسة الكبري

كاد العقد ينفرط .. أو ربما انفرط فعلاً .. لكن الحلم مازال باقيًا في النفوس وربما ازداد ترسخًا عن ذي قبل وازددنا الحاجة الماسة إليه.

والجرح الغائر لم يكن ذلك الجرح النازف من آلاف الشهداء ولا دمهم الذي مازال ساخنًا في المشهدالحسيني في كربلاء العراق .. ولكن كان أشد نزفًا في نفوس الملايين من المحيط إلي الخليج من جماهير الشعب العربي التي ارتأت في شخص الرئيس العراقي صدام حسين بطلاً خرج وياللمصادفة من نفس المدينة التي أنجبت صلاح الدين ليذود عن كرامة واستقلال شعبه!! تعلقت الجماهير به بعدما استطاع أن يقول: "لا" لأمريكا وإمبرياليتها وأذنابها وهو الأمر الذي طالما نادت به الشعوب.

لقد أيقظ العدوان الوحشي علي العراق من قبل الغرب بزعامة الولايات المتحدة والصمود العراقي البطل طيلة عشرين يومًا ..بصيص الكرامة والأمل من جديد في أوردة الأمة وأشعرها بأنها مازالت رقمًا فاعلاً في منظومة الكون..وأننا لسنا ذبابًا تنجح أمريكا أو إسرائيل دائمًا في قتله برشة واحدة من أي مبيد حشري.

وللحقيقة..فرغم مرارة النكسة التي يتجرعها الناس بعدما فقدوا الكاريزما المناضلة التي تعلقوا بها،إلا أن ثمة نصرًا حقيقيًا نستطيع تلمسه يطل علينا من بين الركام،وهذا النصر المعرفي له عدة أركان أولها:أوضحت بشكل جلي أن أية حركة قومية تحررية لا يمكن أن تنجح إن لم تكن القاهرة بؤرة ارتكازها أو أحد أركانها علي أقل تقدير.وذلك انطلاقًا من فهم نابليوني قديم أشار فيه إلي أن من أراد السيطرة علي الشرق فليسيطر علي القاهرة.

ثانيها: انهيار كافة الاستراتيجيات الخاصة بالردع بغير القوة .. بل إن القوة في حد ذاتها وسيلة ناجحة لإكراه الناس علي الإيمان بما يكرهونه كما يقول مكيافيللي.

ثالثها: فشل نظريات وتكتيكات الدعاية الإعلامية الخاصة بتسطيح الشعوب .. حيث لم تنجح كافة الوسائل الإعلامية بإقناعها بشرعية العدوان علي العراق.

رابعها: يجب علي القوي القومية العربية العمل بشكل أكبر لنيل دعم الحكومات العريبة حتي لو قدمت لها بعض التنازلات الأساسية .. وذلك لأن دعم الشعوب وحده يساوي صفرًا في مجمل النتيجة الميدانية.

وفي هذه النقطة الأخيرة يلاحظ أن الحكومة العراقية قد تنبهت إليها قبيل العدوان بأعوام وتقريبًا منذ عام 1998 عقب عملية عاصفة الصحراء .. ودأبت في إطار ذلك بتقريب فجوة خلافها مع النظم العربية الموالية لأمريكا .. وإن كانت تلك النظم غير صادقة في تقاربها معها.ورغم ذلك فهناك تساؤل نطرحه: كيف نتعامل مع النكسة الكبري؟هناك عدة محاور أيضًا للتعامل مع مستجدات النكسة؟

أولها: عدم ترك العدو يهنأ باستعمار العراق مطلقًا بل من الممكن تحويلها إلي جراح نازف في وجدانه باستمرار.

ثانيها: اعتماد وسائل متطورة للضغط علي الحكومات العربية كي تتخذ مواقف منسجمة مع المصلحة القومية ويتأتي ذلك عبر الوسائل المشروعة مثل الاعتصامات والاحتجاجات وتوالي الدعاوي القضائية ضد المصالح الأمريكية في البلدان العربية وتوعية الرأي العام العربي بأهداف التصرفات غير المحسوبة لبعض الحكومات والتي تصب في مصلحة الاستعمار.

ثالثها:التذكير بأن القدرة العراقية كدولة من دول العالم الثالث استطاعت عبر 20 يوماً مكافحة الغول الأمريكي ليس هو فقط بل ومعه أعتي قوي الكون بريطانيا وإسرائيل وأسبانيا واستراليا وهولندا بالإضافة لتآمر عربي..أي دعم رؤية سقوط الغول الأمريكي.

رابعها: الدعوة إلي تحقيق الوحدة العربية عبر وضع برامج حقيقية تعبر عن خطوات ممكنة تتلافي حدود نوعية النظم العريبة سواء كانت ملكية أو جمهورية وسواء كانت اشتراكية أو رأسمالية وذلك عبر نظام كونفيدرالي، ويجب الإشارة هنا إلي أهمية احتفاظ كل إقليم بخصائصه من فقر وغنى وبرلمان ومكتسبات الإدارة الحاكمة وذلك كمرحلة أولية إلي جانب توضيح المكاسب العائدة لكل قطر سواء أكان أمنيًا أو اقتصاديًا.

ونقول لقد خسرت القومية العربية معركتها الثانية فى بغداد .. بعدما خسرتها عام 1967 في القاهرة .. ولكن مواقع الحرب متعددة، التواريخ والميادين والحرب لم تنته بعد .. طالما بقي هناك فى أي قرية عربية نائية مواطن عربي يقول: لا.

******

الوفد 30 ابريل 2003

حتي نستشعر الصدمة .. مبكرًا!!

مازال جسد الأمة العريبة في حالة خدر .. ومع تعاظم حجم قسوة العملية الاستئصالية التي تعرضت لها الأمة ستطول عملية الخدر تلك .. حيث تمتد شهور طويلة أو ربما سنوات ..ولكن مهما طال الوقت فلابد لمفعول المخدر أن ينتهي .. وذلك لأنه لا يمكن ترحيل الشعور بألم الجراحة الميتة إلي مالا نهاية .. ولابد كذلك من مواجهة الصراخ والارتجاف في وقت ما .. وللحقيقة .. لا يمكن التنبؤ بحجم وهج النار الراقد خلف حالة الهدوء تلك .. ولا بوجهة انطلاقها أو مصدرها أيضًا .. وذلك لأن الجزء الذي تم استئصاله هو اليد اليمني من الجسد .. أو القلب أو المعدة .. حيث لا توجد بدائل حقيقية ولا يمكن التعايش بدونه، ومكمن الخطورة أن العراق – والذي تم استئصاله – سيتحول من يد داعمة للحق القومي العربي إلي يد باطشة به .. رغم ضعف الواقع القومي العربي الشديد وكثرة أعدائه.

إن المستقبل يحمل في طياته علامات استفهام خطيرة .. بعدما فرض علي القومية العربية قسرًا قبول كسر جناح من أجنحتها .. وتحويلها إلي مجرد أمنية في نفوس الناس ليس لها واقع ملموس علي موائد المباحثات.

لكنه في منحي يبعث علي الأمل يقول سقراط الفيلسوف اليوناني "إن الضربة التي لا تقتلني تقويني" .. وطالما الأمة العربية لم تمت بعد .. وطالما بقي في الوريد دم .. فإن إمكانية الحياة تظل قائمة ويعد من السابق لأوانه إعلان الوفاة.

التاريخ فيه كثير من العبر .. فإذا كانت قد انهرمت قوات صدام حسين بسبب ما يشاع عن استخدام الأنجلوأمريكان للقنابل النيترونية والتي تحرق الناس وتجعلها تتبخر والتي تعادل في آثارها الميدانية القنابل النووية وما ترتب علي ذلك من سقوط سريع لعاصمة الرشيد .. بعدما أصاب الفزع العراقيين من هول ما سمعوه من أشقاء لهم في جبهات أخرى، فإن كل ذلك وربما أشد خطورة منه .. مع اختلاف الوسائل والتوقيت قد حدث في الماضي ورغم ذلك عادت الأمة العربية أكثر قوة وترسخا .. فلقد اجتاح الانجليز مصر عام 1882 واستطاعوا هزيمة أحمد عرابي والذي ظلت المناهج التعليمية عقودًا طويلة من السنين بعد ذلك تصوره علي أنه "مارق" وخائن!!

وفي ليبيا .. هزم عمر المختار وتم اجتياح ليبيا وكذلك هزيمة عبد القادر الجزائري وهكذا انفرط عقد الدول العربية وقتها حبة حبة في حجر قوى الاستعمار .. ورغم ذلك تحررت الشعوب العربية وعادت القومية العربية إلي رباطها الوثيق .. ووجه الخسارة فيما حدث .. ان الأمة العربية ستعيش رازحة تحت نير الاستعمار الانجلوأمريكي الصهيوني عقودًا طويلة .. تعاني فيها الأمة همًا إضافيًا علي ما عانته من التخلف نتيجة الحقب الاستعمارية التي تعاقبت عليها .. وأوصلتها للحالة المزرية التي تعيشها الآن حيث استهانة عالمية بها وبإرادتها وبطموحاتها .. وكان يجب علي الأمة العربية انتهاز فرصة الاستقلال قصيرة العمر التي عاشتها قبيل تعاظم النفوذ الصهيوأمريكي علي أراضيها وعلي إرادتها والتي وصلت منتهاها بسقوط العراق في قبضة أيديهما .. بالعمل الجاد علي الأخذ بأسباب القوة سواء عسكريًا أو اقتصاديًا  وعدم الخضوع غير المبرر قوميًا لما يسمي بـ"الشرعية الدولية" طالما كان تلك الأخيرة لا تراعي مصالحنا القومية من جانب وغير قادرة علي حماية استقلال شعوبنا من جانب آخر.

وإذا كانت الأمة العربية ظلت 55 عامًا تناضل العصابات الصهيونية في إسرائيل دون أن تحقق نصرًا حقيقيًا، فإن المكتوب عليها أن تناضل تلك العصابات ومعها الحكومة العراقية العميلة التي يريدون تنصيبها علي العراق فترات أطول وبشكل أكثر عنفًا .. ونقول إن الأمة العربية تعرضت لطعنة غادرة شعر بها العالم الإسلامي قبل شعورنا نحن بها .. وأن المستقبل سيحمل الكثير من المتغيرات غير المحسوبة .قد تعصف عصفًا بكل هذا الواقع إما سلبًا أو إيجابًا أو منهما معًا..لكن الأمل لن يموت طالما عاشت الشعوب.

ومن المفيد العمل علي أن نقصر أمد مفعول المخدر .. حتي لا تطول فترة السكون والخمول .. ولكي نبدأ مرحلة النضال مبكرًا.

******

الوفد 13 مايو 2003

الذين دنسوا أرض الرافدين

للنصر منطق وفلسفة .. وللهزيمة منطق وفلسفة أيضًا .. منطق النصر في أنه لا يؤمن إلا بكل ذاته .. فحسب .. يؤمن بالاشباع – ولأقصي درجة – من كل حرمان بدءاً من التشبع من رؤية قلاع الخصم تنهار حجرًا حجرًا ومرورًا بإذلاله وامتهانه إلي التمتع باستجدائه لرحمتهم وإنسانيتهم .. حتي إن عدم قبول الاستجداء والغفران هو أيضًا منطق للنصر.

المنتصر يستحل كل شيء للخصم بدءاً من إرادته والتي قد يستخدمها لتدمر ذاتها فيعفي بذلك نفسه من كلفة تدمير ما تبقي منها وما يستتبعه من مخاطر طفيفة .. إلي استحلال كل ما هو مقدس للمهزوم، أرضه وهي مجاله الحيوي المادي "الأفقي" الذي يتحرك فوقه، وثقافته "وتشمل دينه وتراثه وعاداته" وهي المجال الحيوي "الرأسي" الذي يتحرك باخله .. وأي شيء كان يشعر المهزوم بالحمية نحوه وفي مقدمته العرض .. كل ذلك هو متاع للمنتصر .. وغنائم حرب .. حسب منطق النصر.

أما منطق الهزيمة .. فهو يعني عكس كل ما قيل في منطق الانتصار .. إنه التسليم التام والامتناع حتي عن الأحلام .. الهزيمة هي إلغاء من الحياة.

والمراد من تفصيل منطقي النصروالهزيمة هو ألا نستهين بفداحة خسارة الانهزام للتحسر علي عدم نيل النصر .. ومعاقبة كل من تسببوا في حرماننا منه ..  فالهزيمة التي لحقت بالعراق .. هي في مجملها إلغاء لوجو 26 مليون عراقي مع اصابة أكثر من 250 مليون عربي بمرض نفسي مزمن لا شفاء منه إلا بعودة إحياء العراق وتخليصه من كل من ألحقوا به الهزيمة النكراء في الداخل سواء أو في الخارج.

وقد يتخيل بعض المثاليين أن الغازين الذين دنسوا أرض العراق هم ملائكة .. وأنهم بعيدون عن كل موبقة .. وهو خيال مريض عار من الصحة .. فالغازون لا ينتمون إلا إلي أصحاب منطق النصر يستحلون كل شيء في العراق .. الأرض والمال والثقافة .. انهم يستحلون هتك عرض النساء عنوة أمام أهلهن .

بل إن المنتصر دائمًا ما يطوع التاريخ لصالحه .. يحذف منه تحت تراشق الدعايات المكثف إيمانًا بأن الكذبة لكي تصدق لابد أن تكون ضخمة جدًا كما يقول جوبلز وزير الدعاية النازي وتحت الضغط المكثف أيضًا علي زناد المسدس – كل ما يسيء إليه.

فالتاريخ في فلسفة ماركس هو مجرد "ديالتيك لا يتوقف عند حدود الزمان والمكان .. يسرد قصص المنتصرين وأنهم هم الذين يتم الاعتراف بهم فيه، بل انهم هم صناعة".

فمن منا يعلم أن (هتلر) كان شاعرًا .. كل جريمته أنه أحب قوميته (الآرية( التي تناثرت في دويلات عديدة بسبب خسارتهم للحرب العالمية الأولى وأراد توحيدها في ألمانيا الأم، وأنه كان يستقبل بالورود في عدة مدن ودول يقوم بضمها مثل اقليم (بولونيا) بل إن البولنديين طلبوا منه غزو أراضيهم وضمها إلي ألمانيا.

ومن يصدق أن نيقولا ميكيافيللي والذي حينما يذكر اسمه يذكر الشر والدمار كان أحد المسيحيين المتدينين الطيبين وانه كان يدعو في كتابه (الأمير) إلي العدالة وليس الحرب والدمار .. بل إنه كان شاعرًا رقيقًا وكان سفيرًا لبلاده وهو لم يبلغ من العمر 19 سنة، أي انه ليس باحثًا عن وجاهة أو هاربًا من فقر أو قهر .. لكن كل جريمته أنه أحب وطنه (إيطاليا) وأراد لها الوحدة والاستقلال ومات ولم يحقق حلمه بعدما انتصر الانهزاميون.

نعم .. التاريخ لا يعترف سوى بالمنتصرين ويبرر لهم خطاياهم .. أما المهزومون حتي لو كانوا ملائكة ودعاة عدالة وخير فهم في نظر التاريخ خونة .. مارقون .. مستبدون .. ملعون أيها التاريخ .. فأنت حقًا المارق الأول .. والأخير.

******

الوفد 2 يوليو 2003

التكريس للبراجماتية والشر

عمدت الولايات المتحدة الأمريكية إلي تأصيل مغاير جديد لوعي العالم يتجه نحو الأطر المادية البحتة باعتبارها غاية الغايات، متجاهلة في ذلك كل الأطر القديمة السائدة والخاصة بالمعتقد الأيديولوجي والمعرفي والحق والخير والجمال.

وهذه الأطر التي روجت لها الولايات المتحدة الأمريكية علي حياء أحيانًا، وبجرأة في أحيان أخري تعظم دور الانتفاع والاستغلال باعتباره عملاً يستحق التقدير حتي لو جاء علي حساب مقدسات معتقدية وإنسانية واجتماعية.

ورغم أنها تكرس لسيادة البراجماتية هذه إلا أنها – وهو الأمر المضحك – تتخذ من الدعايات الإنسانية غطاء لهذا الغرض رغم أن ما نراه من هذا التناقض البديهي يضاعف من حجم المصيبة.

فالولايات المتحدة الأمريكية لا تخجل من أن يتحدث مسئولوها مرة تلو الأخري عن أن الدافع لغزو العراق هو اقامة عراق حديث علي الطريقة الغربية مع تجريده من هويته العربية والإسلامية.

وإن كانت في أحيان أخري تردد أنها تحتل العراق لـ(تحرير العراق من صدام حسين وحكومته البعثية)!! .. فإنها تضيف إليها بعض المحسنات الإنسانية وتقول (اللذان أذاقا شعبه الهوان والذل).

وهو ذات الأمر الذي ردده نابليون بونابرت حينما غزا مصر معلنًا أن حملته جاءت لتحرير مصر من المماليك الذين ساموا المصريين سوء العذاب .. رغم ما يعرفه العالم ويعلنه الفرنسيون أنفسهم من أنهم جاءوا لإقامة امبراطورية عظيمة تمتد من فرنسا إلي المشرق العربي حتي الهند.

وإذا كان الفرنسيون قد قتلوا الآلاف من العرب فإن الأمريكيين قد قتلوا مليوني عراقي حصارًا بالجوع والمرض وقتلوا مئات الألوف بالضرب المباشر باستخدام أسلحة فتاكة ومحرمة إنسانيًا وليس دوليًا فحسب.

ويتمثل دور البراجماتية الأمريكية فى تجاهلها لأية قيمة إنسانية لأنها تعتبر أنه لا يوجد شيء إنساني غير ما تردده.

فالخير لديها أن تقتل الملايين من العرب والشر لديها أن يقتل العرب المئات أو حتي العشرات من جنودها، تسمي ما تفعله هي مقاومة الإرهاب وتسمي ما يفعله العرب المقاومون إرهابًا!!

ورأينا عبر شاشات التليفزيون الأحاديث والمناورات والمداولات المكثفة بين الحكومتين الأمريكية والتركية حول ما يجب أن تقدمه تركيا لخدمة العدوان الأمريكي علي العراق مقابل ما يمكن أن تحصل عليه من أموال.

رأينا هذا الفعل الفاضح بين الدول العظمي علي شاشات التليفزيون .. رأينا الراشي والمرتشي ولكنا لم نلمس أية نية لتحرك الشرطي الذي كان يراقب المشهد مبتسمًا.

شاهد العالم الولايات المتحدة تحرض علي شراء وطن وشاهدوا أيضاً قادة عراقيين كبارًا يبيعون الخيانة بأبخس الأسعار..حسب ما أعلنه تومي فرانكس من أن الولايات المتحدة الأمريكية قد قدمت رشاوي لثلاثة من قادة الجيش العراقي الكبار لشراء ولائهم وإصدار أوامرهم لقواتهم بعدم الدفاع عن بغداد مما نتج عنه الانهيار المفاجيء لهذه القلعة.

أليس الغرض من تسريب هذه الأخبار أمريكيًا هو الحرص علي نزع الحياء والتكريس للرذيلة وخلق حالة من الاعتراف بشرعية ممارسة هذه الأعمال الدولية الفاضحة، بوصفها حالة كمال وليس نقصًا، إن إعلاء قيمة الانتفاع هو بداية انهيار عظيم جديد للعالم ومثالياته .. هو تحويل العالم إلي مجرد فاترينة، كل شيء فيها يباع بدءًا من الأشخاص وانتهاء بالأفكار.

فخلق فجوة كبيرة بين واقع وأحلام مليارات البشر هو ما تعمل زعيمة العالم علي تثبيته وتكريسه كمبدأ ثابت .. بعدما شاهدوا أوطانًا تباع .. وذممًا تتسع لوأد هذا الكون الذي نعيش فيه.

إن التصرفات الأمريكية في شئون العالم سيكون لها مردود واضح علي سلوكيات الأشخاص والجماعات.

وإنني أخشي ذات يوم أن نجد المواطنين ينشرون إعلانات في الصحف يعرضون فيها استعدادهم الكامل للتخلي عن أية معتقدات دينية وفكرية وأخلاقية مقابل الدفع لهم، أو نجد أحدهم يعلن استعداده لارتكاب جميع الكبائر والموبقات وما يعف اللسان عن ذكره مقابل بضعة جنيهات.

وأخشي أكثر ما أخشي أن يكون هذا الأمر قد أصبح واقعًا مؤكدًا الآن.

******

الوفد 8 أغسطس 2003

هل أخفق البعد القومي للأمة العربية؟

سؤال صارت أجندة الأحداث المتلاحقة في المنطقة العربية تفرضه بقوة بعدما صار معروفًا للقاصي والداني أن الجميع يهرولون نحو البيت الأبيض حتي لو كانت الفاتورة المدفوعة هي الدم العربي الزكي في العراق وفلسطين والسودان وبقاع متعددة في عالمنا العربي المخلوط بالنفط العربي أيضًا ليشعل حرائق في بلداننا ويعمر الحياة في بلدانهم.والحقيقة أن البعد القومي للأمة العربية ليس بعدًا فاشلاً ولكنه بعد مهمل في حسابات الكثير من القوي العربية المدجنة.

والواقع أن العرب يجيدون إهدار أبعادهم الطبيعية، فشلوا في أن يتحدوا وأ‍ يتقدموا في سبيل ذلك خطوة حتي يرجعوا مثلها للخلف.

أنشأوا جامعة الدول العربية في منتصف الأربعينيات القرن الماضي علي أمل لم الشمل وتوحيد الأمة ذات المصير الواحد فإذا بنا نفاجأ بأن العرب صاروا عدة دول ودويلات وصاروا أكثر تقزماً وتقوقعاً .. قالوا إنهم لابد أن ينفتحوا علي العالم الخارجي ويسايروا معطيات العصر فإذا بنا نجد الأزمة التي ما برحت الفكاك من الاستعمار عبر الكفاح المسلح تعود إليه طواعية مبررة له استعماريته.

لم يخفق البعد القومي العربي ولكن أخفق شخوص المرحلة في قيادته ، أخفقوا في قيادته لأنهم لم يكونوا صادقي النوايا في إحيائه.والدليل علي أصالة البعد القومي هو أنه لم ينهر حتي الآن في نفوس الشعوب العربية وإن كان قد انهار فعلاً منذ زمن طويل لدي الحكومات.

الشعوب تتواصل والساسة يقطعون .. الشعوب تتألم للافتراق والساسة يعتبرونه نجاحًا .. الشعوب تقاوم التغريب والحكومات تفرضه علي شعوبها.حقيقة لم يخفق البعد القومي العربي،ولكن الذي أخفق هو ربط إرادة الحكومات بشعوبها.

إنهم يريدون إهدار البعد القومي العربي كما أهدروا من قبل البعد الإسلامي وأرادوا أن يهدروا البعد الأفريقي.نعم أرادوا صناعة بعد مزيف يسمي الشرق أوسطية وبعد آخر أطلقوا عليه دول البحر المتوسط كلها لاتعدو أن تكون مسميات وحبرًا علي ورق بال.

فالمواطن المصري مثلاً لا يشعر أنه مواطن بحر متوسطي مثلاً وأنه وجه آخر من وجوه شعوب الدول الأوروبية المطلة علي البحر المتوسط وهو يدرك أن علاقته بهم لا تتعدي أن تكون علاقة العسكري بالحرامي.والمواطن المصري لا يشعر أنه مواطن شرق أوسطي ولا يمكن أن يشعر بالإخاء مع مواطن استعماري إسرائيلي بوصفه من الأشقاء.

نعم القومية العريبة هي شعور حقيقي يختلج في النفوس يسري مسري الدم في عروق الناس .. قد تفتر حميته مرة ولكنها ساخنة في جميع الأحيان .. أما الذين أرادوا أن يقنعونا بأن القومية العربية قد سقطت فهم واهمون.

القومية العربية لا يمكن أن تسقط لأنها رابطة دم وتاريخ ولغة وتراث ودين.

فمن منا لا يعتصر قلبه ألمًا لاحتلال العراق؟ من منا يطيب عيشه وحاضرة أبي جعفر المنصور محتلة مدنسة من قبل جنود المارينز .. من منا لا يبكي دمًا وحمية ومئات الفتيات يتعرضن للاغتصاب من قبل همج العصر في العراق ويصرخن وامعتصماه ..وامعتصماه .. بلا عاصم يأتي.

فلماذا نحزن علي العراق وفلسطين إن كانت القومية العربية وهمًا؟!

القومية العربية لن تسقط لأنها علامة مميزة للإسلام .. فهل يسقط الإسلام؟!

******


الوفد 9 مايو 2003

العربي التائه .. إلي أين؟

هل أصبح العربى مرادفًا لليهودي التائه؟

لست أدري هل أصبح الفكر العربي تائهًا؟

يقول نيقولا ميكافيللي: "إن طول فترة السلام تصنع شعبًا مخنثًا" .. والمشكلة في أن الإنسان العربي لا يسعي إلي الحرب .. بل إن الحرب هي التي تسعي إليه .. وانه يريد السلام ولكن العالم لا يريد لنا إلا الاستسلام والقبول قصرًا بكل ما هو أجنبي.

إن الإنسان العربي له حق أصيل في الدفاع عن ذاته وعن قوميته، وعن ثقافته وأرضه وعرضه . لكن كما لو كان قدرنا ان الغرب يقف دائمًا ضد برامجنا القومية ويجهضها إما إعلاميًا أو عسكريًا .. رغم انني لا أتخيل أن ترسل الدول العربية جيوشًا مثلاً لتحارب إحدى الكوريتين إن أرادتا الوحدة، أو ترسلها لتحارب بريطانيا لو أرادت توحيد الجنس الانجلو أو لتحارب أ‍لمانيا لو أرادت توحيد الجنس الآري مرة ثانية كما فعل هتلر .. فلماذا دائمًا العالم يقف ضد قوميتنا؟!

لماذا؟ .. لماذا؟

في الواقع ان هناك أسبابًا داخلية وخارجية تجعل الإنسان العربى تائهًا: الخارجي منها هو أن الولايات المتحدة الأمريكية زعيمة العالم "غير" الحر تري أن ظهور القومية العريبة وتناميها في المنطقة العريبة يمثل خطرًا عظيماً علي استعماريتها الثقافية ثم العسكرية وخطرًا داهمًا ضد حليفتها المدللة "إسرائيل" ولذلك فهي تسعي جاهدة لاعتماد الأسلوب الاستعماري القديم "فرق تسد" وذلك لأنه في وحدة الأمة غني عن رعايتها .. وتحضرني هنا مقولة برنارد شو: "إن أمريكا هي الدولة الوحيدة في العالم التي انتقلت من عصر الهمجية إلي عصر الانحلال دون المرور بعصر الحضارة".

أما السبب الداخلى فهو اقتصادي الطابع استبدادي الهوية حيث تعاني الشعوب العربية عناءً مريرًا في البحث عن الطعام بمعناه المجرد.

فكيف يتسني لمواطن بالكاد يجد قوت يومه أن يشارك في العمل السياسي؟

إن الحكومات العربية تشعر المواطن بشكل دائم أنها تصنع معجزة حقيقية يومية لكي توفر له طعامه، وهي قاصدة بذلك قتل طموحاته الفكرية وتحويله إلي كائن بيولوجي .. رتيب .. مطبع، لا هم له إلا أن يبقي حيًا يرزق .. ووقتها سيكون البحث عن الهوية هو مجرد رفاهية وسط تلك المعمعة الحياتية.

ولكني كي لا انصرف بعيدًا أقول إن بربرية الولايات المتحدة من جانب، وفقر المواطن العربي جعل العمل السياسي رفاهية والقومية العربية حلمًا بعيد المنال.

ولكنني أيضًا اذكر .. أن اليهودي التائه الذي طالما روج له اليهود في أوربا وأمريكا .. هو المرض الذي يعانيه العرب الآن .. المهمومون أو المبتلون بتعاظم دور الصهيو – أنجلو – أمريكية في حياتهم وثقافتهم وحق شعوبهم في الوحدة .. وبسبب ضعف النظم العربية وانصرافها عن الفكرة القومية لأسباب غير واضحة أو مبررة.

إننا نريد أن نصرخ في وجه الولايات المتحدة: انصرفي عن حياتنا .. دعينا نتذوق نيران نظمنا فهي أجمل وأرق من كل ديمقراطياتك وحرياتك .. دعينا نكافح تلك النظم بأنفسنا ونختار بدائلها بأنفسنا .. ونحقق أحلامنا بأنفسنا .. دعينا .. دعينا .. فقد جعلتنا غرباء في أوطاننا .. نحن لا نحب ديمقراطيتك – صدقيني – ولن نقبلها!

******

الوفد 14 يناير 2006

سوريا .. لاحقتك السلامة

سوريا الحبيبة .. لاحقتك السلامة .. فقد تحور المرتزقة المدافعون عن احتلال العراق وإبادة شعبه ليظهروا بمظهر دعاة الاستقلال ويدافعوا بهتانًا عن استقلال لبنان وهو البلد المستقل.

وظهر هؤلاء المفكرون ((الاستراتيجيون)) بذات مناطقهم الغامضة والمغلوطة التي دافعت عن ذبح شعب العراق علي يد الامبريالية العالمية ليدافعوا عن استقلال لبنان .. وكأننا ضد استقلال لبنان الشقيق الذي دفع ومازال فاتورة ضخمة في تصديه للصهيونية ومثل الجبهة العربية الوحيدة النابضة بالمقاومة ضد العدو الصهيوني طيلة سنوات عديدة مضت.

ظهر هؤلاء ((الاستراتيجيون)) ليتعاطفوا وبراءة الحملان في عيونهم مع ما تسميه الامبريالية العالمية بالمصالح الغربية لبلدانها في لبنان بينما كشروا عن أنيابهم محاولين الكشف عن أي خيط ملموس أو حتي ((مفبرك)) لشبهة وجود تلك المصالح بالنسبة لسوريا، وليحولوه إلي حبل مشنقة يلتف حول عنق دمشق، وليعيدوا ذات السيناريو الذي استخدم في ذبح بغداد الرشيد الباسلة.

وكأن قدرًا علي شعوبنا أن تذبح تارة باسم القضاء علي (الإرهاب)..وتارة باسم التخلص من السلاح النووي..وتارة باسم الديمقراطية..وأخيرًا باسم الدفاع عن الاستقلال.

ولست أدري ما قيمة المنطق إذن؟ لأنه بمنطق الحوار والعدو المشترك والتاريخ والثقافة نبرر أن يكون لدمشق مصالح في لبنان، ولكننا لا نبرر - لذات الأسباب -  لواشنطن أو باريس أو حتي تل أبيب وجود تلك المصالح، لكن ما حدث هو أننا – أو أنهم – برروا لهذه الدول الغربية ما رفضوه لسوريا، وحرموا ما له منطق وأباحوا ما ليس له منطق!!

ولبنان بكل تعقيداته الطائفية والدينية كان من المقبول فيه أن تجد ما يهاجم سوريا ومصالحها وربما هم كثيرون، ولكن في ذات الوقت ستجد من هم يدافعون عن سوريا وهم الأكثر، والمشكلة كما تحاول أن تصورها بعض الفضائيات وتيارات سياسية بعينها من التركيز والتكثيف إظهار أن الموضوع هو رغبة لبنانية في ((التحرير)) من الاستعمار السوري!!

وهؤلاء الداعون لهذه الرؤية هم في الحقيقة لا يحبون لبنان أبدًا، ناهيك عن كراهيتهم لسوريا، وذلك لأن لبنان الذي تشافي قليلاً من صراعاته الإثنية والدينية الداخلية هو الآن يُجر للمرض جرًا ولصالح طرف واحد وهو إسرائيل.

ومن هذا الفهم فليس من الغريب أن تخرس ألسنة هؤلاء ((الاستراتيجيين)) المدافعين عن الاستقلال الآن حينما عربدت إسرائيل طولاً وعرضًا في أراضي لبنان الشقيق تحرث فيه الأرض والنسل لسنوات طويلة مضت لولا بسالة الشيخ حسن نصر الله وحزب الله المناضل الذي تحمل فاتورة الدفاع عن لبنان بمفرده.

ولعلنا نتذكر المظاهرات المليونية التي نظمها حزب الله فى دولة عدد سكانها لا يصل لتمام أصابع اليدين بالمليون وكلمتى لهؤلاء المتنكرين تارة في لباس الفكر الاستراتيجي وتارة في لباس حقوق الإنسان وأخري في لباس الأدباء والعلماء بأن انزلاق لبنان في صراع داخلي هذه المرة قد يكون مدمرًا.

أسد عليَّ .. وفي الحروب نعامة            عار عليك .. إذا فعلت عظيم

******

عرب نيوز 10اكتوبر 2008

صور المساخر فى بلاد المفاخر

يثير الظلم فى أى بلد فى العالم مشاعر السخط والحنق والرغبة فى الانتقام إلا فى بلادنا العربية خاصة والإسلامية عامة فالظلم يثير الضحك وأنا فى تقديرى أن هذا الضحك يأتى ليس لبساطة فعل الظلم ولكن لشدته وقسوته وكتعبير ساخر عن مدى جبروت الجلاد من جهة واستكانة واستسلام الضحية المجلودة والتى بدأت تستطيب الجلد والجلاد من جانب آخر.

وكانت من أكثر الأشياء التى أثارت ضحكى أو سخريتى فى الآونة الأخيرة ما تناقلته وسائل الإعلام عن وجود أحزاب وجمعيات ونحو الألف شخصية عامة فى تونس وقعوا عريضة تطالب الرئيس زين العابدين بن على بالترشح لفترة رئاسة رابعة وتعديل الدستور الذى يمنع ذلك.والأكثر إضحاكاً أن تلك الدعوة انطلقت قبيل انتهاء فترة ولاية الرئيس بنحو أربع سنوات وهى الفترة الكافية لتمكين السلطات بمحاسبة و"تطيين عيشة" من لا يوقع على تلك العريضة .ويبدو أن المسئول الذى خطط لهذه الوقائع كان يريد إظهار أن الشعب هو الذى اجبر الرئيس - وليس العكس - على الاستمرار الى ما لا نهاية فى حكم هذه البلاد إلا انه نسى أن هذه الحيل لا يمكن أن تنطلى على الشعوب العربية التى تكتوى بنفس جموح النزوات للنظم الحاكمة.

المضحك أن النظام التونسى طور فى الطريقة وكأنه يريد أن يقول لأقرانه إنه الأذكى مع أن الجميع يعلم أن تونس هى الدولة العربية الوحيدة التى يعاملها رئيسها كشركة "قطاع عام" بحيث يروح يدفع للصحف والصحفيين فى العالم العربى لينشروا خبر افتتاحه اى شىء حتى لو كان لمحل "طرشى" ولذلك لا يمكن أن تجد صحيفة واحدة تهاجم نظامه اللأخلاقى الذى انفرد استبداديا بالتدخل بين العبد وربه وجعل الصلاة فى المساجد بتذكرة وحرم الطلاق واحل الزنا وقام - بحسب ما تواترت الروايات- بالظهور بطلعته البهية عبر شاشات التلفزة وقام باحتساء الخمر فى نهار رمضان حاثا موظفى الدولة على الإفطار وإلا فالعقاب .هذه صورة لأخطر النظم الاستبدادية فى عالمنا العربى الذى يكرس للقيم العلمانية الأتاتوركية التى تقريبا انقرضت فى بلدانها.

أما ثانية صور المساخر ففى مصر وهى تتمثل فى قيام خمسة أشخاص يتزعمهم سائق نقل ثقيل والثانى صحفى لم يكتب طوال حياته الصحفية عشرة اسطر والثالث مساعد مخرج فاشل كما فشل من قبل كـ"طبال"والرابع شخص كل أمانيه قيد اسمه فى جداول نقابة الصحفيين رغم أته ذو مؤهل متوسط والخامس "سمسار" متواضع للغاية للرخص الصحفية الأجنبية وقام الخمسة بتكوين حركة لدعم السيد جمال مبارك لحكم مصر أسبغوا عليها صفة الشعبية وقامت المنابر الإعلامية المصرية بـ"اللت والعجن" فى الموضوع الذى موله رجل أعمال "شرقاوى" ينتمى للحزب الوطنى.

ومع ذلك فهذا لا يعنى إننا ننكر حق السيد جمال مبارك الترشح لرئاسة الجمهورية فى أجواء انتخابية صحية وديمقراطية.

ومن المساخر التى هى حقا تؤلم أى عربى نظرا لمكانته العالية فى النفوس ما يحدث فى اليمن فالجميع يتذمر ويطلب المزيد من نظام لا يوجد معه ما يقدمه , فالجميع يعانى التهميش ولم يقل هذا الحزب أو ذاك من هذا الذى لا يعانى أيضاً وعلى رأسهم النظام "الحاكم" نفسه , فالمشكلة أن اليمن بلد فقير ولا رفاهية فيه لحاكم أو معارض.

اليمن يحتاج الى جهود التوحيد والعمل والإنتاج وليس إلى جهود التجزئة والتفتيت والتى تصنع كانتونات قزمية تضيف مأساة جديدة الى مأسينا القائمة خاصة فى هذا البلد الذى يلقبونه بالسعيد مع أنه لم يكن يوماً سعيدا بالمرة.ومن المساخر أيضاً علاقة الجزائر بجبهة البوليساريو ذات النزعة الانفصالية عن المغرب.

ولا أدرى ما شأن الجزائر قى ذلك وما علاقتها بتلك الجبهة وماذا ستستفيد من انقسام المغرب إلى دولتين إحداهما شمالا وعاصمتها الرباط والأخرى جنوبا وعاصمتها العيون .. وقد يقول قائل إن جبهة البوليساريو تدعم الدخل الجزائرى عبر إجراءات جمركية لصادراتها ووارداتها ولكن أى حكيم يقول وهل يكون المقابل تقسيم دولة عربية جارة ولماذا لا تطرح أن تأخذ مزايا مغربية مقابل دعم الاتحاد والوحدة لا الانفصال والتشرذم؟.

ألم تجد الحكومة الجزائرية معركة قومية أكثر نبلاً من معركة لا ناقة للجزائريين فيها ولا جمل؟!!!

 وعدوى المساخر العربية انتقلت إلى البلاد الإسلامية وعلى رأسهم باكستان التى تعد بكل معنى الكلمة دولة فاشلة تفتقد فيها كافة مقومات الدولة فالجيش الوطنى يقف عاجزا أمام كل أزمة والجيش الأمريكى وحركة طالبان المتنازعان لهما اليد الطولى فى معظم أقاليم الشمال.

المدهش أنه حينما ضربت السيول البلاد طولا وعرضا وعرضت حياة نحو 20 مليونا للموت فى أبشع كارثة إنسانية يشهدها العالم تفردت حركة طالبان " طلاب الشريعة" بمهام الإنقاذ وإطعام الجوعى وعلاج المرضى فى حين ظل الجيش لفترة طويلة عاجزا عن التحرك , وبدلا من أن يتم تقديم الشكر للحركة تم حظر مساهمتها فى أعمال الإنقاذ وهو ما يذكرنى بمثل شعبى مصرى يقول "لا يرحم ولا يدع الرحمة تنزل"


محيط – 25 يناير 2010

ماذا تبقى من العراق ليحكمه المالكي؟

في مارس العام الماضي أصدرت منظمة رصد فرنسية تقريرا خطيرا يفيد بأن عدد ضحايا الغزو الأمريكي للعراق وصل الي مليونين و350 ألف عراقي.

وقالت المنظمة التي اعتمدت احصائياتها علي ارقام استقتها من المستشفيات واقسام الشرطة والهيئات والمنظمات الانسانية والصحية الدولية العاملة في العراق وعبر مسح شامل لجميع الاراضي العراقية إن ما تأكد لديها يعد "هولوكست" حقيقي تعرض له العراقيون وأن ما قالته الولايات المتحدة وحلفاؤها في معرض تبريرها فرية كبري.

راجع الرابط علي شبكة الانترنتhttp://www.countercurrents.org/polya210309.htm

وفي الأشهر القليلة الماضية أصدرت منظمة صحية أمريكية مستقلة وثيقة الصلة بمنظمة الصحة العالمية التابعة للأمم المتحدة تدعي ‘ جماعة ‘ميرسي كور’ ‘ تقريرا آخر يؤكد وجود نحو ثلاثة ملايين ونصف المليون عراقي يعانون إعاقات جسدية وبتراً في الأطراف وتشوهات في الإبصار والسمع والكلام نتج معظمها جراء القصف العشوائي الذي شنه الجيش الامريكي علي العراقيين طيلة السنوات السبع الماضية بالإضافة إلى وجود نسبة منها ترجع إلى التفجيرات التي تجريها الميليشيات المتحالفة مع الحكومة العراقية او المتصارعة معها.

ذلك فضلا عن تقارير قالت ان نحو المليون عراقي قضوا نحبهم جراء الحصار الظالم الذي فرض علي العراق قبل الغزو.

ونشرت اليونيسبف التابعة للأمم المتحدة في تقارير متعددة لها أن نحو 70% من إجمالي الشعب العراقي يعانون من امراض نفسية وهلاوس بصرية وسمعية وعمليات خوف شديد تنتاب غالبية أطفال العراق وأرجعت التقارير السبب وراء ظهور تلك الأمراض إلى انه لا يوجد عراقي واحد لم يفقد واحداً من أقاربه علي الأقل جراء الحرب.

وأضافت التقارير أن أطفال العراق بالكامل مصابون بحالة خوف لا إرادي تجعلهم يخشون النظر إلى السماء التي لا تلقي عليهم إلا القنابل التي تحصد ذويهم.

راجع الرابط علي شبكة الانترنت

http://www.almansore.com/MakalatL/MK-DrMohanned14-09-09.htm#_ftnref1

ويوجد الآن نحو 150 ألف عراقي اسري في سجون الحكومة العراقية أو الاحتلال الامريكي وذلك بحسب تقارير نقلتها إذاعة وتلفزيون "روسيا اليوم " وهي أرقام تقل كثيرا عن أرقام أخرى نقلتها منظمات تابعة لفصائل المقاومة العراقية بكامل أطيافها تقول أن عددهم يتجاوز 750 ألف أسير.

كما يوجد نحو الخمسة ملايين عراقي هم الآن لاجئون إلى عدة دول لعل أهمها سوريا والأردن واليمن ومصر وبعض الدول الأوربية .

وأشارت تقارير عديدة إلى أنهم يعيشون في ظروف لا أدمية وتمارس حكومة "المالكي " الأمريكية – الإيرانية ضغوطا شديدة علي الدول التي تستضيفهم لإلغاء أقامتهم وإعادتهم إلى العراق تارة بحجة الحاجة إلى "كفاءتهم" في اعمار العراق " الجديد" أو إلى أنهم مطلوبون امنيا .. بما يعني إنهم يريدون تصفيتهم ليتحولوا إلى مجرد أرقام في تعداد ضحايا هذا العراق الجديد.

ولو أضفنا إلى هذا وذاك البدء فعليا في تقسيم العراق والاستقلال شبه التام الذي حازه إقليم "كردستان" في الشمال والبالغ عدد سكانه نحو الخمسة ملايين فإننا سنجد أنفسنا أمام سؤال منطقي للغاية وهو : ماذا تبقي من العراق والعراقيين ليحكمه المالكي؟

ماذا تبقي من شعب استشهد وأصيب أكثر من ربع عدد سكانه البالغ 20 مليون تقريبا وفضل الربع الثاني اللجوء السياسي في الخارج عن الموت دون ضجيج في الداخل بينما انسلخ الربع الثالث ليقيم دولة شبه مستقلة في كردستان في حين يظل الربع الأخير أما المنتمون لميليشيات الموت الحكومية أو المنتمون لحركات المقاومة أو خائف ومرتعش وصامت ومستفيد؟

وما هي كل تلك الضجة التي نسمعها هناك عن أحزاب وتيارات وحركات متصارعة ومساومات ومواءمات وتوافقات واختلافات وهي كلها أساليب تحاول بها حكومة المالكي العميلة الظهور بثوب الديمقراطية التي لو صدقت لكانت العراق أكثر من أمريكا نفسها ديمقراطية وليست الدولة الأكثر فسادا في العالم حسب تقارير أممية ؟

ولماذا كل تلك الضجة والكل يعلم أن هذه التنظيمات والأحزاب أو تلك هي صنيعة للاحتلال الأمريكي الإيراني المشترك للعراق ؟ لماذا يتناسى البعض أن العراق قطر محتل؟

منذ أيام أمهل ما يسمي مجلس محافظة النجف بالعراق البعثيين العراقيين من مواطني المحافظة للخروج منها خلال يوم واحد وإلا فانه سيقوم بعمليات إبادة لهم .. هل سمع أحدكم بهذه المهزلة ؟ هل سمع أحدكم بأن دولة ما حتي لو كانت من بلاد واق الواق تطالب مواطنيها بالرحيل عنها علما بأن عدد البعثيين في هذه المحافظة يتجاوز 190 ألف بعثي لو انضمت إليهم أسرهم لقاربوا المليون عراقي.

هل سمعتم عن دولة تقوم باستئجار مواطنين من دولة أخري للتظاهر ضد مواطنيها كما حدث حينما تظاهر نحو الألفي إيراني في العراق يطالبون بالقضاء علي البعثيين العراقيين ؟.

راجع الرابط علي الانترنت

http://www.almansore.com/MakalatL/MK-DrMohanned14-09-09.htm#_ftnref1

هل سمعتم من قبل عن رئيس وزراء يستعين بنحو 59 ألف عنصر استخباري إيراني لتأمين حكومته المفترض فيها أنها عراقية ؟

هل سمعتم عن دولة تقتل صحفييها وتستعين بمرتادي المقاهي والمتسكعين والساقطات لتضمهم إلى نقابة الصحفيين التي كان عدد أعضائها قبل الغزو نحو 950 صحفياً قتل منهم نحو 400 صحفي بعد الغزو وفر للخارج نحو 400 آخرين ثم صار عددهم في يوم وليلة نحو 12 ألف شخص لا يحمل معظمهم مؤهلات عليا ويتقاضي عدد كبير منهم رواتب ثابتة من قبل ضباط قوات الاحتلال الأمريكية مقابل أن يضعوا أسماءهم علي المقالات التي يكتبونها لهم ؟ وهي الفضيحة التي كشفت عنها صحف أمريكية وأوروبية نقلا عن اعترافات لضباط أمريكيين سابقين شاركوا في احتلال العراق .

أليس بعد كل ذلك يكون من الأجدى والمنطقي أيضاً تقديم نوري المالكي وزمرته وكل المشاركين معه فيما يحلو لهم تسميته بالعملية السياسية لمحاكمة عاجلة تقتص لدماء الأبرياء؟ ولكرامة بلد كانت هي الأقوى والأفضل تعليما وتماسكا وثراء في المنطقة العربية.

******

جبهة انقاذ  مصر – 28 يناير 2010

عبث المنطق ومنطق العبث بين مصر والجزائر

حقا يا سادة , نحن نعيش الآن في زمن الصغار , صغار القلوب والهمم والأماني , ضعاف النفوس والضمائر والبصائر, ضعاف الانتماء لله والوطن , قصار القامات والهامات , معدومي الشرف والكرامة. فما يحدث الان علي الساحة الكروية والتي انعكست علي الساحة السياسية بين القطرين الشقيقين مصر والجزائر لشيء مثير للغثيان ما لم يكن القرف , انه العبث بعينه , فالشعبان اللذان ضحي كل منهما بدمه فداء للآخر نجدهما الأن بعد مرور نحو الاربعين عاما.. وقد فعل الدهر خلالها ما فعل يضحي كل منهما بالغالي والثمين حتي يتسني له أن يسحق الأخر وأن يهدر كرامته مقابل الفوز في مباراة لكرة القدم ما جني منها الرابح ولا الخاسر شيئاً له قيمة تذكر , رغم أن كرامة الامة العربية بأسرها تهدر في كل مطلع شمس مائة مرة علي يد الصهيونية العالمية ورجالاتها وعملائها في فلسطين والعراق المحتلين , ورغم أن كل بلداننا العربية تقريبا ترزح تحت نير الامبريالية الأمريكية , وحال سبيلنا يقول "أسد علي وفي الحروب نعامة".

وفي زمن الكبار تصبح بالتالي كل التضحيات كبيرة , حيث راحت مصر الكبيرة والخارجة لتوها من عفن الاستعمار والاقطاع والشارعة في تنفيذ المشروعات التحررية الكبري في داخل مصر وخارجها تحت قيادة الكبير جمال عبد الناصر , فراح الزعيم خالد الذكر يدعم ثورة شعب المليون شهيد ويدرب كوادره ويعلن استقلال الجزائر وراح ايضا يرسل البعثات التعليمية والمهنية والعسكرية تلو البعثات حتي يهييء هذا الشعب العظيم لبناء دولته المستقلة ويعيده الي حضن أمته العربية بعد فرنسة دامت قرابة القرن ونصف القرن وعوقبت مصر جراء تلك المساندة الصادقة بالإضافة إلى أسباب أخرى عديدة نعلمها جميعا بالعدوان الثلاثي الغاشم 1956وما إن شبت أظافر الدولة الجزائرية الوليدة حتي حدثت نكسة 1967فعز علي الكبير أيضاً هواري بو مدين الزعيم الجزائري أن يري مصر وسوريا تمران بتلك المحنة فطار إلى الاتحاد السوفيتي مقدما شيكا مفتوحا علي بياض إليه نظير تجهيز جيشي هاتين البلدين الصامدين بأحدث الأسلحة السوفيتية.

وفي هذه الواقعة يحكي أن الزعيم السوفيتي بريجينيف اتفق عقب تناول الغداء الرسمي مع أحد كبار المرافقين العسكريين للرئيس الجزائري في تلك الرحلة وكان معروفا عنه أنه كان يعاقر الخمر علي أن مصر ستحصل علي دبابة متطورة مجانا مقابل كل كأس يشربه , فراح الرجل يتحامل علي نفسه وأخذ يشرب ويشرب حتي بلغ ما شربه نحو 19 كأسا –وهو رقم يكفي لقتل حصان- إلى أن خر ساقطا فنقل علي أثرها الي المستشفي بين الموت والحياة , وجاءت بعد ذلك حرب أكتوبر المجيدة 1973 فشاركت الجزائر بلواء كامل في أتون المعركة.

هذه هي نماذج النضال التي يجب أن تعلمها الأجيال القادمة , هذا هو النضال الحقيقي الذي يهدف في الأساس لحفظ الكرامة والدم العربي في معركة حقيقية ضد إمبريالية تتربص بنا وتضعنا جميعا معا في سلة واحدة لا تفرق بين القاهرة ودمشق والرباط وبغداد والدار البيضاء وبيروت , فجميعنا عندهم عرب ومسلمون يجب القضاء عليهم.

أما في زمن الصغار , فكل الأشياء حتماً ستبدو صغيرة , سنترك إسرائيل تنجو بجريمتها في حق دم أبنائنا الذين يقتلون مرارا وتكرارا دون دية علي أراضينا في سيناء وسنصب جام غضب شعبنا في مصر ضد شعبنا في الجزائر بحجة "ماتش" كرة , سندعو الي التحرر الجنسي وسنترك بلداننا العربية محتلة , سنعتبر أن الوصول للعب في كأس العالم هو النجاح بعينه مع أننا فاشلون في كل العلوم , سنكرم لاعبي كرة القدم والمشخصاتية ودعاة التغريب وسنهدر طاقة علماء الذرة والكيمياء والفيزياء لدرجة تجعل الواحد منهم يتمني أن ينال من الحظ ما تناله راقصة , سنحط من شأن أي باحث وسنعلي من شأن المباحث, إنه الحول الذي أعمي الأفئدة قبل الأبصار, فصارت المصالح الشخصية اعلي من مصلحة الأوطان , ولا عزاء للشعوب وأمانيها القومية.إنه بحق عبث المنطق أو ربما منطق العبث .

مرفقات لها دلالة:

* برنامج الحياة اليوم علي قناة الحياة أذاع يوم الجمعة 20 نوفمبر الماضي لقطات لعدد من مشجعي كرة القدم يحملون العصي والسكاكين وصفهم بأنهم مشجعون جزائريون الا أن مراسل القناة في الخرطوم أكد في اتصال هاتفي أن هذه اللقطات ليست لمشجعين جزائريين وأن الاستاد ليس هو الاستاد الذي أقيمت عليه المباراة بل إنه قال إن هذه اللقطات قديمة ومتوافرة علي صفحات الفيسبوك منذ سنوات!!

*احدي الفضائيات حضرت إلى نقابة الصحفيين المصريين وراح المعد والمخرج يدعوان المتحدثين إلى سب الجزائر والقومية العربية ودعاهم لأن يصفهم بالهمج .. كان من سوء حظ معد البرنامج أن أحد الذين التقي بهم وهو الزميل حسن بديع وهو واحد من المثقفين القوميين المعروفين فراح ينهرهما وطردهما من النقابة.

*الاعلامان المصري والجزائري-علي حد سواء- الرسمي وغير الرسمي يقومان وبطريقة منظمة بتصعيد الحرب الكلامية بشكل غير مسبوق .. و شاركت في هذه المعركة أقلام عرف عنها "تلقي الأوامر".. فهل الاعلام العربي في مصر والجزائر علي حد سواء .. مخترق.

******

محيط 11 فبراير 2010

إيران .. معنا أم علينا

سؤال يلح على أذهان الكثيرين فى عالمنا العربى ومجرد طرحه يعد معيارا لعمق الفجوة التى أحدثتها نظم الحكم والسياسيون فى العلاقات بين الثقافتين المتقاربتين التى يؤمن بها العرب سواء أو الفرس.

هل نحن فشلنا فى فهم إيران أم هى التى فشلت فى فهمنا ؟

فنحن - واقصد بها الشعب العربى وليست نظم حكمه- كنا نعتقد أن إيران جزء مكمل لمنظومتنا العربية وأنها ليست بعدو قط ولكنها حليف استراتيجي مهم وامتداد فكري بالغ الأهمية لامتنا العربية , وكناتج لهذا الإيمان نرى أن القوة العسكرية الإيرانية من الممكن -لو حسنت النوايا- أن تصبح رصيدا مضافا للقوة العربية- إن وجدت- ولذلك فنحن نتمنى لها النجاح فى اجتياز أزمتها النووية .

ولكن ثمة أمر محير لدى نظام الحكم القائم فى إيران الذى نتفق معه بشده فى نصف إشكالياته ومنها موقفه من الصهيونية  والمحرقة المزعومة وبرنامجه النووى ونختلف معه بشدة أيضاً فى النصف الآخر والمتمثل فى سعيه لتصدير الثورة الى جيرانه العرب  فى الخليج لاسيما العراق التى استعملها كرهينة بالمشاركة مع الاحتلال الأمريكى لإملاء إرادته علينا.

ولكل ذلك تثور تساؤلات لدى الشعوب العربية حول الأسباب التى تدفع إيران للتضحية بكل روابطها العربية مقابل سعيها لالتهام العراق؟ وكيف ترضى أن تصبح فزاعة الخليج العربى مقابل الرضاء الأمريكي الذى لا يمل ولا يكف عن اختلاق الفزاعات الوهمية لابتزاز هذه الإمارات رغم انه اخذ منها  ما ينوء عن حمله أولوا القوة وافترش أرضها طولا وعرضا بقواعده العسكرية

لماذا دفعت إيران بميليشيات حزب الدعوة الايرانى المنشأ والجذور والوسيلة والشخوص والغاية والأهداف لكى يعتلى حكم العراق المذبوح أمريكياً وعبر جسر بناه أكثر من مليونى شهيد وخمسة ملايين مشوه وستة ملايين لاجىء من إجمالى شعب لا يتجاوز عدد سكانه 25 مليونا؟

 ولماذا دفعت أيضاً بميليشيات أخرى مثل بدر الإجرامية وجيش المهدى ليمارسا دور المعارضة رغم أن الجميع وتحت المظلة الأمريكية  صاحب توجه ايرانى ويرتكبون الفظائع عنها بالوكالة.

انه وبصدق فإن الشعب العربى لا يكن العداء لإيران ولكنه فقط يطلب منها أن ترفع يدها عن العراق وان تتركه لشعبه ومقاومته الباسلة ليحددا مصيره,وأنا اعتقد جازما بأن هذا المطلب لو عرض فى استفتاء على الشعب الايرانى لوافق عليه فورا بأغلبية كاسحة .

نعم.. لا توجد أية خلافات عربية إيرانية عدا ما سبق , أما ما اثير من نزاعات فى الآونة الأخيرة فكلها مجرد أوراق تستعملها النظم الموالية فى معظمها لأمريكا لكى يتمكن أى طرف منهما فى تقديم الآخر قربانا على معبد البيت الأبيض بغية التوريث او غض الطرف رغم أن البيت الأبيض لا يحترم هذا ولا ذاك .

وقبل أن نعاتب نظام الحكم فى إيران فمن الإنصاف أن نعاتب نظم حكمنا العربية التى ناصبت إيران العداء ليس لكونها شريكاً فى مأساة العراق - وذلك لكون تلك النظم متورطة أيضاً وبشكل جدى ومخز فيها - ولكن مجاملة للاحتلال هناك من أجل أن ينال هو وليست هى - أى إيران- الجزء الأكبر من الكحكة المعجونة بدماء الأبرياء.

إننى قد لا أكون مبالغا لو قلت أن إيران لو قررت باكرا رفع يدها عن العراق وسحبت ميليشياتها الحاكمة منه وكشفت عن أسماء مئات الآلاف من الإيرانيين الذين تجنسوا بالجنسية العراقية بغية الإخلال بالتوازن العرقى بما فيهم نحو 56 ألف عنصر أمنى ومخابراتى لغفر العرب لها خطاياها وأدانوا حكامهم الذين يساعدون الاحتلال سرا وعلانية ولأسقطوا عنهم أقنعتهم الزائفة بوصفهم شركاء أصليين فى الجريمة وهو بالطبع ما يبرئ ساحة إيران مما يعد اكبر دعاية لها فى العالمين العربى والإسلامى.

فنحن بحق فى حاجة إلى إيران القوية من أجل إحداث التوازن فى المنطقة مع الكيان الصهيونى وفى ذات الوقت نريدها أن ترفع يدها عن عالمنا العربى لا أن توجه تلك القوة ضدنا ’اى نريدها معنا وليس علينا, وهو الأمر الذى نعتب على نظم حكمنا  فى عدم سعيها إليه..

وقبل أن أنهى حديثى لا يمكننى إلا أن أنبه إلى أن العراق الذى ضحى بالملايين من أبنائه لن يتحرر إلا على يد مقاومته الباسلة بكل فصائلها سنة وشيعة وأنه ليس قاصرا وليس فى حاجة لدعم أى نظم تخلت عنه سواء أكانت عربية أو إيرانية أو عالمية

******

18 اغسطس 2010

في فهم حقبتنا التاريخية

من أصعب فترات التاريخ فترة "اللاشيء ", وهي الفترة التي عادة ما تكون طويلة جدا زمنيا ومهملة وتافهة للغاية حدثيا وفكريا وهي أيضا الفترة التي عادة ما يقفز فوقها المؤرخون ليذهبوا الي الفترات ذات الفعالية بعدها أو قبلها.

ومن إعراض فترة "اللاشيء" أن بطولات أبطالها بالغة الصغر لدرجة لا يمكن معها رؤيتها بالعين المجردة , وربما لم تكن موجودة أصلا , والمدهش أن أبطالها يبذلون الغالي والنفيس لإنجازها ولذلك هم يعدونها من عظائم الأعمال ومعجزات التاريخ , والأكثر دهشة .

في تلك الفترات يصبح مبرراً ومعتادا ضياع الجميع في صمت ضحايا لها , ومع ذلك يبقي من أصعب صفاتها أن العذابات فيها قاسية للغاية بما لا يتناسب مع تفاهة "اللاشيء" الذي تذخر به.

وأنا اعتقد أن تعاسة الإنسان منا - نحن بني البشر - أو سعادته يقع جزء كبير منها علي العصر الذي خلق فيه , فإذا كان الواحد منا مبدعا أو مفكرا أو حكيما سيصبح من المفيد أن يكون قد خلق في زمن مهم , لأنه في الأزمان المهمة ينقب الناس عن المفكرين والموهوبين ليستفيدوا أعظم الاستفادة منهم ولكي يعطونهم حقهم من التقدير والإجلال , أما في الأزمان غير المهمة فان الناس ينقبون عن المفكرين والمبدعين ليشبعوهم قتلا أو سجنا وذلا وفقرا وتحقيرا وذلك لأن الحاكم المستبد يسعي جاهدا إلى تجهيل وتغريب شعبه - كما بقول عبد الرحمن الكواكبي في طبائع الاستبداد.

اعذروني يا سادة .. لو قلت لكم إنني اعتقد إننا كعرب نعيش في حقبة تاريخية تافهة من حقب "اللاشيء " وان كاتبا محترما للتاريخ سيقفز متجاوزا الخمسين عاما الماضية - مع ما يضاف إليها مستقبلا - دون أن يكتب حرفا واحدا عن العرب , وان كتب فلن يعرفها إلا "بحقبة الانحطاط والاضمحلال العربي".

اعذروني لو قلت إنها أزمنة ضحي العرب فيها بالعرب , من اجل استمرار "اللاشيء", هي فترة تآمر فيها العرب علي فلسطين حتي تأكدوا من ضياعها , مدينة مدينة , وحارة حارة , وراحوا بعد ذلك يقلبون المفاهيم فأطلقوا علي الخيانات دهاء الساسة والسياسات , واعتبروا التبلد والبرودة دبلوماسية , ولقبوا الهزائم بالتضحيات , وما إلى ذلك , مع أن من يمتلك ولو ادني توثيق تاريخي سيدرك بلا ريب أن فلسطين قدمت قربانا لاستمرار ملوك فوق العروش .

وليت الأمر انتهي , حيث استمروا في تقديم القرابين لغول لا يشبع , فما أن فرغوا من تقديم فلسطين حتي شرعوا في ذبح العراق وراحوا جميعا بكل جد وإخلاص في تجفيف منابع الحياة لها طيلة 20 عاما - 13 للحصار و7 بعد الاحتلال - حتي سقطت حاضرة الرشيد قربانا جديدا عظيما من اجل استمرار البقاء علي تلك الكراسي.

ومن ضمن مسلسل القرابين الذي لا يجيد ساسة العرب شيئا سوي الاستمرار فيه في ظل حقبة "اللاشيء" التافهة , الوقوف علي مشارف انفصال وتفتت السودان , والسعي لتقسيم اليمن السعيد الذي لم يكن سعيدا في تلك الحقبة.

قد يخالفني أحدكم الرأي - ويطرح رؤية أخشي طرحها وان كنت لا استبعدها - بأنها ليست أزمنة تافهة ولكنها علي النقيض هي شديدة الخطورة والأهمية , وإنها بمثابة مفصليات في جسد التاريخ تتحكم في توجهه لينتصر لكل رذائلنا ونقائصنا ونصبح أمة مهددة حقا بالزوال والانقراض كأمم كثيرة خلت من قبلنا.

بصراحة صارت الأخطار والمؤامرات المحدقة بالأمة العربية لا تعد ولا تحصي ولأن تيار المقاومة ينحسر فموجة العدوان الخارجي تزداد شراسة والنظم - أو اللانظم - الرسمية تزداد انبطاحا وتنازلا لدرجة جعلتها مجردة من كل إمكانية للمساومة علي التنازل.

لقد صرنا امة مهددة في كل شيء بدءا من الثقافة إلى الاقتصاد مرورا بالإدارة والقوة , امة تفتقد لكل مقومات البقاء والاستمرار.

ومهما كانت تلك الحقبة التاريخية شديدة الأهمية إلا إنها قطعا حقبة غير معتادة , استعمرت فيها بلادنا عسكريا وقاومت وتحررت ثم عاد الاستعمار إلينا عبر وكلائه من بني جلدتنا والأقطار التي خلت من الوكلاء استعمرت عسكريا , لدرجة صار فيها الحكم مرادفا للانبطاح والموالاة لأمريكا وربما إسرائيل.


المنصور 14 نوفمبر 2010

أيها الشهيد العظيم .. أطلت قامتنا

في يوم استشهادك,أطلت قامتنا, وكعادتك , لم تخذلنا قط , فلم تضن علينا أبدا ولو حتي بروحك الطاهرة الأبية,  فعشت رجلا في زمن تسيد فيه المخنثون والأشباه والاتصاف , ومت بطلا في زمن استولي عليه القرود والأقزام.

عشقت عروبتك فعشقتك, تمسكت بشيم الأولين فتنفست شجاعة عنتر وشهامة المعتصم وجود حاتم وعدل عمر وصدق الصديق ووراعة وحكمة علي ومت كما مات جدك الحسين وعلي.

فما أشرف أن نحيا كما حييت وما أقدس أن نموت كما مت,عشت رمزا لكل عربي صادقاً ومت مبرهنا علي عظمة الإيمان بالإسلام.

أيا صدام, يا صقر العرب ,بل يا صقر العروبة نم في جنتك قرير العين ,فلعاصمة الرشيد التي أسقطتها الدسائس رجال ما هدأت لهم عين ولا غمض لهم جفن حتي يكملوا مسيرة تطهيرها من الأزلام تطهيرا كما طهرها أسلافهم من المغول والإنجليز , وهو أمر لا نشك قط أنه آت لا محالة وأن سوط العدالة وزمجرة البنادق سيمزق هذا الظلم والإجرام.

فلقد جعلت يا أبا الشهيدين قوميتنا - وأنت فاديها وابنها البار-تتباهي بنبتها الطيب أمام كل قوميات الدنيا , فتضاءل أمام فدائك فداء ديجول فرنسا وماوتسي تونج الصين وتشي جيفارا اللاتيتي ولومومبا الإفريقي وهتلر الألماني وبوليفار الكولومبي وسبارتكوس الإغريقي.

ورحت تتقدم الصفوف مع رفاقك وأحبابك كيلاني العراق وعرابي وناصر مصر وعبد القادر الجزائري ومختار ليبيا وسلال اليمن ومهدي السودان وكل رموز فدائنا في أقطارنا العربية.

فتحية لك أيها الشهيد العظيم الذي وقف أمام حبل المشنقة فلم يرتجف ورفع رأسه العربية وهزأ منها فقالها عالية "هذه الأرجوحة للرجال""..

تحية لرقبتك الكريمة التي التفت حول حبل المشنقة .. وتحية موازية لرجال المقاومة العراقية سنتها وشيعتها قومييها وإسلامييها واشتراكييها الي أن يطردوا شراذم الأمريكان والإيرانيين وحكومتهما المختلطة العميلة .

أيها الشهيد العظيم ،استشهدت دفاعا عن الأرض والعرض والدين فحقت لك الولاية ، واجتزت اختبارا راهن الضعفاء علي رسوبك فيه - وأنت الذي ما رسبت قط - فلم تجتازه فحسب بل جعلته شهادة لك يخلدها التاريخ وتتناقل حكاياتها الأجيال بكل فخر، جيل بعد جيل.

وصموك بكل ما لم يستطيعوا ان يفهموه فيك ، لأنهم يفتقدونه ، وفاقد الشئ لا يعطيه ، فقالوا عن حزمك طغيانا ، وشجاعتك وإقدامك ديكتاتورية ، وعدالتك تسلطا ، وحبك للعروبة سفها ، ورفضك للخنوع تهورا ، وعدم خيانتك لوطنك غباء ..

فحمتك مشيئة الله من كل ما كادوه لك ، وما رسموه حولك من أكاذيب ، ورصدوا في سبيل ذلك - كما نشرت صحف غربية وأمريكية - نحو نصف تريليون دولار ، فذهبت الرشي للقاصي والداني واخترقت كبريات وسائل الإعلام في العالم حتي انتهت بصحف بئر السلم ، إلا أنه رغم كل ذلك كان أولوا التدبير هلكي ، وراح شعاع الحقيقة يخترق الظلمة ضعيفا حتي هزمها ، فأخذت في التلاشي.

فها هو قاضيك يستقيل من المحكمة ويقول للعالم إنه يفخر بأنه كان مواطنا في بلد يحكمه صدام حسين وان هذا الرجل برئ من كل ما نسب إليه .

وها هم اللصوص ، الذين انبريت بكل شهامة ومروءة في محاربتهم في حملة الأنفال ، ينهشون العراق لحما وعظما ودما ، ويحكمونه بالتفجيرات والأباتشي الأمريكية والمليشيات الإيرانية ، وها هم أبناء العراق النشامي ونساؤه الماجدات الآن ينتظرون في لهف ولادة صدام حسين جديد يقود العراق للتحرر من العصابات الحاكمة والميلشيات الإيرانية والمارينز الأمريكي الذي قتل مليوني عراقي بحسب إحصاءات فرنسية ومليون عراقي بحسب تصريحات للسفير الروسي في قطر.

ندرك يا سيادة الرئيس الشهيد أن إيران فرضت علي العراق حربا في الماضي فخضتها ولكن هذا لم يكن يدركه من قبل إلا القليلون.

وندرك إنكم براء مما نسبوه لكم زورا في قصف قرية حلبجة الكردية بالسلاح الكيماوي وها هي صحف غربية تؤكد أن إيران هي من قصفت تلك القرية وقتلت نحو 3500 شخص .

ندرك أنك لم تخض حربا إلا دفاعا عن بغداد لا واشنطن ، والجميع في بلادنا يخوضون حروبهم دائما بالوكالة عن أمريكا وإسرائيل .

وندرك ان الكثيرين من حكام العرب كانوا يغارون من شجاعتك فتأمروا عليك والآن انكشف كيدهم وانفك سحرهم وصاروا سوءة في تواريخ بلدانهم.

ندرك يا سيادة الشهيد أن المقاومة العربية في فلسطين خسرت فيكم أبرز مقاتليها وأكرم مانحيها واخلص الناس فيها .

جعلت من العراق كل بلاد العرب والتقي في بغداد كل من تقطعت بهم السبل في أوطاننا ، فالضعفاء في كل أرجاء الوطن العربي هم رعايا لك يحجون الي عاصمة الرشيد ليحتموا بها ولتقوي هي بهم.

كل يوم ينكشف المزيد والمزيد من دلائل عظمتك حتي صار لا يجهل سموك إلا اعمي ولا يسمع صوتك إلا أصم.

تقبل تحياتنا ودعواتنا لله لك بالفردوس الدائم مع الصالحين.

****

24 نوفمبر 2011

وهم دولة العراق الاسلامية

فى نهاية شهر يناير من مطلع العام 2010 , نقلت وسائل الإعلام المحلية العراقية والدولية أنباء عن قيام طائرات تابعة للاحتلال الأمريكى بإلقاء منشورات موقعة باسم"دولة العراق الإسلامية" فى مناطق واسعة مما يسمى - طبقا لتقسيمات الاحتلال - بالمثلث السنى , تحذرهم من الخروج للتصويت فى هذا اليوم, ونقلت الصحف ووكالات الأنباء هذه المعلومات إلا أنها خمدت بشكل مفاجئ فيما بعد.

وفى كتابه "وكلاء الرعب فى الإسلام" كشف البروفيسور "جوزيف مسعد" المدرس  بجامعة كولومبيا عن العديد من تفاصيل تعمد بعض الشخصيات الذين وصفهم بوكلاء الإساءة للإسلام نسج الحكايات وبث الأفلام التى من شأنها تحقيق هذا الغرض مؤكدا علاقة هؤلاء الأشخاص بالصهيونية.

وممن كشف "مسعد" عن شخصيتهم شخص يدعى "ستيفن ايميرسون" وهو ينحدر من عائلة يهودية بنيويورك وقال انه رجل استمر طيلة عقدين من الزمان ينسج الأباطيل ضد المسلمين محاولا إظهارهم بمظهر الإرهابيين.

وقال إن "ايميرسون" قدم عام 1993 للإعلام الأمريكى فيلما وثائقياً أسماه "الجهاد فى أمريكا" حرض فيه بشدة ضد المسلمين حتى سقط العديدون منهم قتلى فى هجمات عنصرية , بل وراح وبعيد تفجيرات "أوكلاهوما" بدقائق يظهر على شاشات التلفزة الأمريكية ليخبر الجميع انه حذر من هجمات للإرهابيين المسلمين من قبل , ولم يكترث أحد , حتى حدثت هذه الجريمة التى كان يعلم بكل تفاصيلها , واكتسب شعبية كبرى لم يمحها إثبات تورط أمريكيين اثنين من غير المسلمين فى تلك التفجيرات , وفى 1998 نشرت كبريات الصحف الأمريكية ما قالت إنها معلومات يقينية عن نية باكستان ضرب الهند بالقنابل النووية وراحت تقدم رجلا قالت إنه عالم نووى باكستاني يدعى "افتخار خان" ووصفته بأنه مصدر تلك المعلومات إلا أنه فى لقاء مع علماء ذرة أمريكيين انكشف أمر "افتخار خان" حيث اتضح انه يجيد الكذب ولا علاقة له بالذرة وما هو إلا لاجئ يضمر العداء لإسلام أباد  وقد قدمه للإعلام الأمريكى "ايميرسون" ذاته.

ومن أكاذيب "ايميرسون" أنه ادعى فى شهادته أمام لجنة فرعية من لجان الكونجرس الأمريكى بأنه تلقى تهديداً من إرهابيين مسلمين بالقتل وراحت الاستخبارات الأمريكية تحقق فى الأمر بجدية فاكتشفت زيفه كالعادة.

وذاع صيت "ايميرسون" وبدأت حبكته المتقنة فى الكذب تلقى اندهاشا من أوساط الإعلاميين الأمريكيين الذين رأوا أنه بكذبه قد نبههم إلى خطر محتمل حقيقى , وقامت الجيروزاليم بوست الصهيونية تكشف عن علاقة "ايميرسون" بالموساد الصهيونى.

وتأتى بعد "ايميرسون" شخصية أخرى أشد اتقانا للكذب وتدعى "ريتا كاتز" وهى يهودية تنتمى للبصرة العراقية وقد أعدم والدها مع 14 شخصا اخرين بينهم 9 يهود فيما برىء 7 يهود آخرين بتهمة التجسس لحساب الكيان الصهيونى وذلك فى 27 يناير 1969 وهربت وعائلتها الى إيران ومنها إلى أمريكا.

ارتبطت ريتا بعلاقة وطيدة مع "ايميرسون" فيما كانت تعمل فى مركز يدعى "مركز الأبحاث الإعلامية للشرق الأوسط" ويرمز له اختصارا  بـ"ميمورى" وهو مركز يقول أن من أهدافه مراقبة الإعلام فى الشرق الأوسط ويرأسه شخص يدعى"ايجال كرمون" وهو ضابط استخبارات إسرائيلى تربطه علاقة وطيدة بديك تشينى نائب الرئيس الأمريكى السابق جورج دبليو بوش.

والمدهش أن "ميمورى" افتتحت فرعا لها فى شارع "أبو نواس" ببغداد مع قدوم الاحتلال اليه رغم خطورة الأوضاع الأمر الذى يتنافى مع مهمة مراقبة الإعلام فى بلد لم يكن تعمل فيه أجهزة الإعلام بسبب الحرب.!

والسبب فى خطورة "ريتا كاتز" والتى افتتحت مركزا مستقلا لها أسمته  s.l.t.e"" أو"سايت انتيلجانس جروب" أنها كانت تتقن التزييف وترتبط بثقافة الإسلام لكونها فتاة بصراوية وينسب إليها  إنشاء تنظيم "دولة العراق الإسلامية" على الشبكة العنكوبتية والتى تلقفت وسائل الإعلام أخباره دون تمحيص حتى صار حقيقة لا تقبل الشك عند بعض الناس رغم ان  الـ"الآى بى" الذى كانت ترسل منه بيانات " دولة العراق الإسلامية " هو ذاته الـ"الأى بى" الخاص بشركة "ميمورى" لمراقبة الإعلام .

وقد كانت من اكثر فضائحها أنها قامت ببث شريط للشيخ أسامة بن لادن قبل أن يبثه موقع القاعدة نفسه.

وكتب "جوبى اريك" الصحفى فى الواشنطن بوست الأمريكية فى 10 اكتوبر 2007 مؤكدا ان التسجيل الذى نسب إلى زعيم تنظيم القاعدة فى اليوم السابع من شهر سبتمبر الماضى وحث فيه الأمريكيين على اعتناق الإسلام متنبأ بفشل الحرب على العراق وأفغانستان هو تسجيل صادر من "سايت انتيلجانس جروب" لمؤسسته "ريتا كاتز" والتى سارعت حينئذ بإخبار الجميع أنها سرقت الفيديو من موقع القاعدة عبر قرصنة اليكترونية وقبل بثه رسميا.!! بالطبع .. عذر غير منطقى اقبح من ذنب غير مغفور.

وفى حوار أجرته صحيفة "المصرى اليوم " المصرية بتاريخ 21 نوفمبر 2010  , كشف عبد السلام ضعيف أنه سمع بنفسه من الشيخ أسامة بن لادن نفيه القاطع عن علاقة القاعدة بهجمات سبتمبر الأمريكية  وذلك فور وقوع تلك الهجمات.

فيما نشرت مراكز بحثية غربية متعددة أبحاثا أكدت فيها براءة القاعدة من هجمات سبتمبر الأمريكية واختصت الاتهام بالموساد الاسرائيلى نفسه وبعض القوى الأمريكية ومن تلك  الموقع موقع يسمى  Press Pakalert وهو مركز دراسات أميركي يعنى بالملفات الساخنة التي يعيشها العالم، والقضايا الكبرى على المستويات الأمنية والسياسية حيث نشر ذلك فى ديسمبر 2010 الماضى.

وأكَّد تقرير للمخابرات الألمانية "أن الموساد الإسرائيلي لم يكن على علم بهجمات 11 سبتمبر فحسب، وإنما شارك في وضع الخطط لتنفيذها"، وجاء في التقرير الذي نُشر على موقع "تيير نيوز أورج الألماني" أن الإسرائيليين حذَّروا الأمريكيين من احتمال حدوث الهجمات، ولكنهم لم يُطلِعوا الأمريكيين على مكان وزمان الهجوم اللذين يعرفهما الموساد الإسرائيلي بدقة تامة، وأشار التقرير الألماني إلى أن عددًا من أجهزة الاستخبارات الغربية لا سيَّما الفرنسية والألمانية والروسية حذَّرت الإدارة الأمريكية من الهجمات، ولكن بوش وتشيني ومسئولين آخرين تجاهلوها.

وكان موقع "دات ريلي هايند" الأمريكي قد كشف في وقت سابق من هذا التقرير عن أن خمسةً من عناصر الموساد الإسرائيلي اعتُقِلوا في يوم الحادث عندما كانوا يشاهدون انهيارَ الأبراج المستهدفة مبتهجين، وأضاف الموقع أن شبكة تجسُّس تابعة للموساد قامت بتصوير لحظة اصطدام الطائرات ببرجي مركز التجارة في نيويورك بالكامل، وتبين فيما بعد أن الشبكة كانت قد أَعدَّت كاميرات خاصة صوب الأبراج لتصويرها بدقة، وكان بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي وقتها قد اعتبر أحداث سبتمبر بعد وقوعها بأنها تخدم المصالح الإسرائيلية.

أما الكاتب الفرنسي الشهير "إريك لوران" فقد أكَّد من جهته في الفصل السابع من كتابه "عالم بوش السري" أن إسرائيل كانت حاضرةً بقوة في أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 بقدر ما كانت وراء حرب العراق.

بدوره أكد الكاتب البريطاني "آيد تونر" أن هناك دلائل قاطعة تشير إلى أن الموساد الإسرائيلي كان على علم بهجمات 11 سبتمبر التي استهدفت مركز التجارة العالمي ومبنى البنتاجون"، وأضاف موضحًا: "لقد نشرت صحيفة الجيروزالم بوست الإسرائيلية في اليوم التالي للهجمات تقول إن وزارة الخارجية الإسرائيلية تسلَّمت أسماء أربعة آلاف إسرائيلي يعتقد أنهم كانوا في مبنى مركز التجارة العالمي قبل وقوع الهجمات".

ويقول الكاتب الأمريكي "ديفيد ديوك" المرشح السابق للرئاسة الأمريكية في مقالٍ نشره على موقع الإنترنت الخاص به ردًّا على التساؤل حول دور إسرائيل في الهجمات: "إن خبراء مركز الأبحاث والدراسات العسكرية في الجيش الأمريكي يقولون: إن الموساد لديه القدرة على توجيه ضربات لقوات ومصالح أمريكية وجعل الأمر يبدو على أنه من تدبير فلسطينيين أو عرب"، ويضيف: أنه من السخرية أن يهاجم مركز التجارة العالمي بعد أربع وعشرين ساعة من نشر هذا التقرير.. فهل للموساد يدٌ خفية في هذا الهجوم؟!

ويرى الكاتب ديوك أن الموساد تمكَّن من اختراق ما يعتبر أخطر منظمة إرهابية في العالم، ألا وهي القاعدة.. ويتساءل: هل من المنطق في شيء ألا يكون لدى شبكة الموساد الواسعة الانتشار أي علم مسبق بأكبر عملية إرهابية في التاريخ؟!

ويجزم الكاتب بـ"أن الموساد كان على علم بالأمر.. وربما ساعد الموساد وحرض من دبَّر الهجوم، لأنه رأى في مقتل الآلاف من الأمريكيين ما يخدم مصالح إسرائيل".

وتعزيزًا لنظرية "ديوك"، أكَّد عضو البرلمان الألماني آندرس وون -بولو "أن إسرائيل هي التي تقف وراء الأعمال الإرهابية -عن صحيفة هآرتس"، وبينما أشارت تقارير عديدة استنادًا إلى صحيفة هاآرتس أيضاً إلى "أن موظفي شركة ستارت-إف الإسرائيلية تلقَّوْا رسائل تحذِّرُهم من الهجوم قبل وقوعه بساعتين تقريبًا"، وعرض ثَرِي أمريكي يدعى "جيمي وولتر" مكافأة مالية تتجاوز ثلاثة ملايين دولار لمن يُثبِت عدم تورط الإدارة الأمريكية بهجمات سبتمبر.

أما "راي ماكجافرن" وهو مسئول سابق في جهاز الاستخبارات الأمريكية فأعلن من جهته أمام عددٍ من أعضاء الكونجرس: "أن أمريكا ذهبت إلى الحرب على العراق من أجل النفط وإسرائيل؛ كي تتمكن من الهيمنة على ذلك الجزء من العالم".

هذا غيض من فيض , نحن لا ننكر وجود تنظيم القاعدة ولا اشكك فى جهادية الشيخ أسامة بن لادن والدكتور ايمن الظواهرى وغيرهما ولكن أخشى ان ينسب إليهما ما ليس فيهم , وان يستعملا كمعاول للهدم لا للبناء , خاصة مع انه فى كل مرة تنتشر حقيقة براءة القاعدة من هجمات سبتمبر نفاجأ بشريط يؤكد أن القاعدة هى من نفذته, أليس بتلك الشرائط تعطى الذرائع لقتل ملايين المسلمين فى كافة إنحاء العالم تحت مسمى "مكافحة الإرهاب".

إذا أرادوا تدمير العراق قالوا ان هناك علاقة بين صدام والقاعدة وتخرج علينا التسجيلات التى تؤكد ذلك , وإذا أرادوا تقسيم اليمن ظهرت الطرود المفخخة وتصدير الطابعات الحديثة من "اليمن" الى "أمريكا" ,وإذا أرادوا جعل البحر الأحمر بحيرة مغلقة للأساطيل الأمريكية والصهيونية ظهر القراصنة الصوماليون , واذا أرادوا إرهاق مصر بالتفجيرات  والفوضى هددت "دولة العراق الإسلامية" بتدمير الكنائس المصرية وتحرير فتيات مسلمات تقول إنهن مختطفات فيها , مع انه كان أولى لهذا التنظيم تحرير العراق لا مصر.

لقد جزم لى أيمن الفايد المستشار السابق للشيخ أسامة بن لادن فى حوار أجريته معه -نشرته الأسبوع اون لاين -أن تنظيم دولة العراق الإسلامية هو مجرد وهم استخباري,وان القاعدة نفسها مرت بثلاث مراحل وهى الـتأسيس ثم الثبات والانتشار ثم الانحسار والاضمحلال,ولكن على ما يبدو أن هناك- بحسب قوله–جهات تسعى لاستعادة السمعة التى حظى بها تنظيم القاعدة من اجل التبرير لأعمال إجرامية واستعمارية ضد الشعوب الإسلامية فيما يسمى بالمرحلة الرابعة من مراحل تنظيم القاعدة. المهم فالتفاصيل تأخذني دون قصدي  بعض الأحيان , ولكن لكل مقام مقال .. فقد هاجمنى بعض الأشخاص على تقرير كتبته يؤكد عدم وجود تنظيم "دولة العراق الإسلامية" واعتبروا هذا النفى تبريرا للإرهاب الذى سأكتوي – لاشك – بناره , ولست أدري طالما كانت النوايا سليمة فماذا يضيرهم أن أطمئنهم بعدم وجود هذا التنظيم الذى هددهم أم أنهم يريدونها دائما "ساخنة".!!

******

محيط – 9يناير 2011

سوق الشماعات

لأشد ما يصيبني بالدهشة أن أجد مثقفا مصريا أو عربيا لا يؤمن بأن أمتنا مستهدفة ’ مع أن فلاحا بسيطا في حقل ناء في أي من بلداننا العربية استطاع أن يدرك ذلك بجلاء , وذلك لأن أمتنا فعلا في مرمي نيران العدوان الناعم وأحيانا العسكري.

وحينما حدثت تفجيرات كنيسة القديسين بالإسكندرية وراح ضحيتها الأبرياء من المصريين – مسيحيين ومسلمين – خرجت الأبواق تفتي بأن أصابع الاتهام تشير إلى تنظيم القاعدة مع أنني غير مقتنع بالمرة لهذه التحليلات حتي لو خرجوا علينا بشريط لأسامة بن لادن نفسه وقال إن تنظيمه هو من نفذ التفجير.

وعلة ذلك أنني اعتبر أن من يذهب إلى هذا المذهب فإنما يهدر دم الضحايا ويقيد القضية برمتها ضد مجهول والشاطر يذهب ليلقي القبض علي أعضاء هذا التنظيم "الهلامي".

ليس ذلك فحسب ولكن علينا أن نتساءل , إذا كانت القاعدة هي التي قامت بتنفيذ تلك الجريمة التي لا يرضاها الإسلام التي تقول إنها تحمل لواءه فما مصلحتها إذن - إذا كانت تريد بمصر الخير - من هذا التفجير الذي لم يفرق بين مسلم ومسيحي؟

ثمة تساؤل أخر , هل استطاعت القاعدة أن تنتصر علي خصومها التقليديين المعلنين كأمريكا خاصة والغرب عامة حتي تفتح جبهات قتال جديدة ضد أبناء الوطن ؟ وإذا كان الأمر كذلك فمن ذا الذى يقتص منها ويثأر للأبرياء رغم أن أمريكا والغرب والعالم أجمع تقريبا – طبقا للمعلن - حاول النيل من هذا التنظيم ولم يفلح.

بل إنه تحت شعار تعقب تنظيم القاعدة , احتلت الولايات المتحدة العديد من بلداننا وقتلت الملايين من المسلمين الأبرياء في أفغانستان والعراق والصومال وباكستان واليمن وغيرها, ونهبت ثروات تلك البلدان وبلداننا الأخري, واعتدت علي الحرمات والمحرمات وأسقطت الحضارة الإنسانية تحت قذائفها الثقيلة المخضبة باليورانيوم المنضب .. فهل يعقل أن تستمر جماعة من المسلمين في المضي بارتكاب الحماقات ضد الأهل ولم تسجل انتصارا واحدا ؟.. أنا لا اعتقد.

الحقيقة .. واضحة .. تنظيم القاعدة هو الشماعة التي تبرر أمريكا بها جميع جرائمها .. لقد صنعت عملاقا من وهم وأخذت تخوف الناس منه حتي خافته هي نفسها وهناك ما يبرهن علي أن الولايات المتحدة هي التي صنعت هذا الكيان وهو ما تناولته بعض وسائل الإعلام الغربية علي حياء كما أشرت إليه في مقال سابق بعنوان " وهم دولة العراق الإسلامية " ولا داعي لتكراره.

والآن دعوني أكون صريحا , فأنا متعصب للرأي القائل بأن هناك مؤامرة ضد بلداننا , بل إنها ليست مؤامرة فحسب بل هي مؤامرة كبري وأزلية منذ أن خلق الله العرب عربا والروم روما والعجم عجما , وما تناوب المستعمرون علي بلداننا العربية عامة ومصر خاصة إلا تفسير ظاهر وسهل الإدراك لتلك المؤامرة.

وما مقولة ارنست رونان في خطابه الافتتاحي عام 1862 في الكوليج دي فرانس حول نصيب الشعوب السامية في تاريخ الحضارة بأن "" الشرط الأساسي لتمكين الحضارة الأوربية من الانتشار هو تدمير كل ما له علاقة بالسامية الحقة ’ تدمير سلطة الإسلام الثيوقراطية لأن الإسلام لا يستطيع البقاء الا كدين رسمي وعندما يختزل إلى وضع دين حر وفردي فإنه سينقرض ’ وان هذه الحرب الدائمة لن تتوقف إلا عندما يموت آخر أولاد إسماعيل جوعا أو ينبذه الإرهاب في الصحراء مكانا قصيا"".

إنه اعتراف واضح بأنهم يستهدفوننا شئنا أم أبينا ليس لجرم ارتكبنا, ولكن لأننا نحن نحن , أحفاد الفاتحين الأوائل للدنيا وما عليها وما فيها وما بها.

هاهو نابليون بونابرت يوصي جنوده ويعلمهم أصول الجغرافيا السياسية أو "الجيو بولوتيكا" ويقول "إن من يريد أن يسيطر علي الشرق يبدأ بالقاهرة فهي بمثابة القلب في الجسد" وهاهو الزعيم النازى أدولف هتلر يرسم خريطة العالم ويقول إن فيها مثلثا رأسه في برلين وضلع من قاعدته في القاهرة من يمسك أضلاعه أمسك بالعالم.

وها هي جانيس تيري تعد دراسة بعنوان "صورة الشرق الأوسط في الرواية الأوربية المعاصرة " والتى نشرت في كتاب إدموند غريب "الصور المنقسمة" تكشف عن العديد من أمثلة الاستهداف والتشويه المتعمد للإسلام والعروبة .

ويذكر الباحث د. زياد أبو غنيمة تشويهات دائرة المعارف البريطانية للإسلام والعرب فيقول إن الموسوعة تعّرف محمدا "عليه الصلاة والسلام " بأنه "زعم" بكونه نبياً مرسلاً من الله وأنه أعظم الأنبياء وأن المسلمين يعبدونه فيما تصف الموسوعة الفرنسية الرسول الكريم بأنه " قاتل ودجال وخاطف للنساء وأكبر عدو للعقل البشري ".

ويصف معجم وبستر الامريكي الإنسان العربي بأنه رجل حيواني وشهواني وقاتل وماكر ومخادع وزير نساء ومتشرد ومتسكع وغبي وفوضوي" وغيرها من المفردات التي لا تليق إلا بحيوان.

بل الغريب أن موسوعة "تاريخ الجنس البشري وتقدمه الثقافي والعلمي" والتابعة لمنظمة اليونسكو تعّرف الإسلام بأنه "تركيب ملفق من المذاهب اليهودية والنصرانية بالإضافة إلى التقاليد الوثنية العربية التي أبقي الإسلام عليها كطقوس قبلية فجعلها أكثر رسوخا في العقيدة".

إذن .. فعالمنا العربي مستهدف نظرا لطبيعته الجغرافية من جانب ولكونه يمثل التربة الثقافية الخصبة التي نبتت فيها البذرة الأولي للإسلام حتي ساد العالم من جانب آخر.

ولا يخفي علي متعمق أن يري أن رداء الإسلام في الأصل رداء عربى ’ ولا يخفي عليه ملاحظة أن تناوب الاستعمار تاريخيا علي بلداننا هو وجه من وجوه الاستهداف ليس ذلك فحسب بل أن يلاحظ أيضا أن امتنا العربية هي الأمة الوحيدة التي لازالت أجزاء من أراضيها مستعمرة في فلسطين والجولان ولبنان والاسكندرونة وسبتة ومليلة’ بل إنها الأمة الوحيدة التي يعاد فيها استعمار بلدان تحررت منذ عقود كما هو الحال في العراق.!!

لا أظن أنه لا يزال هناك عاقل يشك في كوننا امة مستهدفة يعاد تخليق الأزمات فيها تخليقا وكأن أقطارنا هي الأقطار الوحيدة في العالم التي تعددت فيها الإثنيات والأديان – رغم بساطتها - مع أن دولة مثل الهند مثلا تحفل بنحو 245 لغة و ألف و652 لهجة ونحو 271 دينا وكذلك الأمر بالنسبة إلي الصين بل إن أى بلد في العالم لا يخلو من التعدد الثقافي الذي يتمتع به عالمنا العربي , ورغم ذلك لم نسمع قط من يطالب بتقرير مصير الأقليات في أمريكا أو الصين أو الهند أو في أى بلد في العالم عدا في بلداننا العربية ’ أليست تلك قرائن للاستهداف ومحاولة للقضاء علينا بالتفتيت والتجزئة والتشرذم؟

أليس عجيبا ان يبحث البعض تحت ذرائع الديمقراطية وحقوق الإنسان عن مواطن الاختلاف بين مكونات كل قطر من أقطارنا ليقوم ببعثها من مرقدها بدلاً من العمل علي إخمادها ؟

ألم تتحول الديمقراطية في بلداننا الي وسيلة للصدام لا الي التعايش , والانزواء لا التكامل والخيانة لا الوطنية ؟

فأي أياد ملعونة تلك التي فجرت صراعا بين السنة والشيعة والأكراد والعرب والتركمان في العراق وهى الفئات التي امتزجت عبر آلاف السنين؟

وأي أياد تلك التي قسمت اليمن جنوبا وشمالا رغم أن الجميع معتدى عليهم ومستهدفون وفقراء؟

وأية أياد تسعي لدق الأسافين بين العرب والأمازيغ في بلدان المغرب العربي - رغم أن الدراسات تؤكد أن الأمازيغ هم عرب يمنيون هاجروا قبل آلاف السنين إلى شمال إفريقيا وأن الامازيغية هي خليط من العربية واللغات الأفريقية القديمة.

ومن الذي بات يحلم بتفتيت السودان حتى رآه الآن يتهاوى فاليوم الجنوب والغد دارفور ولا ندري ماذا يحمل له المستقبل؟

إنني أعيب وبشدة علي الدكتور محمد البرادعي ما نسب إليه من قول بأنه يؤمن بأحقية تدويل قضية النوبة في مصر , ولا أدري كيف استطاع هذا الرجل النطق بهذا المعني وفي تلك الأثناء بالذات ؟

إنني لا أخفيكم قولا إنه بمثل تلك التصريحات التي توقظ الفتن لم اعد أميز بين ما يجب وما لا يجب لقد صارت أسواق الشماعات رائجة في بلداننا نعلق عليها خطايانا وننتظر أين وكيف تأتي الضربة لنا.

******

محيط – 17 يناير 2011

حتى لا تلد الثورة التونسية فأرا ؟

فى يوليو الماضى " كتبت مقالاً بعنوان "صور المساخر فى بلاد المفاخر" تناولت فيه صور المظالم التى ظل يرزح تحت نيرها الشعب التونسى فى ظل حكم طاغيته ’ وتطرقت فى حديثى إلى التواطؤ العام من قبل الإعلام العربى الرسمى والحزبى والخاص تجاه هذا القهر وقلت إن ذلك يرجع لكون طاغية تونس اعتبرها شركة وراحت النقود التونسية تذهب إلى الصحف والصحفيين فى العالم العربى طولا وعرضا فى صورة إعلانات أو إعانات أو حتى رحلات وهدايا  الأمر الذى جعل قطاعا منهم يهلل لكل ما يفعله "بن على" حتى لو كان افتتاح محلا للطرشى!.

أنا فى الحقيقة خائف من تطويق واحتواء الثورة التونسية ’ بل أكاد أقرأ الصورة بكثير من الحذر وقليل من التفاؤل مما يقرأها الكثيرون ’ وأرى أن الثورة المضادة للثورة التونسية قد بدأت فى ذلك اليوم الذى أعلن فيه الوزير الأول محمد الغنوشى نفسه رئيسا للجمهورية رغم أنه أحد أضلاع النظام البائد !.

ورغم عفوية الثورة التونسية المباركة وطاقتها الهادرة المستمدة من شعب تصور العالم أجمع أنه "مات" وشيع "بن على" جثته الى مثواها الأخير ’ إلا أنه فاجأ العالم بأنه ليس ما زال حيا فحسب ’ بل إنه قوى وقادر على دحر قاتليه وإصابة القتلة بالذهول وإيقاظ شعوب العالم العربى أجمع وتأكيد قدرتها على التغيير القسرى.

ولكن ما كان ينقص الثورة التونسية المباركة تلك القيادة الواعية التى تؤطر الأطر وتقيس الأفعال والأقوال أثناء قيادتها الجماهير الغفيرة إلى بر الأمان الذى تحقق فيه الثورة أهدافها كاملة ’ والتى لو تواجدت ما كانت لتسمح لأفراد من حزب "بن على" الحاكم الاستيلاء على الثورة ’ ليستمر ينهش أجساد التوانسة مجددا ويمتص دمهم ’ وبالتالي ستكون الثورة لم تفعل شيئاً سوى أنها غيرت ظلما بظلم وطغاة بطغاة.

إن نجاحاً لأية ثورة يتطلب اشتمالها على عناصر مركبة تبدأ بثورة شعبية وتنتهي بتغيير شامل وهو ما لم يتحقق فى الثورة التونسية التى بدأت بشعبية ولكن لم تحقق التغيير الشامل  ’ ومن تلك العناصر الواجب اشتمالها هى ثورة شعبية وقيادة واعية ونظرية فكرية إطارية ’ ورغم أن الثورة التونسية  تهيأ لها أهم وأخطر تلك العناصر المتمثل فى الحشد الشعبي’ إلا أنها افتقدت للقيادة الواعية حتى ارتضت أن يقودها أشخاص ممن قامت الثورة ضدهم ’ كما افتقدت أيضا للأطر الفكرية الساعية إلى تبنيها وتحقيقها الأمر الذي قد يدفع بعضا من المغرضين لركوب الثورة وتوجيهها إلى أية وجهة يتوجهونها .

كان يجب على الثوار التونسيين أن يقوموا بعقد جمعية وطنية ممثلة من كافة الأطياف الفكرية الرئيسة كالقوميين والإسلاميين والاشتراكيين والليبراليين ’ ويراعى فى أعضاء هذه الجمعية أن يكون مشهوداً لهم بالنزاهة واحتراف "التفكير" لا "التجارة" بالأفكار وعدم التلوث بإغراءات النظام البائد ’ ويبقى عمر هذه الجمعية عامين يوضع فيهما دستور جديد وتلغى جميع الأحزاب والجمعيات والمؤسسات الوهمية التى كانت ترتدى رداء الديمقراطية .

ورغم ذلك فقد أعدت الثورة التونسية بحق واحدة من أهم الثورات فى العالم أجمع ’ وتكاد تعادل فى قيمتها الثورتين البلشفية فى روسيا وهى الثورة التى امتلكت كل مقومات الثورة ’ والثورة الفرنسية وهى التى بدأت كهبة شعبية ثم اكتمل لها ضلعا المثلث حينما وجدت الزعامات والمرجعيات الفكرية.

أما الفرق بين الثورة التونسية وثورة يوليو المصرية 1952 أن الأخيرة بدأت كانقلاب عسكرى ثم بعد ذلك حققت التغيير الشامل الذى تلاقى مع إرادة الجماهير وعبر عنها.

لقد وعدت الثورة التونسية الحالمين بالتغيير فى عالمنا العربى بإمكانية تحقيقه ’ لاسيما أن الجميع جرعوا من نفس الكأس وتهيأت عندهم نفس الأسباب والمفجرات.

وكشفت تلك الثورة عن الأهمية القصوى لمتغيرين تقنين لم تعهدهما أية ثورة سابقة وهما الانترنت والفضائيات ’ فلقد اخترق التوانسة حاجز الإغلاق والصمت المطبق الذى فرضه عليهم نظام الطاغية وراح الانترنت يصبح متنفسا لا يمكن السيطرة عليه فى نقل ما يحدث فى الداخل إلى الخارج وتعريف العالم بوحشية وقمعية النظام التونسى البائد ’ وساهم مع قناة "الجزيرة" دون سواها بشكل فعال فى دعم الثوار وربط الشعور الوطنى التونسى المفتت ’ وإشعار كل تونسى بأنه ليس وحده يقف محتجا ولكن يقف معه كل أبناء شعبه فى كل المدن والمحافظات وتقف معه الشعوب العربية بكاملها من الخارج.

******

المصور 15 يونيو 2011

لماذا ليبيا وسوريا .. وليس الأردن والبحرين؟

حينما انطلقت الثورة العربية فى تونس ومصر واستطاعت أن تغير نظام هاتين الدولتين ، أمل الجميع أن تتمدد تلك الثورة لتزيح كيانات ونظما اتفقت جميعها على الفساد والاستبداد والقمع بأشكاله المتنوعة ،إلا أن بعضها تميز إضافة إلى ما سبق بالعمالة لأعداء الأمة وفتح البلاد طولا وعرضا للقواعد العسكرية الأجنبية الأمريكية سواء أو البريطانية أو الفرنسية فضلا عن علاقات سرية وطيدة مع الكيان الصهيونى.

لقد رجونا أن يبدأ التغيير بتلك النظم الخطيرة علي الأمن القومي العربي والتى انطلقت من بلدانها حاملات الطائرات الأمريكية لتقتل ملايين الأطفال فى العراق وتستبيح أعراض نسائه وتستذل شبابه ثم تتدرج لتزيح النظم الأقل خطرا لكونها لم يسبق لها التعامل مع الكيان الصهيونى سراً أو جهراً كسابقتها، بحسب ما هو متواتر من أحاديث.

إلا أن الثورات العربية أظهرت وجها آخر تسبب فى صدمة الشعور القومى الراغب فى التغيير ، فهى بدأت بقلب نظم الاستبداد ولم تجرؤ على أن تتجاوزها لتغيير نظم  جمعت بين الاستبداد والخيانة الوطنية.

بدأت الثورة فى تونس ومصر وهما نظامان يمثلان حقيقة أسوأ أنواع النظم السياسية فى عالمنا العربي  لكونهما جمعا بين الاستبداد والعمالة لإسرائيل أو أعداء شعوبهما وتحميان  وتشجعان الدول لسلوك نفس المسلك وكان ينبغى أن تتمدد الثورة لتزيح نظام آل سعود الذى أنشأه البريطانيون فى مطلع القرن المنصرم على الأراضى المقدسة ليكون خادما للكيان الصهيوني المزعوم ثم قاموا بإنشاء مندوبية الأردن التى تحولت إلى إمارة ثم مملكة تكريماً لأسرة الشريف حسين وجهودها فى قمع انتفاضة الفلسطينيين وزرع الكيان المزعوم .كنا نأمل أن تزيح الثورات العربية نظام الحكم فى قطر والتى توجد بها أكبر القواعد الأمريكية فى الشرق الأوسط متمثلة فى قاعدة «العديد» وتبعتها قاعدة «السيلية» والبحرين ثم القواعد الأمريكية فى الظهران بالسعودية ثم الكويت التى تحتل القوات الأمريكية ثلثى مساحتها وتتلوها دولة الإمارات العربية وأخيرا سلطنة عمان، إلا أن العالم راح يؤيد الثوار فى ليبيا وسوريا واليمن ويغض الطرف عن الثوار فى البحرين وشرق السعودية والأردن تحت وطأة حملات إعلامية شرسة.نعم..  هناك عبث بالثورات العربية وتوجهاتها، هناك مظاهرات مستمرة منذ عدة أشهر فى بغداد والمنامة، و لم يعرها الإعلام الموجة غربياً أى انتباه يذكر وكذلك هناك مظاهرات فى الأردن وفى الرباط والجزائر جوبهت بقوة شديدة إلا أن عينا لم تر وانتباها لم يلحظ ذلك وإعلاما لم يشاهد رغم أن قضايا الحريات كلها واحدة ولا يجب أن ندعم قضية فى دولة ونهملها فى أخرى.

والسؤال الذى يطرح نفسه: لماذا تستحوذ الثورات فى سوريا وليبيا واليمن على كل هذا الزخم الإعلامى فى حين لم تستحوذ عليه ثورة الشعب العراقى التي أقامت فى كل مدينة من مدنه ميداناً جديدا للتحرير؟

لماذا تناصر السعودية وقطر والكويت والأردن والإمارات الاحتجاجات فى سوريا و«الثورة المسلحة» فى ليبيا وتتجاهلها فى البحرين بل وتدعم النظام اليمني ضد الثوار؟

وهل لهذا التناقض الأخلاقى سبب غير السعى لتغيير الخارطة العربية لصالح التيار الموالى لأمريكا وإسرائيل؟

نعم.. الثورة المصرية سواء أو التونسية هى ثورة وطنية ورأسا الحكم فى هاتين الدولتين عرفا بالاستبداد والعمالة لأعداد الأمة.

 ولكن من يقف وراء تحويل مجرى الثورات نحو سوريا وليبيا واليمن وحال دون وصولها إلى نظم أخرى ترتبط بالحلف الأمريكى ؟

هل ينكر أحدنا أن سوريا دولة لم ترتبط بعلاقة مباشرة من أى نوع مع الكيان الصهيونى أو الولايات المتحدة ، وان كان ثمة علاقة فهي قطعا تتم عبر وسطاء خليجيين ، وما ينطبق على سوريا ينطبق على ليبيا؟

دعونا نخفف من تفاؤلنا تجاه الثورات العربية ونقصر ابتهاجنا بثورتينا المصرية أو التونسية فحسب ، بل إننى اتصور أن ما يحدث فى ليبيا وسوريا ليس إلا محاولة غربية لتطويق الثورتين المصرية والتونسية وإقامة قواعد أجنبية فى بنغازى ، وان تحطيم النظام السورى سينتج عنه تكريس الاستمرار في احتلال العراق وذبح المقاومة اللبنانية والفلسطينية وانهيار مشروع المقاومة العربية برمته.

أخيرا .. أنا أود التأكيد علي أنني ضد الديكتاتوريات أيما كانت ولست مؤيدا لهذا أو ذاك ، ولكن هناك تساؤلات قومية لابد أن تطرح لنصل إلى رؤية مقنعة سويا.

******

الأسبوع 20 سبتمبر 2011

ربيع الشرق الأوسط الكبير

قد تكون قراءتى تلك للأحداث الجارية فى عالمنا العربى صادمة للبعض، مقنعة للبعض، محيرة للكثيرين ولكن ماذا يملك الواحد منا غير أن يقرأ الأحداث ويناقشها مع الآخرين؟

قد يصيب وقد يخطئ ولكن لا هذا ولا ذاك يعنى سوى محاولة للفهم.. فقد يكون عالمنا العربى الآن متعرضاً لمؤامرة «سايكس بيكو» جديدة كتلك التى أعقبت الثورة العربية الكبرى فى بداية القرن الـ20 ولكن بغطاء جديد يستغل تطلعات شعوبنا المقهورة من قيد الاستبداد الذى قيدنا به الغرب نفسه على مدى قرون طويلة.

وكل ما أخشاه أن تكون ملامح الشرق الأوسط الكبير هى ما خدعنا به الغرب وحاول تسويقه إلينا بوصفه ثورات ضد الاستبداد لاسيما أن عالمنا العربى فى جله يوصف بأنه عالم مستبد بجدارة وحكامه مجرد مندوبين للشيطان.

وتقوم فكرة الشرق الأوسط الكبير بحسب تصورى لما طرحته الإدارة الأمريكية منذ سنوات على جعل عالمنا العربى مجرد فضاء خال؛ استهلاكى يدور فى فلك تل أبيب وأنقرة وطهران وهى عواصم الدول التى تقاسمت رغماً ورضاءً عالمنا العربى برعاية غربية وأمريكية بحتة.

ولما كان عالمنا العربى الذى تتسم نظم حكمه بالاستبداد منقسماً إلى كتلتين كبيرتين متضادتين إحداهما تسمى دول الموالاة وهى: «مصر والسعودية وقطر والبحرين وعمان والكويت والأردن وتونس والسلطة الفلسطينية وكتلة سعد الحريري فى لبنان» وهى كتلة الدول التى فقدت قدرتها على التحكم فى إرادتها وراحت تدار بالريموت كنترول من البيت الأبيض الأمريكى.

أما الكتلة الثانية فهى كتلة الدول المتبقية فى عالمنا العربى والتى تسمى دول الممانعة وهى الدول التى رفضت الانبطاح للإرادة الأمريكية ومازالت تحتفظ فى جعبتها ببقية من مقاومة وبعضًا من حياء فى حين تغيب العراق رائد تلك الكتلة قسرًا وصار فاقدًا للهوية والإرادة.

فان سياسة الولايات المتحدة ثابتة إزاء حكام دول التبعية لها فهى تصنع الحاكم المستبد وتصنع معارضته العميلة ثم بعد أن يستفحل فساد الحاكم الذى زرعته وتتأخر تنمية البلاد جراء موجات الكر والفر بين العميلين «الحاكم وجزء من معارضته» وتوشك البلاد على القيام بهبة شعبية لا تبقى ولا تذر تتدخل عناية البيت الأبيض لإزاحة هذا الحاكم المستهلك وتزرع بديلا جديداً له قد يحظى لحين من الوقت بحب الشعب إلى أن تفوح رائحة نتنة منه.

ويبدو أن الإمبريالية الأمريكية وكعادة أية إمبريالية مستحدثة ضحت برمزين من رموزها هما: مبارك وزين العابدين وذلك ليس من قبيل الخسارة ولكن من قبيل الحفاظ على المكسب على طريقة الطبيب الذى ضحى بالأم من أجل إنقاذ الجنين أو بالأصح الاحتفاظ بالبلد.

كما أن قيامها هى بمساندة المطلب الشعبى فى التغيير قد يحسن من صورتها القبيحة المناهضة لرغبات شعوبنا العربية من جانب ومن جانب آخر يبخر شحنة الغضب الفائرة فى الصدور فضلا عن أنها فى هذا وذاك تضمن ولاء الجنين الجديد.

ثم راحت الإمبريالية الأمريكية تستمرئ لعبة الخداع مستغلة حسن صنيعها فى مصر وتونس وتشعل الثورات فى دول الممانعة قاطبة تلك التى يتم ذبحها جميعا على مذبح المؤامرة التى تستخدم الإعلام لتصنع به ما لم تصنعه فيها قنابلها وبوارجها الحربية المتناثرة هنا وهناك مستفيدة فى ذلك بتجربتها التحريضية والتجسسية التى استخدمتها فى تركيع وتفكيك الاتحاد السوفيتى بكل ما له من هيبة وقوة.

أنا هنا لا أشك مطلقاً فى وطنية وعفوية ومشروعية الثورة المصرية أو التونسية ولكننى واثق تمام الثقة من أن ما كان يراد للثورة المصرية أن يكون مجرد فقط زوبعة فى فنجان تستمر يوما أو يومين يقوم على أثرها المخلوع بنقل سلطاته إلى نائبه وينتهى الأمر ويهلل الشعب للثورة ويروى الرواة أساطير ألف ليلة وليلة عنهما، إلا أن الشعب المغلوب على أمره والذى فاض به الكيل لم يبرح الميادين قط مصراً على محو كل مبارك وديكتاتورياته وما يذكره به وهو الموقف الذى مايزال يتخذه رغم كل محاولات التفتيت والتخوين والتخويف وأنا على ثقة بأن عناية الله أقوى من عناية البيت الأبيض ولابد للماسونية التى حكمت بلادنا نحو 40 عاماً أن تقتلع من جذورها لأن الأحرار لا يعرفون أرباع الثورات.

وبشكل عام تعالوا ننظر إلى جوارنا فالذين تزعموا الثورة فى ليبيا مثلا هم جميعا بعض من رجال القذافى وأمضى بعضهم نحو 40 عاماً فى خدمة نظام حكمه رغم أن ليبيا وشعبها لم يعان قط أزمة اقتصادية أو أزمة تحرر وطنى تعانيها دول عربية كثيرة كما هو الحال فى دول الخليج قاطبة ومصر والأردن وغيرها من دول «الموالاة».

وثمة تساؤل آخر يبدو منطقيا: لماذا لم تحدث الثورات العربية وتتخذ زخما وحراكاً واسعاً فى دول الموالاة رغم وجود أزمتي الاستبداد والتبعية الوطنية فيها فضلا عن الانتهاك المتواصل لحقوق الإنسان؟

هل ننكر أن هناك استبداداً فى الأردن وقطر والبحرين والسعودية والكويت لكنه لم يثر قط حفيظة لا منظمات حقوق الإنسان ولا المحكمة الجنائية الدولية ولا حكومات الغرب ولا الشرق ولم تعرها الفضائيات العربية ولا الغربية انتباهاً.

ورغم أن كثيراً من الإسلاميين وحتى الليبراليين المصريين يرون أن تركيا تلعب دوراً لصالح عالمنا العربى والشعب الفلسطيني خصوصاً فإن قراءة أخرى للمشهد قد تضعنا على طريق مغاير.

فتركيا هى الدولة التى توجد بها أكبر القواعد الأمريكية فى هذه المنطقة وهى المعبر ومركز الإمداد المتقدم للحلف الأطلسي فى كل عملياته العسكرية فى عالمنا العربى فضلاً عن أن هناك تعاوناً سرياً وثيقاً بين تل أبيب وأنقره استخبارياً بل عسكريا على عكس الصورة التى يراد تسويقها إعلامياً إلينا بوصف تركيا حزب العدالة والتنمية هى صاحبة أسطول الحرية وصاحبة الحسم مع إسرائيل فضلا عن أنها الدولة العائدة إلى عالمها الطبيعي وهو العالم العربى والإسلامي.

ولم يكن اقتراح رجب طيب أردوغان أثناء لقائه مع دكتور عصام شرف بوضع دستور على أساس علمانى بمجرد زلة لسان أو جراء سوء فهم ولكن هذا التوجه كان مقصوداً لخدمة الشرق الأوسط الكبير الذى يهدف إلى تجريد عالمنا العربى من كل مقومات وحدته ومنها الدين واللغة والثقافة.. ومما يؤيد هذا الموقف أن الحكومة الانتقالية فى ليبيا أعلنت عن أن فرنسا بدأت فى تجهيز مدارس فرنسية لإقامتها فى ليبيا فضلا عن حصولها على 35% من النفط الليبى.

فيما نزعت إيران العراق نزعا من عالمنا العربى وصارت تبسط سطوتها على كل دول الخليج العربى ليصير عالمنا العربى مجرد دمية يلعب بها الآخرون.

وحتى الكيان الميت للجامعة العربية بدا مزعجاً لهذا المخطط فراحت قطر تطالب بحلها مستغلة فى ذلك حالة الحنق الشعبى ضدها، مع أن هذا الحنق ناجم عن رغبة فى توسيع نشاطها وليس قتلها كما أراد حاكم الدوحة .. إنه الشرق الأوسط الكبير.

******

الاسبوع 24 اكتوبر 2011

ورحل أمين القومية العربية

من واجب المثقف أن ينبه الناس لا أن يجاريهم بغية تجنب انتقاداتهم، وذلك لأن تحمل انتقادهم اليوم ثم اكتشافهم لو بعد سنوات خطؤهم هو خير من مجاراتهم الآن ثم لا يتذكرونك ولو بعد سنوات إلا بالمذمة.

رأيت أن أكتب هذا المقال لأمين القومية العربية الأخ الشهيد معمر القذافى حتى لا يقال ماتت أمة خشى كتابها قولة حق فى حق واحد من أبرز صناع تاريخها، وحتى أذكر الساهى بتاريخ الشهيد الجديد من شهداء القومية العربية، وكيلا نلوم أنفسنا فى غد آت لا محالة نكتشف فيه أننا وقعنا نحن العرب- كعادتنا- فريسة للمؤامرة والخداع والتضليل.

فذاكرتنا العربية مثقوبة، يتسرب عادة منها العظات والتجارب، وتفكيرنا أيضًا- نحن العرب- يعانى أحادية النظرة وقصر المدى، حتى فى أسمى إخلاص المخلصين من بنى جلدتنا، وهذا هو مكمن الداء فينا.

فى الأمس سقط صدام حسين شهيدًا ومعه أبناؤه أثناء دفاعهم عن أرض العراق، واليوم سقط معمر القذاف وأبناؤه شهداء أثناء دفاعهم عن أرض ليبيا، هل هناك اختلاف؟

نفس المقاتل ونفس الضحايا ونفس المسروقات.. الناتو.. القومية العربية.. البترول.. إذن لا فرق بين الأمس واليوم اللهم إلا رتوش صغيرة فى الديكورات.. وكأن الغرب كتب علينا قدرًا بأن زعاماتنا القومية لا تموت إلا مقتولة منكلاً بجثامينها.. وبترولنا لا يؤخذ إلا عنوة.. ولا نفهم ما يحدث إلا بعد خراب مالطة.

ولو أردنا أن نعرف ماذا حدث فى ليبيا هذا العام يجب أن نطرح سؤالاً أكثر أهمية: لماذا القذافى؟ فضلا عن سؤال محورى يدور حول لماذا الآن؟ فى الحقيقة إن الولايات المتحدة الأمريكية ومن تبعها كفرنسا وبريطانيا حتى إيطاليا يعانون أزمة اقتصادية خانقة وهم فى أمس الحاجة إلى منقذ يحمى خزائنها من الإفلاس خاصة بعدما نضبت اقتصاديات دول الخليج العربى وصار نفطها بمثابة احتياطى استراتيجى خالص لأمريكا فى ظل أزمة طاقة مرعبة تعيشها، ما يعنى حاجة الغرب الأوربى إلى فتح أراضٍ جديدة وأسواق نفطية دائمة يمكنه الاعتماد عليها فضلاً عن الاستيلاء على الأموال الليبية فى بنوكها.

ولما كان الأمر كذلك خططت يد العدوان الغربية من أجل السيطرة على مقدرات عدة دول عربية تسمى إعلاميًا وسياسيًا بدول الممانعة وهى الدول التى رفضت من قبل الوصاية الأمريكية على قرارها السياسى، مبتكرة فى ذلك أسلوبًا سحريًا وفعالاً يستغل التناقضات الفكرية بين الحاكم والمحكوم لتجعل من المحكوم وقودًا للإطاحة بالحاكم دون أن تكبد نفسها الخسائر المادية والبشرية من خلال تدخلها العسكرى المباشر مثلما ارتكبت هذا الخطأ الأحمق فى العراق من قبل.

ولإضفاء مشروعية دولية بل شعبية على هذه المخططات، راحت تزيد فى الخداع وضحت برمزين من رموزها فى مصر وتونس وهى قاصدة فقط استبدال الرأس والإبقاء على الجسد أو النظام الذى هو صنيعها.

ما سبق يأتى مع أسباب أخرى فى إطار الإجابة عن تساؤل: لماذا الآن؟ أما لماذا القذافى؟ فهذا ما يجب أن نوفيه حقه، خاصة أننا نكتب ذلك إعلاء للحق والحقيقة ولأن من نكتب عنه ومعظم رجاله فى مقام صدق عند عزيز مقتدر.

لقد كانت ثورة الفاتح من سبتمبر 1969 واحدة من أعظم ثورات تاريخنا العربى بشكل عام خاصة لكون تلك الثورة- والتاريخ يؤخذ بسياق أحداثه الدولية والسياسية والعسكرية- خلصت ليبيا بل الأمة العربية الآخذة فى النهضة القومية برعاية عبدالناصر من أخطر مواطن الضعف فيها نظرًا لأن ليبيا فى تلك الأثناء كانت موطناً لقواعد عسكرية أجنبية عملاقة يقطن حولها شعب بدوى أقيم عليه ملك وهمى،فى حين أن الأرض الليبية مقسمة إلى ثلاث مناطق نفوذ دولية يقتبس العلم الملكى ألوانه الثلاثة من أعلام تلك الدول وهى أمريكا وبريطانيا وإيطاليا فضلا عن فرنسا وكنائسها العسكرية!!

وبعد ثورة الفاتح، تحولت ليبيا من فضاء لا تأتى لمصر منه سوى الطائرات الغربية المحملة بتقنية الموت والدمار كما حدث فى العدوان الثلاثى 1956 وفى 1967 إلى يد تقدم الدعم والعون المادى والعسكرى والدبلوماسى ليس لمصر فحسب بل لسوريا وفلسطين، الأمر الذى انتهى بقيام الإمبريالية الغربية الأمريكية بقصف منزل الزعيم الليبى فى طرابلس عام 1986 بنحو مائة وسبعين طائرة.

ولما كان العرب قد انشغلوا كثيرًا بالصراع مع إسرائيل وأهملوا فى سبيل ذلك الفضاء أو الفناء الخلفى الإفريقى مما تركه نهبًا لعبث الصهيونية راح القذافى يقاتل فى تلك الميادين البعيدة محققًا انتصارات رائعة داعيًا إلى إنشاء الأمم المتحدة الإفريقية وداعماً القوى الثورية الإفريقية، الأمر الذى انتهى إلى أن صار للعرب موطئ قدم كبير فى قلب بلدان الصحراء الكبرى الإفريقية وما يقع جنوبها وساعد القذافى على ترسيخ التواجد العربى فعمل على نشر الإسلام عبر دعم مراكز جمعية الدعوة الإسلامية، الأمر الذى أسهم فى تحول دول بأكملها من الوثنية إلى الإسلام وفى 2 مارس 1977 أعلن العقيد الليبى عن قيام سلطة الشعب وهو نظام الحكم الذى يمنح الأقاليم والقبائل السلطة المطلقة فى أن يحكموا أنفسهم بأنفسهم عبر ما يسمى باللجان الشعبية التى تتجمع إرادتها المركزية فى مؤتمر الشعب العام متخذة من القرآن الكريم دستورًا ولا دستور سواه كما لا سلطة للقذافى على تلك اللجان والمؤتمرات وهو النظام الذى كان قد بشر به المفكرون الغربيون أمثال سارتر وبرتراندراسل و جاسبرز.ووقف القذافى موقفًا صلبًا من القضيتين الفلسطينية والعراقية حيث كان يقدم الدعم المادى والعسكرى للمقاومين، فضلا عن نشاط دبلوماسى مخلص قامت به الخارجية الليبية فى هذا الصدد وله فى ذلك صولات وجولات فى الجامعة العربية سواء أو الأمم المتحدة.

ولما كان القذافى هو الداعم الوحيد للمقاومة العراقية التى تنكر لها الجميع بالمال والسلاح ثارت حفيظة الإمبريالية الأمريكية المحتقنة أصلا ضده، وكان لابد من الإطاحة به.وفى مجال التنمية الوطنية أقام القذافى أول نهر صناعى مغطى فى التاريخ حول الصحراء الجدباء إلى حدائق خضراء، مستقدما العمالة العربية وخاصة المصرية والسودانية والتونسية، الأمر الذى تطرق له قوى الإمبريالية بعين التوجس والقلق وراحت تحرض بشدة ضد إكمال هذا المشروع وكان لموقف نظام مبارك الموالى لأمريكا وإسرائيل سجال كبير بخصوصه مع الشقيقة ليبيا.

منجزات خطيرة تلك التى صنعها القذافى فى بلاده، محولاً مجتمع البادية إلى مدن صناعية وسكانية متحضرة، مهتمًا بشكل أساسى بصناعة الإنسان الذى وفر له مستوى معيشيًا مرتفعًا موزعا عائد النفط على عموم السكان فى بادرة هى الأولى عالميًا، والحكايات والدلائل فى هذا الصدد لا تنقطع.

واختصارًا.. فإذا أردنا أن نعرف ماذا حدث فى ليبيا علينا أولاً الحذر من الإعلام المأجور الذى قلب الحقائق حيث ارتكبت الجرائم وسارع هذا الإعلام بخلع رداء المهنية وقام بتوجيه أدلة الاتهام دون تروٍّ إلى النظام الحاكم، وفى أحيان كثيرة قامت الفضائيات لا سيما الجزيرة بصناعة الأكذوبة والترويج لها دون أن تأخذ رأى الطرف الآخر، فسوقت المتهم بكونه ضحية والضحية اعتبرته متهما.

لى أصدقاء كثيرون فى كل المدن الليبية ومنها بنغازى ومصراتة حكوا لى كيف بدأت الفتنة.. وهى أن قرابة الخمسين شخصًا ارتدوا سترات الجيش الليبى وقاموا بإطلاق الرصاص الحى على المارة فى شوارع بنغازى وسارعوا بخلع ستراتهم وبدأوا الهجوم على ثكنات الجيش.. وهنا لم يفهم الطرفان ماذا يحدث، فاشتبكت قوات الجيش مع المحتجين من أهالى بنغازى وكان ذلك بمثابة إشعال فتيل الأزمة.. وحتى ما كان يردده الإعلام الليبى حول «حبوب الهلوسة» كانت تحالفه الصحة حيث حقنت زجاجات المياه المعدنية بمواد مخدرة وتم توزيعها من قبل مجهولين على المحتجين على أحداث ميادين بنغازى.

التفاصيل كثيرة فى المؤامرة الإعلامية على ليبيا، ولا يحسن بنا فى هذا الصدد ذكرها، ولكن المؤامرة السياسية والعسكرية وحتى الدبلوماسية كانت كبيرة، فبعد تدمير وسائل الإعلام الليبية وإخراس صوت الطرف الثانى تم تدمير القطاع الدبلوماسى بالكامل عبر شراء ذمم معظم السفراء فى الخارج ورجال الحكم الذين خدموا مع القذافى طيلة أربعين عاماً!! وفى ظروف غامضة مررها الجميع مرور الكرام تمت الاستعانة بالأمم المتحدة ثم مجلس الأمن الذى وجد نفسه قاب قوسين من تحقيق غايته فتدخل الناتو وبدلاً من حماية المدنيين وجدناه هو من يقتل المدنيين ويدمر ليبيا بالكامل.

إن أكبر المتضررين من سقوط نظام القذافى ليس الشعب الليبى والمقاومة العراقية فحسب بل تضررت كل الدول العربية حينما قطعت يدها فى إفريقيا، وتضررت أيضًا الصين الحليف للتواجد العربى فى إفريقيا مقابل أمريكا وإسرائيل التى وضعت يدها على منابع النيل.

تضررت مصر بشكل شديد وصارت حدودها مع جارتها الغربية مشاعًا لكل العصابات الإجرامية المنظمة التى راحت تغزو مصر بأفتك أنواع الأسلحة ومنها المدافع ومضادات الطائرات باعتراف جهات رسمية.

نعم.. كل ما يحدث فى ليبيا وحتى سوريا مجرد مؤامرة يعمل الإعلام فيها عمل السحر مستغلاً حمق بعض التيارات الفكرية أحادية النظر التى سخرت رجالها لتغذية المؤامرة دون وعى مع أنها هى من ستكون وقود المحرقة الجديدة لأن من حفر حفرة لأخيه وقع فيها، وإن غداً لناظره قريب.

رحم الله معمر القذافى.. لقد كان لسان صدق فى كل المحافل الدولية.. رحم الله شهداء القومية العربية الذين لم يتخاذلوا قط مهما كانت الضربات ضدهم موجعة وذلك لأنه على قدر أهل العزم تأتى العزائم.

 


الفصل الثالث

مخاطر حول الأدمغة العربية

 

الوفد 26 مايو 2002

أين ذهبت شخصيتنا؟

لماذا تراجعت مقومات الشخصية القومية العربية؟

السؤال يطرق بقوة علي أبواب أدمغتنا كلما واجهتنا معضلة اكتشفنا فيها ضياع صفة من صفاتنا، ربما نتشتت في إيجاد الإجابة المقنعة بين من يعزو السبب إلي عوامل القهر الداخلي للشعوب الراغبة في حياة لا نقول مرفهة بل يسيرة تمتلك جزءاً من مقومات الدفع الذاتي.

بالإضافة لما تسبب فيه هذا القهر عبر وسائله المتعددة سواء المعنوي والنفسي والمادي والجسدي من تراجع الطموحات وضآلة الأمنيات لدي عامة المجتمع مما عطل الإمكانات الفكرية عن الخلق والإبداع والابتكار لتنصرف في اتجاه مغاير وهو البحث عما يسد الحاجات البيولوجية من أمن وعاطفة وغذاء وشرب...إلخ.

وقد عزا البعض تقلص تلك المقومات القومية للشخصية العربية مثل الصدق والتلقائية والشجاعة والوفاء لصالح صفات مناقضة إلي الاستعمار الذي نهش جسد الأمة طيلة القرنين السابقين والذي خلق صفة مرعبة في مكامن الشخصية العربية تتناقض مع الحقيقة التاريخية وهي شعورنا بالدونية أمام الحطام الذي ظل طيلة تلك الفترة يضرب كرامة شخصيتنا بالسوط وهو ممتط لجواده الأبيض ليس لسبب إلا كي يشبع غريزة التعالى عنده، بالدرجة التي جعلت من الثابت في اللاشعورنا القومي الآني، أن غطرسته تلك هي حق أصيل من حقوقه وعلينا التعامل معها بمنطقها.

حتي إننا قد آمنا معهم وربما قبلهم بالنظريات التنموية التي تعزو التخلف إلي السامية في الأجناس أو الإسلام والوثنية في الأديان أو الجنوب جغرافيًا أو البشرة.

وهناك من يعزو أسباب تخلفنا وتقلص المقومات الإيجابية في شخصيتنا إلي الاستعمار ويدللون علي ذلك بنظرة سيكولوجية ميكافيللية مفادها ((أن الولاء يكون أكيدًا لمن نخاف منهم بطشهم وليس لمن نحب وأننا من الممكن أن نخون من نحب ولا نخون من نخاف أبدًا)).

كما أن القهر لم ينته بفترة الاستعمار بل امتد إلي فترة ما بعد الاستقلال أيضًا حيث مارست الحكومات ممارسات وحشية ضد مواطنيها مستخدمة معهم سياسة الفلكة، مما كرس – في الشعور خيبة الأمل – لانهيار قيم أصيلة فينا.

والعولمة .. بالتأكيد متهمة أيضًا، فقد حرصت علي تذويب الخصائص القومية للشعوب لصالح سادة الكون وعلي رأسهم الولايات المتحدة التي تمتلك بمفردها 91% من أمواج الطيف الإذاعي العالمي ولديها أكثر من 600000 مطبوعة عابرة للقارات، ناهيك عن المحطات التليفزيونية والأقمار الصناعية وغيرها.

في الحقيقة الأمر لا يتوقف عند الأمور السابقة .. بل يتعداه إلي عوامل وظروف وجود لقمة العيش التي باتت قاسية لقطاع كاسح من الشعب العربي الذي تأكد له خداع حكوماته التي تحاول جاهدة إيهامه – كذبًا وجهلاً – بأنها تصنع معجزة يوميًا من أجل أن يظل هذا المواطن علي قيد الحياة بينما هي في حقيقة الأمر لا يشغلها أمر المواطن بقدر ما يشغلها اتمام عملية تسطيحه حتي ينتقل – كمداً وقهراً ذاتياً – بسهولة ويسر إلي مثواه الأخير.

إن حقيقة خواء الأدمغة وسطحية أو عشوائية الشخصية العربية – العادية طبعًا – هي جريمة تضامنية بين قوي الداخل والخارج.

وكان من اللائق للحكومات أن تعمل علي تنمية الخصائص المميزة لشعوبها وأن تستثمرها لصالح قضايا الإنتاج والخلق والابتكار، وأن تقف – أي الحكومات – حائلاً بين أي اختراق خارجي يحدث ضدها، كما أن المطلوب منها أيضًا تضخيم هذا الشأن والاعتناء به وجعله هدفًا لا يقل شأنًا عن تملك الأسلحة والأمن القومي لأن أمة أفرادها بلا خصائص مميزة هي أمة اللاأمة وحضارة اللاحضارة.

****

الوفد 18 مايو 2003

حول مفاهيم الديمقراطية!!

"الديمقراطية" .. ماذا تعني هذه الكلمة السحرية؟

هل يقصد بها حكم الشعب للشعب ولصالح الشعب؟

هل هي قرينة لفكر بعينه أو معتقد بخاصته؟

أم أنها خصيصة لأي فكر يحقق برامجه بنجاح؟

من الثابت أن جميع الأفكار في هذا الكون بدءًا من أقصي يسارها تدعي أنها أفكار "ديمقراطية" الطابع وأنها تطبيق ناجح لإرادة الشعوب حتي وإن كانت ذات شكل مغاير للمألوف.

فالنظم الرأسمالية هي حقًا نظم ديمقراطية .. متي توافر لها شرطا الأمانة والعدل، ولكن إن لم يتوافر فيها هذان الشرطان .. ستتحول إلي نظام احتكاري إقطاعي فاشي .. كما هو الحال في النظام الفاشي الإيطالي والنظام الامبراطوري الأحمر في اليابان قبيل الحرب العالمية الثانية.

والنظم الاشتراكية هي – أيضًا – نظم ديمقراطية .. شريطة توافر الصرامة في التنفيذ والابتعاد عن سوسة البيروقراطية مع العدالة المطلقة .. وإن لم تتوافر فيها تلك الشروط ستتحول إلي نظم بليدة .. نمطية .. يذبح فيها الشعب الذي جاءت لرفاهيته .. دون دم.

حتي النظم اليمينية المتطرفة .. تدعي أنها نظم ديمقراطية .. وأن تنفيذها لإرادة الله هو في حد ذاته تنفيذ لإراة الشعب .. ولكن شريطة الاعتراف بالآخر واتباع أساليب العدالة .. وإن لم يتحقق ذلك سيكون بحق هوان الإنسان وتسخيره لخدمة الطاغوت.

وما سبق يندرج أيضًا علي النظم القومية والشيوعية .. إذن .. ماذا تعني كلمة يمقراطية؟

وفي هذا الصدد يشهد التاريخ أن الرأي الجمعي لم ينشيء حضارة قط، بل إن عظماء الكون غالبًا ما كانوا مضطهدين من الأغلبية الكاسحة في بادئ عهدهم .. مرورًا بالأنبياء الكرام وعلي رأسهم سينا محمد صلي الله عليه وسلم الذي اتهموه بالجنون والمروق .. إلي نيوتن وتولستوي وجوته ومارتن لوثر ودانتي وغيرهم من المبدعين والمفكرين .. أي أن صواب رأي الأغلبية ليس مؤكدًا.

كما أن الديمقراطية تتطلب الوعي – كما يقول برتراندراسل – وذلك لأنه ليس من المنطقي أن يتساوي صوت مفكر سياسي من أمثال محمود أمين العالم أو سليم العوا – مثلاً – أو العقاد وطه حسين في وسط الأدباء .. بصوت فلاح لم ينل أي قسط من الثقافة – مع احترامنا البالغ له كمواطن جد فاعل في منظومة الانتاج – بل إن المشكلة أن نجد أن هناك الكثيرين من الذين نالوا قسطًا وافرًا من التعليم لم ينالوا أي قسط من الثقافة وهؤلاء هم الواقعون تحت مصطلح "أمية المتعلمين".

ونتذكر في التاريخ أن أدولف هتلر تنبه إلي عملية الوعي في نظام حكمه فكتب في كتابه "كفاحي" ما معناه : إن المواطن الألماني هو المواطن الذي نال قسطًا من الوعي وتربي تربية سياسية .. وما عداه فليس ألمانيًا أصيلاً.

وإذا كان كارل ماركس عرف السياسة بأنها "حديث مكثف في الاقتصاد" فإنه من الأجدي تعريف الديمقراطية بأنها "العدالة في تطبيق السياسة".

وهو الأمر الذي يندرج علي أي فكر في حال استقامته وعدالته.

****

الوفد 24 يونيو 2003

بحثًا عن السعادة

الإنسان السعيد من كانت وسائله وإجراءاته تناسب طبيعة العصر .. ولما كان العصر الذي نعيش فيه هو ((زمن السقوط)) بكل ما تعنيه الكلمة من سوء .. فإنه ليس مستغربًا أن تكون وسائل سعادة الناس هي القباحة بعينها.

السبب أننا نعيش في زمن انهارت فيه عوالم الأفكار والقيم لتفسح المجال لعالمي الأشياء أولاً والأشخاص ثانيًا .. حتي إن نتاج الأدمغة لم يعد له قيمة أمام نواتج الأرصدة البنكية والمرافيء والملابس والتسليات وأحدث موديلات السيارات ... ماذا حدث بالضبط؟!

ما حدث هو ثورة اجتماعية مقلوبة .. جعلت المقدسات .. بما واكبها من محرمات في الحضيض .. وفي المقابل أعلت من قيم الفهلوة والخطف والانتهازية .. وربما كانت هذه القيم هي الوسائل الإجرائية الناجعة لسعداء هذا العصر.

وسعداء هذا العصر إما أنهم في منتهي الذكاء أو في منتهي الغباء .. فشديدو الذكاء هم الذين استطاعوا التعامل مع كل معطيات المرحلة بما حملته من جفاء وقسوة .. وغير منطقية .. وكأن من قدرتهم علي التعاملات هذه أنهم صاروا سعداء.

أما شديدو الغباء فهم الذين تجاهلوا كل هذه المعطيات جملة وتفصيلاً – بعدما عجزوا عن فهمها – وتقوقعوا علي أنفسهم كي يستمدوا منها سعادتهم.

والحقيقة أنه لا توجد سعادة حقيقية يعيشها الناس .. وذلك لأن مسالب المجتمع قديمًا كان يمكن الفرار منها بتجنبها .. لكن الجديد في هذه الآونة أن تلك المسالب أخذت تفرض نفسها علي الناس بلا استثناء .. فمن يستطيع تجنب أزمة الإسكان .. أو الصحة .. أو التموين .. أو الأمن .. أو الاقتصاد .. أو الأخلاق...إلخ؟ .. لا أحد!!

كل هذه الأزمات لا أحد يستطيع تجنبها أو أن يعيش بمعزل عنها، لأنه بشكل أو بآخر هو لا يعيش في كوكب آخر.

إن ((فقه الأزمة)) – إن جاز التعبير – هو البرنامج اليومي الدائم للمواطن المصري .. يتجرع الأزمة كما يتجرع الماء .. ويمارس معها وبشكل دائم لعبة القفز فوق الحبل .. أقول ذلك وأنا استشعر مرارة الحياة، التي صارت تحمل همين متلازمين .. هم عام، وهو المتمثل في الظروف الاقتصادية والسياسية – الدولية والمحلية – والاجتماعية وهو رغم كونه همًا شديد الثقل إلا أن الناس استطاعت القفز فوقه أيضًا بين الحين والآخر عبر استخدام مضاد حيوي شديد الأضرار الجانبية وهو ((البلادة)) الصناعية وحتي الطبيعية.

أما الهم الآخر وهو خاص ويتعلق بكل التحديات الموضوعة في طرق المواطن المصري .. وهي تحديات صعبة للغاية .. ربما لم يتعرض لها شعب آخر في العالم المتمدين أو حتي مدعي المدنية .. حيث الأزمات المتجهمة والمباشرة وشديدة الشراسة والإلحاح.

ولكن كيف يدافع الإنسان المصري عن سعادته؟ أهم وسائل الدفاع عن السعادة .. هو التخلص من إلحاحات العصر لا أقول معطياتها وبالتخلص من هذه الإلحاحات يمكننا التخفيف من وطأة الحاجة .. وإذا كانوا يقولون إن الحاجة أم الاختراع ويقولون أيضًا إن غياب البدائل يحرر العقول من أسرها، فإن إلحاح قد يخترع وسائله الشيطانية وهو ما يؤثر سلبًا علي مخزوننا من الوعي.

وأقصد القول إن إيجاد حلول أزماننا عبر العودة للماضي هو أكثر أمنًا من الحلول العابرة إلي المستقبل .. وذلك لأن الحلول القديمة تمت أرشفة أسبابها ونتائجها – لأنها حدثت بالفعل – ويمكننا إعادة قراءتها في أي وقت نشاء للاستفادة بها .. بخلاف هذه الحلول الاستشرافية للمستقبل التي تعتمد علي النظرية،رغم الفجوة الكبري بين النظرية والتطبيق.

إننا بحق في حاجة ماسة للعودة إلى الماضي لقراءة كيف كانوا قديمًا يصنعون السعادة دون دفع فواتير باهظة، من أرصدة أمن وأمان الأجيال القادمة .. ولكي لا نرحل إليهم كوارث عالمنا البغيض .. فليعِينُوننا.

****


الوفد 19 سبتمبر 2003

تساؤلات عن الهوي والهوية

ماذا يتبادر إلي ذهن الإنسان غير العربي حينما يذكر أمامه لفظ ((الإسلام؟)) ألا يتجه تفكيره تلقائيًا إلي أنه الدين الذي يدين به سكان المنطقة العربية وانتشر عن طريقهم إلي كافة ربوع العالم؟

ألا نراه يمزج بطريقة تلقائية أيضًا بين أخلاق العروبة كقومية لها ثقافة محددة تميزها شأن كل القوميات في العالم وبين قيم الإسلام السامية التي تميزه بين الديانات؟ ولم لا يحدث هذا المزج .. أليس الإسلام هو تأصيلاً ربانيًا للثقافة العربية؟ ألم يأخذ الإسلام معظم العادات العربية المنتشرة في عصر الجاهلية وهذبها فألغي التقاليد الضارة منها – وهي قليلة – وحرمها؟

إذن .. لماذا نعتبر أن الدعوة لإلغاء الهوية العربية من وجداننا شئ لا يمت بصلة للإسلام؟

ألم يأمر الرسول الكريم صلي الله عليه وسلم في حديثه الشريف ((أحبوا العرب لثلاث: لأنني عربي، والقرآن عربي وكلام أهل الجنة عربي))؟

ألم يأمرنا أيضًا بالحديث باللغة العربية حينما قال: ((تعلموا العربية وعلموها الناس فإنها لسان الله الناطق))؟!

فلماذا تتعالي الأصوات المناهضة للثقافة العربية بيننا؟ .. فماذا تكون هويتنا الثقافية إذن إن لم تكن الثقافة العربية؟ وهل لنا ثقافة أخري غيرها؟

فالثقافة العربية هي التي حفظت لنا تراثنا وذلك ليس بفضل قوة كامنة فيها فحسب ولكن لأنها مؤيدة ربانيًا، لأن القرآن العظيم نزل بلغتها، والله وعدنا بحفظه من الزوال، والمنطق يقول إن حفظ الله للقرآن من الاندثار هو أيضًا حفظ للغة العربية التي هي بالتالي لسان الثقافة العربية، والثقافة العربية أيضًا ما هي إلا مقومات سلوكية للهوية العربية.

إن الداعين لانسلاخنا عن قوميتنا العربية هم بحق الداعون إلي تراجعنا إلى الخلف .. هم الداعون إلي العولمة والانجراف داخل القطار الأرعن الذي يخلع ركابه جميعًا أرديتهم اقتداء بسائقه العاري.

إن القومية – أية قومية – هي قوة دفع كبري لإرادات أفرادها نحو التميز والإبداع، فماذا لو كانت القومية العربية التي حباها الله بثقافة الإسلام؟!

كيف يمكننا إهدار عوامل تميزنا لكي نلحق بركب لا نحتل فيه إلا موقع السبنسة والمؤخرة ونترك قائد ركب العولمة الأمريكي غالبًا يوجهنا كيفما يشتهي وكما تقتضي مصالحه هو لا مصالحنا نحن؟

وفي الواقع فإن قوي استنزاف الشعوب والاستعمار الغربية قد تكشف لها أن أهم عوامل قوة الإسلام هم العرب، وتكشف لها من زاوية أخري أن أهم عوامل قوة العرب هو الإسلام، ولذلك سعت بشكل دءوب نحو خلق عوامل الانشقاق بين القدرين المتلازمين، فأخذت تدعو بخبث إلي التحلل من الثقافة العربية بوصفها من مخلفات الماضي المغلق قاصدة بذلك ليس النيل من الثقافة العربية فحسب بل من الثقافة الإسلامية أيضاًيض.

وما كان لها أن تجد بيننا – ربما حياء أو رهبة – انصارًا لو أنها دعت علانية إلي التحلل من قيم الإسلام وهو الذي يشكل لها سدًا معتقديًا منيعًا في كل نزواتها الاستعمارية الفكرية .. وليس صحيحًا أن الابتزاز  الاقتصادي بمفرده وراء جموح الرغبة الاستعمارية الأمريكية لعالمنا العربي، ولكن هناك صراعًا حقيقيًا في الثقافات أيضًا.

لقد قالها بوش الأب عقب انهيار الاتحاد السوفيتي (انتهينا من الشيوعية وبقيت الحرب ضد الإسلام) .. نم الولايات المتحدة الأمريكية أعلنت حربها ضد الإسلام، وبالتالي ضد كل ما هو عربي، أعلنت حربها ضد أية قومية وأي فكر تميز به أصحابه.

انها لا تحب فكرًا إلا الأمريكي ولا تحب قومية إلا قوميتها الرقيعة الشتات حتي لو كانت القومية الصربية، وعلة الدعوة الأمريكية لتذويب القوميات هي رغبتها في تجريد شعوب العالم من دعامتها الثقافية وحينما تسقط تلك الدعامات يصبح البيت هشًا كل سكانه غرباء عنه وقابلاً للتدمير بكل سهولة ويسر، ومن الثابت أن هناك شعورًا ساديًا يجتاح صناع القرار في البيت الأبيض الأمريكي يعتبر العالم كله منحة سماوية لأمريكاويجب أن يدين هذا العالم بدينها ويسبح بحمدها ليل نهار، ولا يعصي لها رغبة ولا يتجنس بجنسية أو قومية يعتز بها غير القومية التي ارتضتها له وهي قومية للعبيد التُبع الفارغين.

لقد قالت وزيرة خارجيتها الأسبق الشمطاء مادلين أولبرايت واصفة وضع العالم بالنسبة لأمريكا ((علي الجميع أن يدرك أننا الأمة الوحيدة القادرة علي فعل أي شيء، في أي وقت، وكيفما تريد، وأن العالم لنا، العالم لأمريكا)) .. ولكننا نصف حركة التاريخ كما وصفها هيجل بأن ((التاريخ ماكر)) ولا يمكن أ‍ن يضمن لكيان ما دوام الريادة والسيطرة.

لذلك يجب ألا ننخدع بلفظ العولمة الذي تدعو إليه القوي الاستعمارية كما انخدعت تركيا فتنازلت طواعية عن مقومات زعامتها الاسلامية لتصبح ذيلاً كسيرًا أضناه اللهث خلف قطار السوق الأوروبية دونما اللحاق به، فما طالت كما يقول مثلنا الشعبى ((بلح الشام ولا عنب اليمن))، إننا حينما تناسينا قوميتنا صوريًا لأنها تجري مجري الدم في العروق وجدنا أننا كلما نخطط للرفاهية نزداد فقرًا وكلما نخطط للاستقلال نستعمر ونستعبد وكلما نفكر في التقدم نهرول إلي الخلف إن قوميتنا هي هبة من هبات الله لنا .. ومن يفرط في هبات الله لا يستحقها.

****

الوفد 26 سبتمبر 2003

أسمي آيات العشق

 (أسمي آيات العشق ما كان من طرف واحد) ورغم رومانتيكية تلك العبارة الأفلاطونية وعمدها إلي إيجاد تبرير لعملية صلب الذات بوصفها عملية مثالية وتحمل قدرًا من التضحية .. إلا أن الشعب المصري تنطبق عليه هذه العبارة.

ومن الثابت أنني أحب لأن الآخر يبادلني قدرًا من حبي .. ولا يمكن أن ينجح هذا الحب دون مبادلة الآخر .. فالأمريكي يحب بلده لأن هذا البلد احترم إرادته في الداخل وأسبغ عليه حمايته في الخارج .. وكذلك الإنسان الأوروبي .. الجميع يحبون بلدانهم لأنها أعطتهم الكثير وما أخذته منهم أخذته علي حياء.

أما الإنسان المصري فهو عاشق لتراب وطنه منذ قديم الأزل بدون مقابل ولكن الجديد الذي حدث هذه الأيام أن الإنسان المصري مازال يحب وطنه رغم أن هذا الوطن يتفنن في ابتداع أساليب للقسوة عليه .. وهذا النوع من الحب هو ما قصده أفلاطون بأسمي أنواع الحب والإيمان بالآخر.

وللمصادفة في مصر حظ عظيم وأتمني أن تكون مجرد مصادفة وليست قصدًا فالمصريون دائمًا يكافحون ويزرعون ولكن غيرهم أو بعضًا منهم يأخذون كل الحصاد.

المصريون ثاروا قديمًا علي الطغاة العثمانيين ولما استتب لهم الأمر عين عليهم الجندي الألباني محمد علي واليًا والبسطاء أنشزوا جيشًا منظمًا ولكن الكولونيل الفرنسي سيف الذي كان في طريقه للتطوع في الجيش الإيراني قادمًا من فرنسا عين أيضًا عليهم كوزير للحربية وهكذا يمكنك أن تجد عشرات النماذج.

والحقيقة ان الإنسان المصري في حاجة ماسة إلى إيجاد علاقة عادلة تربط بينه وبين وطنه .. علاقة تقوم علي الحب المتبادل وعلي الولاء المطلق للطرفين.

وأقول العدالة لأن العدالة هي أعم من الحرية .. فالنظام في مصر لا يكف عن وصف جمال الحرية التي يعيشها المصريون ويقوم بتسويقها علي أنها أهم ما يدلل علي مشروعية وعدالة نظامه .. ويدلل علي ذلك بالحرية المنقوصة والمشروطة التي نطالعها في الصحف المصرية رغم أنها تشبه بشكل كبير حق الصراخ .. لأن المجروح ليس أمامه إلا أن يصرخ دون أن يكتم صوته أحد .. ذلك لأن الإيذاء الذي يخشاه حدث بالفعل ولا يمكن أن يتم التهديد به ثانية.

والفرق بين العدالة والحرية هو أن العدالة غاية والحرية هي وسيلة فحسب .. وأن وجود حرية دون وجود عدالة هو نوع من أنواع ((السداح مداح)) لأنك حينما تعطيني الحق في انتقاد مثالبك .. يجب أن تتحرك أنت لضبط تصرفاتك .. وإلا تكون كمن ترك المريض يصرخ طالبًا الدواء واعتبر أن شفاءه في مزيد من الصراخ!!

والمواطن المصري عاشق للعدالة وقانع بكفافها .. لكن حزمة الفساد التي انهالت عليه من كل حدب وصوب جعلته يفقد الإيمان بكل صواب.

ولنا أن نتخيل أن هناك قرية صغيرة في محافظة قنا ولتكن الكرنك بأبو تشت يقطنها عشرات الآلاف من البشر وشهدت حركة نمو صورية كبيرة علي مدار عشرين عامًا مضت إلا أن نسبة البطالة فيها تخطت الغالبية الكاسحة لسكانها .. وقس علي ذلك كل قري مصر ونجوعها.

الشباب في مصر الآن لا يشعر بالعدالة التي هي المراد الحقيقي ولا يقتنع بأنه يعيش أزهي عصور الحرية .. فهو لا يريد أن تكون الحرية سلبًا من العدالة .. هو يريد أن يجد وظيفة محترمة ولائقة وبالتالي دخلاً شريفًا ويريد أن يتزوج لاستكمال حيوية الحياة ويريد أن يربي أطفاله لاستكمال عملية توارث الأجيال .. يري أن يغذي روحه بالقراءة .. ولا يريد أن يمضي حياته في البحث عن لقمة خبز دون التمتع بمباهج الحياة وليتها تجيء .. إنه يريد من يطعمه وليس من يسمح له بالصراخ.

****


19 يونيو 2005

مرحلة الفرز وظواهر غير مبررة

في أوقات المحن والانكسار .. تظهر معادن الشعوب .. لأنه فى تلك الأوقات يحدث ذلك الفرز الآلي لهؤلاء الذين يستطيعون أن يؤثروا تأثيرًا جيدًا في الناس سلبًاأو إيجابًا بوصفهم منقذين.

كما  أن الناس يصيرون أكثر توقًا إلي الوصول إلي شط الأمان وأكثر تمييزًا له وقد أضناهم أمر المحنة التي ألمت بهم مستغلين في ذلك صفة أصيلة من الصفات وهي تلك التي أشار إليها نيقولا ميكيافيللي صاحب الكتاب الأشهر "الأمير" وهي ان الإنسان يود دائمًا أن يسير في الطرق المجربة والمطرقة حتي لو كانت طويلة وينبذ الطرق المجهولة حتي لو كانت قصيرة .. كما أنه يحب حياة التجمع والتكتل عن حياة الوحدة والتفرد .. ولهذا وذلك تظهرمعادن الناس حينما يظهر الخطر الذي يهدد جماعتهم.

والحادث في منطقتنا العربية أن هناك عملية فرز بادئة في التفاعل .. وقد جاءت العملية عقب الانتكاسات الكبري التي تعرض لها الوطن العربي في الثلاثين سنة الماضية والتي وصلت إلي ذروتها عام 2003 باحتلال بغداد عاصمة الخلافة العباسية.

وقد ترتب علي ذك الفرز طفو عدة ظواهر غير مبررة علي السطح منها ذلك الرفض المطلق لكل ما هو قائم حتي لو كان مفيدًا للقضية الوطنية وربما يكون ذلك بسبب طول فترات القهر التي تعرض لها الناس علي أيدى تلك القوي.

وهناك ظاهرة أخري في منتهي الخطورة وهي أنه علي الرغم من أن موجة الرفض للنظام القائم نمت بسبب شعور الناس بعمالة النظام لأمريكا إلا أن الناس بدأت تتقبل التدخل الأمريكي لما رأته من كبحه لجماح مفرمة النظام ضدهم وفي هذه النقطة بالذات لا يمكننا أن نلقي العيب علي مناهضي النظام بقدر ما نلقيه علي النظام نفسه.

وفي هذه النقطة بالذات لا يسعنا إلا التحذير من رغبة الذئب الأمريكي الذي قتل أهلنا في العراق وفلسطين وأفغانستان في ارتداء لباس الحمل ومنح الشعب المصري "رشوة" تتمثل في تحريره من جلاديه مقابل اقتناع المصريين بأهمية الدور الأمريكي في "تحرير" الشعوب العربية .. أي يريد أن يستعمرنا ثقافيًا أولاً ويقنعنا بأنه المحرر وليس المحتل.

وعودة لتلك الظواهر التي تجتاح الشارع العربي عامة والمصري خاصة منها فوضي الانتماء والتوجهات والتطرف.

وأعود لأقول إن هناك مرحلة فرز يمر بها المجتمع المصري يجب أن توجه في طريقها القومى الوطني.

****

الوفد 6 ديسمبر 2005

فلنعبر هذه المرحلة

"كيركجارد" الفيلسوف الوجودي المؤمن الدانماركي الجنسية قسم في إجمالي فلسفته الناس وأنواعهم إلي ثلاثة أقسام: الأولي وهي المرحلة الحسية وفيها الإنسان يكون أشبه ما يكون بالكائن الأولي "البيولوجي"، حيث يتحرك طبقًا لأوامر جسمه .. ويستمد منها مشروعية أفعاله .. فإذا اشتهي طعامًا فليحصل عليه وبأية طريقة .. ولو اشتهي جنسًا فلا مانع من الزنا أو حتي الاغتصاب.

والمرحلة الثانية وهي تضم هؤلاء القلة الذين استعملوا ضمائرهم ورأوا أن الغريزية تساوي بينهم وبين الحيوانات فتاقت أنفسهم للعالم المثالي المسالم المتخلق بأخلاق ونواهي الضمير .

ويري أن الانتقال من المرحلة الأولي إلي الثانية يحتاج إلي وثبة صادقة .. ولكن الانتقال إلي المرحلة الثانية والخيرة يحتاج وثبة صادقة وقوية .. ينتقل فيها "النادرون" من مرحلة سلطة الضمير إلي سلطة رب الضمير عز وجل .. حيث يقف الإنسان فيها أمام ذات الله في وجل وخشوع .. وكما لا مقارنة بين متعة الجسد ومتعة الضمير .. إلا أن المتعة المنبعثة من الروح في المرحلة الأخيرة لا مثيل لها.

وآثرنا تلك الإشارة الطويلة لفلسفة "كيركجارد" للتدليل علي أن كثيرًا منا تحت وطأة الجهل يعيشون في مرحلة الحس مازالوا، حتي ولو كان الاستبداد يحول بينهم وبين الاستمتاع به كاملاً، وهو الأمر الذي يفسر سر انتشار الجرائم في قطاعات المجتمع.

وحقيقة أنا أري أن الإعلام ساهم بشكل فعال في سيادة دور الغريزة والحس بشكل خطير وذلك بأشكال عدة منها ذلك الإغراء المكثف علي شراء السلع الاستهلاكية علي شاكلة أن "من تشرب هذه المياه الغازية تصير أميرة، ومن يحمل هذا الهاتف المحمول يصير وسيم عصره، ومن يتصل بهذا الرقم يتحقق حلم حياته" .. وغيرها من تفاهات.

بالإضافة إلي دراما التليفزيون والسينما التي تظهر عبر أبطالها وشخوصها أن قيمة الجمال تفوق قيمة الفكرة وقيمة الملبس تفوق قيمة الاحتشام وقيمة الحياة تفوق قيمة التفاني والنضال.

حتي الحب وهو قيمة نبيلة تحمل كل خصال الفضيلة يقدرونها علي أنها أقل من قيمة الجنس.

والحقيقة أن شبابنا وهم في سن المراهقة بحاجة إلي تعلم سمو الروح .. إلي قيم البناء لا الهدم .. إلي المثابرة والعرق وظهر وأنهما طريقًا النجاح وليست الصدفة وضربة الحظ والفهلوة .. في حاجة إلي تعلم المشاركة وليس العزوف عن الحياة السياسية والهموم المجتمعية .. فليحارب الإعلام اللامبالاة .. وليهبط له هؤلاء المحللون والمنظرون – بتشديد الظاء – من قوقعتهم العاجية ليلتقوا بالجماهير التي صارت منفصلة عنهم انفصالاً بينًا .. وذلك لأنه يجب أن نكون أمة متخلفة .. ولأننا خير أمة أخرجت للناس.

****

الوفد 28 مارس 2006

الفساد مفرخة الشائعات

هل حقيقي كما يقول الناس إننا بلد شائعات؟ .. أولاً للإجابة عن هذا السؤال نحتاج أول ما نحتاج إلى تعريف الشائعات .. معجم "لسان العرب" عرفها بأنها ما انتشر وافترق وذاع وظهر .. أما "جولدن سبورت" فيري أن الشائعة "هي اصطلاح يطلق علي رأي موضوعي معين مطروح كي يؤمن به من يسمعه وهي تنتقل عادة من شخص إلي آخر ويتم عادة بواسطة الكلام دون الاستناد إلي دليل أو شاهد".

والغريب أن من الشائعات الاعتقاد أن الشائعة هي معلومة غير حقيقية .. فقد تكون هناك شائعة ما .. ويكون هناك صحة لهذه الشائعة .. ولكن من تلقوها غير مستندين لتصديقها بأي دليل ملموس وان أوحي لهم إحساسهم بصحتها بمعني ان الشائعة في حد ذاتها معلومة تحتمل الصدق والكذب .. ولكن هل بلدنا تحديدًا بلد تنتشر فيه الشائعات؟

لا نستطيع الجزم سلبًا أو إيجابًا .. ولكنْ للشائعات دائمًا مناخ تغيب فيه الحريات وتنعدم العدالة .. وتكثر في المجتمع الذي تولد فيه الكثير من الأسرار والمجهولات واللامنطقيات .. كأن تجد موظفًا صغيرًا عرف عنه عدم كفاءته صار وزيرًا .. أو عاملاً صار مليونيرًا .. وهكذا.

أما عن مصدر الشائعات فهو بالتأكيد مجهول .. ولكن .. من المؤكد أن الأفراد سواء أو الجماعات والهيئات .. أو الحكومات يظلون متهمين .. فكما أن الأفراد يطلقون شائعات .. أيضًا تطلقها الحكومات وأجهزتها الاستخبارية بغرض تحقيق أهداف معينة!! .. كأن تصير هناك شائعة بأن الدولة تنتوي بيع شركة ما أو ترفع سعر سلعة ما رفعًا مبالغًا فيه بهدف تهيئة ذهن المواطن الذي ما كان ليقبل بأية زيادة في سعر هذه السلعة لكي يقبل نصف السعر الذي طرحته الشائعة .. فمثلاً المواطن يرفض تمامًا رفع سعر كيلو السكر عن حد 175 قرشًا فتصير شائعة بأن كيلو السكر سيصير سعره 350 قرشًا .. وهنا تتدخل الدولة لتسعير السكر بمبلغ 250 قرشًا .. وهكذا.

وهناك شائعات لها أغراض سياسية دولية كأن يختلق البريطانيون شائعة الهولوكست مع الإسرائيليين بهدف ضمان دعم مادي وأدبي طويل الأمد من الدول الأوربية الأخري لإسرائيل والتي هي نشأت في الأصل لحماية المصالح البريطانية في المنطقة وهناك شائعة أخري تتحدث عن المقابر الجماعية في عهد صدام .. وهي في الواقع دعاية أمريكية للاستهلاك المحلي وكسب التأييد للحرب.

وقد أهتم العلماء بالشائعة كوسيلة رخيصة من وسائل الإعلام لدرجة أن أحدهم كان يقول لو إن شركة ما رأسمالها مليون دولار من الأجدي لها أن تنفق 900 ألف دولار لخلق الشائعات التي تروج للشركة.

ولا ننسي مقولة جوبلز وزير الدعاية في عه هتلر "لكي يصدق الناس الكذبة لابد أن تكون ضخمة" .. وهي المقولة التي طبقتها الولايات المتحدة باتقان في حربها علي ما أسمته "الإرهاب" .. وأخيرًا ينبغي التأكيد أن الفساد هو المفرخة الأولي للشائعات.

****

الوفد 23 مايو 2006

عن المثقف والمثقفين

منذ زمن ليس ببعيد كنا نعرف المثقف بأنه هو الشخص الذي يعرف بعض الشيء عن كل شيء .. أما الآن فتعريف المثقف بدا شاحبًا تعتريه أمراض مزمنة.. فتارة نجدنا نعتبر أنه المواطن الخارج عن السرب .. وتارة نعتبره ذلك السليط الذي ينزع كل حياء ويستبيح كل مقدس .. وأخري نعتبره انه ذلك الداعي إلي التسليم والانتهازية والتنازل عن كل غال ونفيس بحجة الاحتكام إلي العقل والانطلاق إلي المستقبل .. أو ذلك المتبلد الذي يري أن معاناة الناس ضرورية لاستنباط معني الراحة والدعة.

ومثقف هذه الأيام هو ذلك الذي ينجح بكل بساطة في استفزاز مشاعر الناس والحصول علي أكبر قدر من كراهيتهم وإن شئت احتقارهم.

ناهيك عن مثقفي التيك أواي الذين نجدهم بكل انتهازية يحرمون لهذا ما شرعوه لذاك ويباركون لزيد ما لعنوه في علي.

ولعلي لست أكون مغاليًا لو قلت إن هناك فجوة عميقة بين اهتمامات المثقف واهتمامات الناس .. والمدهش أن تلك الفجوة ليست ناشئة من زيادة في الوعي لدي المثقف أو نقصه لدي العامة .. ولكن لأن كلا منه لا يفكر في الآخر وكلاهما يعمل في جزر منعزلة.

ويصبح فرضًا علي المثقف ألا يطلب من البسطاء الالتفاف حوله .. ولكن عليه هو أن يبحث عن قضاياهم ومشكلاتهم ويسعي لعرضها بصدق وأمانة علي الرأي العام .. وحينما ينجح في ذلك عليه أن يكون واثقًا بأن فطرة هؤلاء البسطاء ستجعلهم يلتفون حوله.

والحقيقة المُرة أن المجتمع فسد حينما فسد مثقفوه .. حينما شغلهم أمر العولمة عن هم البطون الجائعة والأجساد العارية والنفوس المحطمة .. حينما تحدثوا عن لغة "النت" في دولة أقل من نصف سكانها لا يجيد القراءة والكتابة ويعيش الملايين من سكانها في جحور العشوائيات ويتخرج الآلاف سنويًا من مدارسها وجامعاتها لتستقبلهم المقاهي والغرز علي الرحب والسعة.

فسد المثقفون حينما أهملوا الاهتمام بأسمي المهن وأقدمها الفلاحة والزراعة واستنباط الحياة والطعام من بطن الأرض.

فسد المثقفون حينما صمتوا علي مذبحة العمال وتخريب الصناعة وتعجيز الانتاج .. وحينما اعتبروا العامل والزارع والصانع مهنًا لا تستحق ان تأخذ منهم بريق الكاميرا فصنفوها كمهن دنيا.

فسد المثقفون حينما تصارعوا علي فتات يلقيه لهم ذوو النفوذ في الداخل أو الخارج .. نظير شراء ضمائرهم .. فصاروا سوطًا ثالثًا يضاف لسوطي الداخل والخارج يلهبون به ظهور هذا الشعب المسكين.

فسد المثقفون حينما سكنوا في ابراجهم العاجية وظلوا ينظرون إلي الناس باعتبارهم ابتلاء .. وحينما استوعبتهم مارينا ومراقيا وكل امتداد الساحل الشمالي بينما حرقت الشمس والفقر والفساد رؤوس الناس.

فسد المثقفون حينما افتعلوا معارك وهمية وخارج ميدان المعركة الحقيقية لتصفية حسابات هنا أو هناك.

ورغم قتامة الصورة إلا أن هناك لا شك العديد من المثقفين المحدثين الذين امتازوا برؤاهم المتميزة الصادقة .. مضافًا إليهم نخبة رائعة من القدامي الذين شكلوا أساس البناء والمرجعية.

****

محيط 15 نوفمبر 2009

لغتنا القومية .. التشخيص والعلاج

لاشك أنه ما من أمه أهملت لغتها القومية إلا انقرضت, هذا هو ما يؤكده التاريخ الذي تعد دراسته بمثابة قراءة مكثفة للمستقبل , ولنا في أمم خلت من قبلنا العظة والعبرة , ويكفي أن نشير إلي أن العبرانيين حينما أقاموا دولتهم علي جزء غال من الأرض العربية بعدما أبادوا سكانه وشردوا الباقيون منهم, إذ شرعوا في تجريم الحديث بغير اللغة العبرية التي كانت قد انقرضت فعلا في محافلهم الرسمية رغم أن جميع سكان هذا الكيان اللقيط هم شتات من كل بقاع الأرض يتحدثون بلغات الدول التي وفدوا منها وصلتهم بالعبرية انقطعت تماما.

أقول ذلك وقد لاحظت وأنتم معي لا شك حجم الاهتراء الذي أصاب لغة الضاد في بلدانها الأصلية , وفي محاولة مني لمشاركتكم في تشخيص الداء بما يمكننا من كتابة تذكرة للعلاج الناجع لهذه الأزمة شديدة الحساسية والأهمية سنحدد مكونات المرض الذي يتمثل في وجهة نظري في ثالوث ‘اللهجة العامية والتعليم الأجنبى والانحطاط السياسي والثقافي’.

العامية .. مسموعة ومكتوبة!!

والحقيقة أنه لا خطر كبير من اللهجة العامية طالما ظلت ثقافة سمعية وكلامية فقط , لكن الخطر المستجد فيها هو تحولها إلى ثقافة مكتوبة تتدوالها الأوساط الشعبية والرسمية أحيانا, حيث صارت تروج لها وسائل إعلام الدولة نفسها مما أضفى عليها هيبة ومشروعية وهو الأمر الذي عَمّق من حجم المأساة وذلك بعدما عمدت العديد من الاوساط الثقافية الي استخدامها بحجة واهية تستند الي كونها تتيح التواصل بشكل جيد مع البسطاء وبالطبع ذلك مجافي للحقيقة لأن مفردات العامية هي نتاج فردي وليس نتاجاً عقلياً جمعياً منظماً كما هو الحال في الفصحي ولأن دور الثقافة والتعليم والإعلام أساسا هو النهوض بوعي الناس وليس الهبوط إليهم.

ومع انتشار ظاهرة ‘الشات’ في الفضائيات المختلفة والقنوات التلفزيونية التي تملكها الدول والتي يقوم من خلالها شباب لا يجيدون الكتابة والقراءة بشكل معقول بإرسال رسائل متنوعة غير مضبوطة إملائيا وتنشرها تلك القنوات وهو الأمر الذي يحمل في طياته خطراً كبيراً علي ثقافة المتلقي الذي يعتبر أن التلفزيون وسيلة للتثقيف والتعليم وليس العكس .

والملفت للنظر ان التلفزيون المصري شرع في عملية تطوير صاحبتها حملة دعائية كبيرة وإذ بنا نكتشف انه بدل كلمة النيل في قنوات النيل المتخصصة إلى ‘ نايل’ وغير اسم قناة النيل للرياضة إلى ‘نايل سبورت’ والنيل للمنوعات إلى ‘نايل لايف’ واستحدث قناة ‘نايل كوميدي’ بل أن اذاعة’ صوت مصر’ التي تعبر عن لسان مصر وثقافتها تحولت الي ‘راديو مصر’ ناهيك عن عشرات البرامج التافهة والعقيمة والمسفة التي تحمل أسماء أجنبية او غارقة في العامية!!

وقد حكت لي احدي الناشطات والباحثة في العلوم الاجتماعية والثقافية انه منذ ان استبدل أهل القاهرة نطق حرف ‘ القاف’ إلى ‘ألف’ انحدرت ثقافة المصريين وقالت ساخرة لقد تحولت كلمة ‘حق’ ‘حأ’ وهي لا معني لها وكلمة ‘صدق’ إلى ‘صدء’ من صدأ وكلمة’قوة’ إلى ‘أوة’ وهكذا.. وبالتالي فقد فسدت معاني الكلمات وفسدت مدلولاتها علي ارض الواقع وافتقد الناس الصدق والحق والقانون والقوة .

ولعل ما حدث من تعليقات لبعض الدوائر الصهيونية علي كلمات المؤدي الشعبي المصري شعبان عبد الرحيم التي عبر فيها عن كراهيته لإسرائيل بلغة شعبية مبتذلة كان الهدف منها أساسا هو الدعاية لهذا النوع من الأداء الأمر الذي يكون له مردود سيىء علي الثقافة في مصر.

التعليم الأجنبي.. وقتل الانتماء

وثاني أسباب المرض هو ذلك الزحف المريب للمدارس الأجنبية في العالم العربي لاسيما في مصر والتي لا تدرس اللغة العربية مطلقا داخل أروقتها بل تقوم بتجريم وتحريم الحديث بها, وفي إطار مواز دخلت الدولة عبر مؤسساتها التعليمية العامة كداعم لهذه المؤامرة – بقصد وبدون - حينما شرعت في تعليم اللغات الأجنبية لاسيما الانجليزية والفرنسية بجوار اللغة العربية إجباريا للأطفال في مراحل التعليم الأساسي المبكرة التي تبدأ من رياض الأطفال وما بعدها وهي الفترة التي يبدأ فيها الطفل تعلم الكلام والمحاكاة والتي كان يجب ان يتم تركيز المجهود فيها لتعليمه لغة بلاده القومية لكن عدم مراعاة ذلك من جانب القائمين علي أمر التعليم في مصر جعله لا يجيد أياً من اللغتين لا لغة بلاده القومية ولا اللغة المفروض عليه تعلمها

وقد أنتجت السياسات التعليمية الخاطئة أجيالا من أنصاف وأرباع وأسداس المتعلمين في كل المجالات في مصر كمن رقص علي السلم فلا احتفظ الإنسان العربي المصري بأصالته ولا صار غربيا.

بالإضافة الي ان التمادي في فتح الباب علي مصراعيه للتعليم الأجنبى الخاص والرسمي في مصر خلق هو الأخر أجيالا من الشباب الذي يفتقد للولاء والانتماء بعدما تشبع بثقافة الغرب, وهنا يعنينا أن نذكر بأنه لا يفيد مصر أن تنجب علماْْء ذوي صيت عالمي ولكن ما يفيدها أن يكون هؤلاء العلماء يدينون بالولاء لها وليس لأعدائها.

الانحطاط السياسي والثقافي

هل يصدق أيا منا أن للأمية فائدة ؟

فحينما كانت البلدان العربية مستعمرة غربيا سعي الاستعمار إلى تدمير الثقافة أو اللغة العربية وإحلالها بثقافته’ راجع مشروع دانلوب التعليمي البريطاني في مصر عام 1910 ولكن حال دون مرامه ذلك ما صدمه من أمية الناس والفقر المدقع الذي يشغلهم ولذلك حول مخططه إلى دعم الثقافات المحلية في تلك البلدان علي حساب الفصحي ,ولكن بعد انحساره شهد عالمنا العربي فترة مد قومي أصلح ما رسب في أذهان الناس من أخطاء وخطايا.

والخطر المتمثل الآن ينحصر في أن نسبة الأمية في عالمنا العربي انحسرت بشكل كبير وأن الحكومات العربية هي التي تتبني العملية التعليمية وتصرف عليها المليارات من الدولارات سنويا لكن هذه العملية تسير في إطار عكسي لا تدعم الثقافة القومية ولكن تهدمها.

وقد ترسخ في أذهان أهل الثراء والأعمال والإعلام والثقافة والسياسة والحكم بالإضافة إلى أذهان العامة بأنه كلما زاد المرء من استخدام مفردات أجنبية في حديثه مع الناس كلما أعطي لهم إيحاء بأنه من أهل الرفاهية والثقافة والطبقات الاجتماعية العليا!!


تذكرة علاج

هذه هي أهم أسباب الداء أما عن أطروحاتى للعلاج .. والتي ادعوكم لمناقشتها وإجبار الحكومات علي وضع تشريعات صارمة لتنفيذها من أجل حماية اللغة العربية من جانب ولكي تبرئ تلك الحكومات ذمتها من مأساتها , فهي:

- الحد من انتشار مدارس التعليم الاجنبي وجعل تعليم اللغة العربية مادة أساسية فيها ولا يجتاز الطالب الامتحان سوى بالنجاح فيها بدرجة مرتفعة.

- منع تدريس اللغات الأجنبية في مراحل التعليم الأساسى في كل أنواع المدارس الخاصة والعامة والأجنبية مع التركيز على تدريس اللغة العربية.

- تدريس مادتي التربية القومية والدينية’حسب الديانات المعترف بها’ بالإضافة إلي مادة اللغة العربية في كافة أنواع المدارس .

- منع إنشاء قنوات أو إعداد برامج تلفزيونية أو إذاعية تحمل أسماء أجنبية أو عامية فضلا عن أسماء الإذاعات والقنوات .

- منع الكتابة باللهجة العامية أو كتابة الكلمة العربية بحروف أجنبية في كل وسائل الإعلام ووضع حل لمسائلة رسائل’ الشات ‘ في الفضائيات والقنوات المختلفة عبر إعادة صياغة الرسائل بالفصحي قبل بثها وهو الأمر الذي يكون له مردود تعليمي علي المتلقي وعلي صاحب الرسالة نفسها.

- تفعيل القوانين الخاصة بمنع تعليق يافطات أو الكتابة علي واجهات المحال التجارية والعيادات والمستشفيات وكذلك المنتجات المختلفة وغيرها بأسماء أجنبية فقط دون أن يقابلها الاسم باللغة العربية بشكل أكبر وأبرز وهو المشروع الذي تبناه الدكتور احمد الجويلي وزير التموين الأسبق في مصر ولكن فجأة رأيناه يقدم استقالته.

هذه هي ملاحظاتي وحلولي المتواضعة أطرحها عليكم وأدعو الجميع للتفاعل من اجل دواء شاف لهذا المرض الذي حولته سلبيتنا إلى مرض مزمن.

****

24 ديسمبر 2009

العروبة والاسلام وجهان لعملة واحدة

رغم الضربات السافرة التي تعرضت لها الأمة العربية ومازالت تتعرض لها علي يد قوي الامبريالية في الخارج وأزلامها في الداخل منذ عدة قرون مضت مرورا باتفاقات سايكس بيكو والحربين العالميتين وخلالهما وعد بلفور المشئوم الذي تسبب في ظهور الكيان الصهيوني الاستيطاني الإجرامي عام 1948 علي أنقاض أجزاء من الدولة السورية الكبري انتهاء بغزو العراق ومحاولة إبادة شعبه من خلال حربين أمميتين ظالمتين شنت ضده عبر 13 عاما من الحصار والتجويع انتهت بسقوطه عام 2003 ومصرع أكثر من المليوني شهيد " راجع :

http://www.countercurrents.org/polya210309.htm’ من خيرة أبناء الأمة العربية ممن تربوا تربية قومية صحيحة وواعدة وكذلك محاولة تفتيت السودان والعبث باستقراره ووحدته وهو ما يحدث الآن في اليمن والصومال ولبنان ومحاصرة ليبيا إلا انه رغم كل ذلك تزايدت الحاجة الشعبية لهذه الوحدة القومية ومقاومة كل الأفكار التي تروج لتحويلها إلي فكرة شعوبية ضيقة مدفوعة بقيم انتهازية نخبوية علي حساب رغبة الجماهير العربية وحاجتها الماسة للوحدة والقوة.

ولعل السبب وراء صمود القومية العربية إزاء الصعوبات التي واجهتها أن تلك القومية تتوافر فيها مقومات ما كانت لأية قومية غيرها تملك هذا التعداد السكاني فضلا علي انتشارها علي رقعة جغرافية تمتد من المحيط الأطلسي حتي الخليج العربي والتي تمثلت في وحدة اللغة والدم والجنس والثقافة والجغرافية والمصير الواحد والإرث السياسي والتاريخي بل والديني مما جعلها مثار حسد من قبل أمم لم تتوافر فيها مثل تلك الخصائص بذات الصورة من النضارة والخصوبة

ولقد لمس الشعب العربي ما حباه به الخالق من روابط في أزمنة تقوم فيها قوميات أخري تفتقد لمعظم تلك الخصائص الواجب توافرها في القومية الناضجة باصطناع وتأصيل روابط بين أفرادها في محاولة لخلق مبررات الوحدة بين دولهم ولذلك ثَمَّن الشعب العربي هبة الله له وراح يناضل من أجلها لا سيما بعدما شاهد القارة الأوربية التي تعرقل بشكل مستمر مشروعه القومي تسعي لاستنساخ قومية لها عبر إنشاء الاتحاد الأوربي وغيرها رغم تنوعها جنسيا ولغويا ودينيا وتاريخيا

إن الامبريالية العالمية في ثوبها الجديد وعبر مسلكها الثقافي الذي يحمل رداءات العولمة والتحرر والديمقراطية وهو بعيد كل البعد عن أية مثالية أو حسن نية يسعي وبشكل دءوب لفصل القومية العربية عن محيطها ومرجعها الثقافي المتمثل في الإسلام فى محاولة للوقيعة بين المتلازمتين وإظهارهما بمظهر المتناقضتين المتصادمتين رغم أن الإسلام يعد المرجعية الأولي للثقافة العربية بل إنه يشكل فيها ذروة السنام فضلا عن أن هذا الدين الذي استطاع أن يسود العالم في فترة وجيزة يعد استفتاء بشكل قاطع علي عالمية الثقافة العربية وعلي أن العروبة والإسلام وجهان لعمله واحدة

فقد أبقي الإسلام علي معظم العادات والأعراف العربية القديمة كالكرم والشهامة والجود والإخلاص والوفاء والصدق والعدل والصبر والوفاء وإغاثة الملهوف ونجدة المستغيث ورفض الظلم والاعتزاز بالأهل وردهم في حال التجاوز واحترام الكبير وتوقيره والرحمة بالصغير واحترام الجار وصيانة حقوقه بينما قام بتهذيب ومحو العادات السيئة منها مما يعني اعترافا ربانيا بأفضلية الثقافة العربية علي ما عداها من ثقافات أخري ولذلك اختارها لتحمل هذه الرسالة العظيمة.

ولبيان فضل العرب نشير الي ما تواترت الأحاديث النبوية الشريفة به فقد أمر صلى الله عليه وسلم : ‘أحبوا العرب لثلاث لأنني عربي والقرآن عربي وكلام أهل الجنة عربي ‘ وكذلك’ تعلموا العربية وعلموها الناس فإنها لسان الله الناطق’ وامتداح النبي لأصله الشريف حين قال’ أنا النبي لا كذب انا ابن عبد المطلب’ وكذلك حينما عاد ليضرب لنا المثل عن قيمة التسامح العربي حينما قال ‘لا فرق بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى’.

إن الإسلام بوصفه دينا عالميا لا يتصادم مطلقا مع وحدة القومية العربية وذلك لأن القومية العربية تعد هي اللبنة الأولي لهذا الدين العظيم وفي سيادته وانتشاره وفاء بها وامتداحاً لها وكذلك فإن القومية العربية لا يمكنها أن تعوق المشروع الإسلامي العالمي ما لم تكن تدعمه متي تيسرت له ظروف الوحدة الإسلامية الجامعة وأظنها لا يمكن أن تتحقق دون تحقق الوحدة العربية أولاً لينطلق منها الإسلام كما انطلق في المرة الأولي.

****

الاسبوع 28 فبراير 2010

ثقوب فى ثوب العدالة

لا أدري لماذا كلما ذكرت القوي الغربية مصطلح "الديمقراطية" أجد مشاهد الدماء والجوعي والنساء المغتصبات والأطفال الأيتام والملاجيء والعجائز والثكالي تجتاح مخيلتي , رغم أن هذا المصطلح العجيب عادة ما يثير لدي مخيلات غيري من الناس صور الرخاء والرفاهية والحب والعدالة؟

بل إنني عادة ما أتوقع من الخٌير الداعى للديمقراطية أن يكشر عن أنيابة في نهاية المسرحية العبثية ليكتشف الجمهور أنه ليس إلا ذئباً استطاع أن يخدع الجميع فترة طويلة من الوقت.

وفي الحقيقة أنا لا أجد معني واضحاً لهذا المصطلح سوي أن الجميع يفسره بما يرضي مشيئته ويحقق له أهدافه, فإذا أرادت القوي اليمين الليبرالية أو بالأحري "الإمبريالية" المزيد من السيطرة علي ثروات منطقة ما في العالم رفعت شعار الديمقراطية وراحت ترتكب بحق سكان هذه المنطقة أبشع الجرائم قتلا وتنكيلا , وإذا أرادت قوي اليسار الاشتراكي توصيف نفسها فإنها تصفها بذات المصطلح الذي تريد القوي السابقة احتكاره لنفسها , ونلاحظ هنا أن الجميع يضفي علي نفسه لقب الديمقراطية ويفسرها طبقا لمفهومه, لذلك نجد أنفسنا أمام تساؤل مهم حول مفاهيم مصطلحات "الديمقراطية" و"الأغلبية" و"العدالة".

فهل من الممكن أن يكون معني مصطلح "الديمقراطية" ذلك التفسير الذي يصفها بأنها "حكم الشعب للشعب لصالح الشعب"كما كانوا يدرسونها لنا في المراحل التعليمية الإعدادية أم أن ذلك يعد تعريفا ساذجا فوضويا فضفاضا يكفي ليضم تحت عباءته كل "الموبقات"؟.

وهل يمكننا أن نسلم بأن نظام حكم "الأغلبية"هو نهاية المطاف للوصول إلى "العدالة" وغايتها المنشودة في تحقيق "السعادة" البشرية أم أن التاريخ يسجل أن تطور البشرية هو نتاج لجهود فردية كما أن أي نظام حكم مبني علي قاعدة "الأغلبية" يهدر طاقات "الأقلية" الخلاقة فضلا عن انه قد يقود إلى الكارثة وذلك حالما كانت اختياراتها غير مبنية علي اعتبارات علمية.

لاسيما أن كل ديكتاتوريات التاريخ صنعتها قوي الأغلبية التي عادة ما تنطلي عليها حيل "الخداع " التي تمارسها إعلاميات قوي القلة المسيطرة فضلا عن تربيطات المصالح الشخصية لقادة الرأي وجماعات الاستغلال المحلية علي حساب المصالح الجمعية للأمة , أليس وسط كل هذا المناخ يعتبر اختيار"الأغلبية" اختيارا وهميا ونوعا من أنواع "الديكتاتورية"؟

وهناك تساؤل حول ما إذا كان تحقق مفهوم الديمقراطية أو الأغلبية يعني تحقق العدالة من عدمه؟

في الواقع ..لابد أن نجزم أولا بأن كمال الأشياء مرهون بمدي نفعها للناس واستفادتها القصوى من طاقات الشعوب بما يخدم تلك الشعوب.

وإنني استدعي هنا مصطلح "الوعي" وأعتبره متلازما لنظام "الأغلبية" وأن علاقتهما الواجبة ببعضهما البعض هي علاقة الشارط والمشروط ومتي تأكدت صحة تلك العلاقة وصحة تجاوبهما تسني لنا تلافي عوار الثوب المتهتك.

والسبب وراء اشتراط صواب اختيار"الأغلبية" ب "الوعي" أن رأي أقلية "تعلم" خير من رأي أغلبية "تجهل"وأنه ليس من العدل في شيء أن نساوي بين رأي "واع" وآخر"غير واع" فضلا عن أن رأي مجموع أصوات الأقلية في صندوق الاقتراع هي أراء أكيدة صاحبها إصرار وتيقن ومعاناة علي خلاف مجموع أصوات الأغلبية التي تصاحبها عادة المساومات والتهديدات والإغراءات وبالطبع "التزوير".

ولا يخفي علينا أن الرسول الأكرم محمد ‘صلي الله عليه وسلم’ كان فردا يقاوم خصما من الجهل والوثنية التي لا تجتاح المنطقة العربية وحدها بل العالم بأسره شأنه في ذلك شأن جميع الأنبياء والرسل الكرام وأنهم لو اعملوا نظام "الاغلبية" الذي ننشده حينها لبقيت البشرية تغرق في الجاهلية حتي الآن ولو قاسوا أيضا الأمور بمنطقيات "الديمقراطية" الحالية لاتهموا الخليفة الراشد "عمر بن الخطاب"بالديكتاتورية والطغيان ولطالبوا بدق عنقه مع انه هو الذي شهد له أعداؤه قبل أصدقائه بكونه راعي العدالة الأول في التاريخ.

وحتي لا يفهمني البعض بطريقة خاطئة .. فأنا لا أقول إنني أقف ضد الديمقراطية ورأي الأغلبية أو أنني أدعو إلى الاستبداد بما يفهم منه مهاجمة الاختيار الجمعي ولكن علي النقيض تماما .. ولكننا نتحدث بصوت عال حول إشكاليات ومشكلات هذين المصطلحين ونحن نقف في صفهما بشدة ولكن نريد أن نضبطهما بما يخدم الهدف النهائي منهما وحتي لا تستطيع وسائل إعلام مأجورة ومغرضة قيادة أراء أغلبية تفتقد للوعي فتقودها إلى نتيجة مؤسفة لم تكن قط تقصدها اختيارات الأغلبية.

ودعونا نتساءل .. ألم يصعد أدولف هتلر إلى سدة الحكم في ألمانيا بأغلبية ساحقة"94%" ثم قادها إلى الجحيم ونجح المجرم جورج دبليو بوش لدورتين متتاليتين في أمريكا فقتل علي يديه الملايين في العراق وأفغانستان .

ونتساءل أيضاً .. ألم تكن العراق دولة مشهود لها بالازدهار في ظل حكم الرئيس الشهيد صدام حسين الذي اتهموه بالديكتاتورية ثم جاءوا بأساطيلهم تحت شعار الديمقراطية ونصبوا حكومتهم العميلة وإذ بنا نفاجأ بالدماء تفيض علي الرافدين بطريقة كتلك التي درسناها في كتاب التاريخ عن زحف المغول وأن ما قالوه عن بداية عصر الديمقراطية هو بعينه بداية عصر الاستبداد والإرهاب والقهر.

ألم تقم معظم الدول العربية بإجراء انتخابات يقولون عنها عادة نزيهة وشفافة وتحترم إرادة "التغيير" وإذ بنا نجد أن الحاكم والحاشية مازالوا موجودين في السلطة بل أنهم فازوا بأغلبية ساحقة رغم أن من قال "نعم" ممن اُجبر ترهيبا وترغيبا ومن قال "لا" كليهما متفقان علي رفضه فضلا عن أغلبية كاسحة سئمت حيل الخداع والذهاب إلى صناديق اقتراع غير معروف عنها تغيير حاكم عربي من قبل وفضلت إعطاء ظهرها للمسرح العبثي الذي تحدثنا عنه.

خلاصة القول أنه لا يمكن أن نصنع ديمقراطية ولا نحتكم لنظام الأغلبية ولا نستطيع الوصول للعدالة دون تحقيق "الوعي "وخلق مقومات تعزيز "الإرادة" وإذا تجاهلنا هذين الشرطين فإننا بذلك سنكون شركاء في تعزيز "الاستبداد" وخنق مكاسب "الشعوب".

****

العروبة نيوز 21 مارس 2010

ماذا لو عاد الفاروق حاكما والمسيح مبشرا؟

ليس ترفاً فكرياً أن نعيد الآن طرح السؤال الذي طرحه الكثيرون من الساعين لترتيب أولويات الفكر علي مر العصور: أيهما يقود إلي الآخر.. العدل أم الحرية؟ وأيهما أكثر أهمية من الآخر؟

في الواقع إن التجارب الإنسانية أكدت بما لا يدع مجالاً للشك أن قيمة الحرية تعد وسيلة لتحقيق العدالة التي متي تحققت توافرت وانبثقت منها الحرية بمعني أن كليهما متلازمان ولكن لو خيرنا بالتضحية بواحدة منهما مقابل انتعاش القيمة الأخري لاختار الناس - لاسيما العقلاء منهم - التضحية بالحرية حتي تبقي العدالة.

وفي الفكر الإسلامي تقدمت فكرة العدالة علي ما سواها من عوالم الأفكار ونجده -سبحانه وتعالي - في مواضع متعددة يشير إلي العدالة كواحدة من أهم القيم التي ينبغي علي المجتمع المسلم المحافظة عليها بل إنه قدمها علي قيمة الإحسان التي تعد نهاية المطاف ودرة الخصال الواجب توافرها في المجتمع.

ومع ذلك لم نجد التشديد والجزم الذي وجدناه في قيمة العدالة عند الحديث عن الحرية سوي في مواضع الرق والعبودية وهي المواضع التي تسلب فيها الحرية كاملة.

ورغم أن الكثيرين من المفكرين الغربيين - علي اختلاف مشاربهم الفلسفية - أمثال هيجل وكيركجارد وكانط وجاسبرز ولينين وماركس- يعلون من شأن قيمة العدالة منطلقين في ذلك من مواقفهم الاجتماعية , نجد آخرين أمثال برتراندراسل وسارتر يعتبران أن الحرية هي القيمة الأعلي وأن العدالة جزء منها وقد وجهت لهما انتقادات لاذعة باعتبار أن كراهيتهما للشمولية الاجتماعية قادتهما للخروج بنتيجة لا يمكن أن تقود إلي الحقيقة.

اللافت أن قيمة الحرية بمفهومها الحالي بدأت في الظهور والتنامي متزامنة مع فترة الاستعمار العسكري وإن كان المقصود بها آنذاك مصطلح ‘الاستقلال’ ثم سرعان ما تحولت إلي الحرية الفردية مع انتشار موجة العولمة العلمانية والمقصود من ورائهما القضاء علي كل مظاهر الدولة القومية والخصوصيات الثقافية للأمم تحت وهم الأولوية للعلم وهو الأمر الذي يمكن الغرب من بسط السيطرة الثقافية والاقتصادية والاجتماعية حتي السياسية والعسكرية علي المستعمرات القديمة في ثوب جديد.

ولم تكن البشرية أكثر سعادة حينما تعالت الأصوات المنادية بالحرية خصوصا في ظل معايير مبتدعة مثل الديمقراطية ونظام الأغلبية اللذين كشفت سوءاتهما أكثر مما تخبئان لاسيما في أمم اعتادت علي تزييف إرادتها التي لم تكن هي الأخري بالناضجة أصلاً.

إن ترتيباً جيدا للأفكار سيجعلنا نؤكد أن الحرية الفردية ليست إلا وسيلة لتحقيق العدالة لاسيما في تلك الأمم التي يفتقد مواطنوها الوعي جملة وتفصيلا بل إنه يمكننا القول إن توافر عنصر الحرية الفردية في مثل تلك المجتمعات قد يكون عاملاً للهدم وليس البناء، خاصة إذا كان المراد من توفير ضمانات الحرية الفردية التدليل علي وجود العدالة.

إن نظرية العادل المستبد التي شخصها عبد الرحمن الكواكبي في ‘طبائع الاستبداد’ هي فعلا النظرية المثالية للنهوض بالكثير من أمم العالم لاسيما الأمة العربية، ولذلك فإن الشعب العربي يسوقه حنين دائم إلي جمال عبد الناصر وصدام حسين وهواري بومدين وليس إلي الزعامات الحالية التي استخدمت صناديق الاقتراع ونادت بالحرية الفردية لكنها قتلت العدالة.

وأنا أتصور ولعلي لا أكون مبالغا بأن الفاروق عمر بن الخطاب مع ما عرف عنه من عدل لو عاد ليحكم بلداً عربياً الآن لوصموه بالطاغية وأن المسيح - عليه السلام - لو عاد مجدداً لصلب بحق في هذه المرة.

وبالطبع ليس العيب لا في المسيح ولا في الفاروق ولكن العيب كل العيب في زمن يساوي فيه بين العالم والجاهل ويهتم بالتفاصيل وليس الغايات ويعلي من قيمة الإجراء وليس قيمة النهاية الأمر الذي أفسح المجال بشدة للطفيليات لتنمو وتترعرع وسط رضاء خادع مع أن البشرية حتي في حالة اكتمال الصورة المثالية لا زالت تعاني من ديكتاتورية الأغلبية.

****

الاسبوع 6 ابريل 2010

عن المعقول واللا معقول

هناك ظواهر عديدة نعيشها صباح مساء ولكن لا نستطيع أن نجد لها تفسيراً علمياً، الأمر الذي يضطرنا إلي إنكارها جملة وتفصيلاً رغم أننا بذلك لم نتخلص منها أو بالأحري من وجودها.

من أهم تلك الظواهر المثيرة للجدل قوانين الصدفة والسحر والحسد وتوارد الخواطر والفراسة والمكاشفة الصوفيتين وهي كلها ظواهر لا يمكن إثباتها علمياً رغم أنها موجودة بالفعل في الحياة ولو لم تكن موجودة ما صدرت قوانين أوربية قديمة بإعدام من يمارس السحر الأسود.. وما تردد الآلاف بل الملايين يومياً علي وجه البسيطة للعرافين وقارئي الفنجان ومن يحلو لنا تسميتهم بـ’الدجالين’ لرصد الطالع وفك العمل والمس الشيطاني ولو لم يكن الناس يرون أنها تقدم حلولاً ما لجأوا إليها عبر آلاف السنين.

البعض من المثقفين يتحرجون من الخوض بشكل منهجي -ولا أقول علمياً كما سيتضح لاحقاً- في تلك الأمور خشية اتهامهم بالجهل والشعوذة رغم أن الجميع يوقن في قرارة نفسه بوجود تلك المسائل ولا أدري لماذا كل هذا الحذر في تناول ظواهر مجتمعية متوطنة في كل أرجاء العالم ومتجذرة عبر التاريخ رغم أن الأديان جميعها السماوي منها والإنساني يؤمن بها بل إن إحصاءات أوربية رصدت أن معظم ساسة العالم يستعينون بالسحرة والعرافين لتأمين حكوماتهم.

ومشكلة البشرية في رأيي -لو أخذنا الأمر بشكل أعمق وأكثر شمولية- في أنها اتجهت منذ اشتعال الثورة الصناعية الأوربية لإنكار كل ما هو غير علمي وما لا يمتلك نسقاً منطقياً وبالتالي قدست العلم وتفردت بالإيمان بالمنطق رغم أن أشياء كثيرة ومنها الظواهر السابقة لا نسق لها ولا منطق.

وفي الحقيقة أنه لو شبهنا الحياة كقطار يمشي علي قضيبين حديديين لكان أحدهما المنطق والآخر اللامنطق، لو نزعنا أحدهما لسقط القطار وتهشم.

الغريب أن الأديان السماوية التي يؤمن بها نصف سكان الأرض لو قيست بمعياري المنطق واللامنطق لاكتشفنا بسهولة عدم منطقتيها.

فالكائن المنطقي البحت ‘العلماني’ لا يمكنه أن يصدق أن لهذا الكون العظيم إلهاً يدير شئونه ويعلم ما في النفوس ويرسل الرسل وينزل الوحي ويبعث الموتي ويرزق من لا حيلة له حتي يتعجب صاحب الحيلة وبأن أولي التدبير هلكي وتقية من لا يُري تنجي من هول ما يري.

إنها ظواهر مجتمعية لم نستطع قط إخضاعها للمنطق أو للعلم والعلمانية ولكن لن نكون صادقين البتة لو أنكرناها واعترفنا بقصور علمنا الذي قادنا للوصول إلي المريخ في الوصول إلي جوهرها.

وهناك أيضاً ظواهر مجتمعية أخري قد لا تحتاج إلي بحث علمي لتفسيرها لأننا سنلجأ لإنكارها -حينئذٍ- رغم أنها أيضاً موجودة ومنها ظاهرة ‘التوفيق’ والتي يعبر عنها العامة بـ’إيده خضرا’ للشخص الموفق في كل عمل يقوم به وظاهرة ‘النحس’ وهي للشخص الذي يقف في الجانب الآخر رغم أننا لو أجرينا فحصاً ودراسة لاكتشفنا أن الشخص الموفق قد يكون جاهلاً وعشوائياً والشخص ‘المنحوس’ معروف عنه الاهتمام بالبحث والتفكير العلمي.

ويحكي ميكيافيللي في كتابه ‘الأمير’ عن حاكم لم يحالفه الحظ رغم ما عرف عنه من حكمة وحزم واستعداد عسكري واسع فخسر الحرب والملك أمام عدو لم يكن من المتوقع أن يصمد في معركة أكثر من ساعة. ويروي أيضاً عن ‘صانع الفخار’ الذي حالفه الحظ حينما هاجم الأعداء الإمارة التي ينتمي إليها وقتلوا الحاكم وكل جيوشه وانسحبوا ولم يجد الشعب أبرز وأقوي من هذا الشخص ليلتفوا حوله وينصّبوه حاكما عليهم طمعاً في أن يأخذ لهم بالثأر وهو ما حدث فعلاً، بل إن ‘صانع الفخار’ صار بعد ذلك أهم وأعظم حكام إيطاليا.

ولماذا نذهب بعيداً.. ألم يقم المصريون بثورة - هي الأولي في تاريخهم الحديث - ضد الحاكم المستبد فأطاحوا بالوالي العثماني ‘خورشيد باشا’ الذي فر مع جنوده وهنا لم يجدوا إلا جندياً من أصل ألباني ونصّبوه حاكماً ليظل ملكه منذ 1805 حتي 1952 وليعتبر مؤسس مصر الحديثة.

ثمة أشياء أخري يلاحظها الناس في جميع أنحاء العالم لكنهم لا يستطيعون الإمساك بتلابيب فهمها، فلماذا الجنوب والشرق عادة أكثر تخلفاً علمياً من الشمال والغرب ومع ذلك هو أكثر إيماناً وثباتاً؟! وليست تلك الظاهرة علي مستوي العالم فحسب بل إنها في الدولة الواحدة أيضاً بل في القرية ذاتها.

ولماذا حينما يسعد الإنسان بشكل كبير يصاب بالهم والخوف بعدها مباشرة لفترة ؟ ، لماذا نتشاءم من نعيق الغراب والبوم ونفرح بزقزقة العصافير؟.. لماذا.. لماذا؟

هي أشياء لا منطق لها.

المطلوب من رجال الدين - أي دين - وخبراء علم النفس والميتافيزيقا السعي لإيجاد إجابات شافية لتلك الملاحظات بما يخلص البشرية من هم و خوف ظل يعتريها عبر التاريخ اخذين في الاعتبار أن البشرية تسعي للخلاص من أمراض لم تدركها علوم العصر بعد.

****

باريس القدس 29مايو 2010

عن الدراما السورية وبراعم القطرية

لا أخفيكم سراً إننى منذ فترة بعيدة انصرفت عن مشاهدة السينما والدراما المصرية واعتقدت أن الفن بهذه الصورة لا يمكن أن يساهم فى تطوير المجتمعات بل قد يكون له تأثير سلبى ربما لا يصلح فيه ترميم ولا إصلاح.

وتأتى خطورة الإعلام عموما والأعمال الدرامية خصوصا مع ما يتعرض له المشاهد إثناء استرخائه وهى الفترة المثلى للتقبل اليسير والسهل للأفكار المطروحة عبر استخدام  تكنيكات تهدف إلى الإقناع مثل التكرار والتجاهل والتضخيم والتهوين.

وأدركت أن إساءة استعمال الفن - وهو ما يحدث بالفعل الآن - قد خلق مشكلة قومية كبرى يعد الصمت عليها جريمة نكراء لكونه يعبث فى المكون الفكرى والتوعوى للإنسان المصرى ولا يتركه إلا حطاما يملك بقايا إنسان بحيث يصرفه بل يغيبه عن طرح ومناقشة اهم قضاياه التى تمثل له  قضايا حياة أو موت ويلقى به فى جب عميق من الترهات والتفاهات والإسفاف والتبلد والاستكانة.

بصراحة اعتقدت أن كل الأعمال الفنية  فى منطقتنا العربية تجرى بنفس المنطق التغييبى والهزلى وذات المنوال الذى يدار به الأمر فى مصر فأقررت حكما متسرعا يصور الفن والفنانين كأبواق تخدم المخططات الاستعمارية المرادة لبلداننا - بقصد او بدون -  ولكن كان لزوجتى الفضل فى أن تصوب لى الأمر وأخبرتنى أن هناك من يقدمون فنا فعالا يخدم المجتمع وينقل الواقع وينشد الفضيلة وان متعة المشاهدة قد تجعلك لا تفارق الشاشة الا مضطرا بسبب انتهاء العرض.

فى الحقيقة كانت هذه هى المرة الأولى التى أشاهد فيها عملا دراميا سوريا ووجدتنى أمام "باب الحارة" أجد فنا يقاس فيه العرض بالثانية والكلام بالكلمة دون مط أو تطويل أو حشو فارغ ويرسم صورة إبداعية فى غاية السمو والرقى ولم أتوقف عن متابعة هذا المسلسل إلا بعد مشاهدة أجزائه الثلاث ورحت أتابع بعد ذلك الدراما السورية بشكل عام  فوجدت فيها ضالتى.

أنا فى الواقع لم أشأ أن اعقد مقارنة بين الفن المصرى والسوري وذلك لأننى لا أؤمن أساساً بوجود الحدود الشعبوية القطرية الاستعمارية.

 ولكن المقياس عندى يدور فى الإجابة حول سؤال : هل هذا الفن أو ذاك فنا ايجابيا يخدم الشعب والثقافة العربية أم لا ؟ وهل هو يناصر قضايا الواقع والتحرر والتنوير أم انه فن اظلامى سلبى لا ينقل الواقع ولكنه يحلق منفردا لخلق واقع وهمى يدور فى خيال هذا المخرج الشاذ او ذلك الفنان عديم الثقافة أو ذاك المأجور وهم الذين استحلوا قسرا تنصيب أنفسهم كمعبرين عن الثقافة المصرية رغم أنهم هم الأكثر مناقضة وإساءة لها .

لقد لفتت زوجتى نظرى إلى أمر غاية فى الخطورة حينما قالت لى ان الدراما المصرية لا تظهر فيها امرأة محجبة مطلقا مع ان معظم نساء المجتمع المصرى محجبات بل ان الأعمال التاريخية والدينية فى الدراما والسينما المصرية تظهر نساءا ربما كن صحابيات وهن غير محجبات بل قدموهن كمطربات كما حدث فى فيلم الشيماء.

ليس ذلك فحسب بل انه حينما قدموا مسلسلا عن صلاح الدين الأيوبى عرضوه بصورة قد يفهم منها انه "زير" نساء وليس بطلا إسلامياً تاريخيا أضفى عليه الناس نوعا من القداسة من فرط استبساله.

درسنا فى كلية الإعلام أن الوظيفة الرئيسة من الفن هى التنوير والإرشاد ثم الإعلام ثم الترفيه لكن على ما يبدو أن الأوضاع انقلبت رأسا على عقب فى مصر فصارت الوظيفة الأولى للفن هى الترفية المبتذل ثم نقل مخيلة المنتج أو المؤلف والمخرج "بوصفها الحقيقة التى لا تقبل جدلاً" دون المرور بالتنوير والإرشاد.

لقد غاص الفن المصرى فى متناقضين أساسيين إما الإفراط فى "التعرى" و"الجنس" و"الخيانة" تحت دعوى"الحب " و" الشباب"و"الحرية" أو الإفراط فى"القتل" تحت "دعوى" الواقع" و"المخدرات" و"العشوائيات"  والمؤسف ان لا هذا ولا ذاك يعبر عن المجتمع المصرى.

ربما قد تكون السينما التجارية استطاعت أن تقنع قطاعا من الشباب "فاقد الهوية" لتقليدها ولكن سرعان ما يدرك هؤلاء الشباب انهم وقعوا ضحية لفن ساقط جعلوا منه مرجعيتهم ولم يفيقوا إلا مع الاصطدام بقسوة الواقع ومغايرته لخيال الافلام وهنا يجب التنويه إلى أن هذا القطاع يمثل نسبة ضئيلة للغاية من الشباب المصرى الذى تكويه نار الفقر والبطالة.

قناة "براعم" القطرية

كما استطاعت قناة "الجزيرة" القطرية أن تصبح منبرا عربيا مميزا يقف فى صف المقاومة العربية فى العراق وفلسطين ولبنان وحتى الصومال وهى المقاومة التى خذلتها معظم النظم الرسمية , استطاعت قناة"براعم" القطرية أيضاً أن تجمع أطفال العرب حولها لتقول أن هناك من مايزال يقاوم تغريب النشء والعبث بثقافتهم العربية .

لقد تمكنت تلك القناة بحق أن تؤكد للجميع أن اللغة العربية الفصحى هى أم اللغات وأكثرها جمالا وإبداعا.

وأفضلها تعبيرا وأسلسها نطقا وكتابة عبر برامج مدروسة بعناية شديدة تربط ماضى الطفل بحاضره ومستقبله وتجعل من مهمة تثقيفه أمراً يسيراً بحيث تخلق منه شاباً عربياً صالحاً.

****

الأسبوع   7 يونيو 2010

القدرة وحسن الطالع

أجدني رغم ما يحيط بنا من أحزان قومية اعتدناها جراء مذابح ‘الحريات’ التي ترتكب ضدنا صباح مساء والتي لن يكون آخرها مذبحة قافلة الحرية علي يد الصهيونية الفاشية، أجدني أميل إلي عدم خوضها لأن الجميع قد تحدث فيها وانتحي بقلمي جانباً للحديث في أشياء بعيدة قد لا يبدو للوهلة الأولي الحديث فيها مستساغاً في تلك الأوقات..

 وعلة هذا الميل يرجع إلي أن أقلام الوطن كثيرة وأقلام الإنسانية أكثر ورب كثرة أفقدت الكلمات وحيها فباعدت بين لفظة ‘الجرح’ وآلام ‘المجروح’ وبين مفردة ‘الموت’ وبين ‘رهبته’ وآلام اليتامي، هنا وجدت نفسي أنأي عن تكرار ما ردده غيري وهو واجب عليَّ وعليهم وأدلف للحديث عن ‘الطالع والقدرة’ ولعل..

مسألة ‘الطالع’ توحي أول ما توحي بأن من يؤمن بها أو حتي يرددها هو شخص غيبي ينكر قدرة العقل ويفضل إلقاء اللوم علي المجهول في كل فشل.

وفي الحقيقة، وبقراءة ولو سريعة في التاريخ قد يتأكد لنا أن لـ’الطالع’ دوراً كبيراً في رسم خريطة العالم.

ويرصد نيقولا ميكافيللي - في كتابه الأمير - قصصاً كثيرة لفشل أو نجاح كان لسوء أو حسن الطالع، الدور الأساسي فيها إلا أن ميكافيللي الذي عاني هو نفسه من حسن وسوء الطالع يؤكد أنه لا جدوي للطالع دون القدرة، كما أنه لا جدوي للقدرة والذكاء دون توافر حسن الطالع.

ويضرب ميكافيللي لنا الأمثال عن صانع الفخار الذي تحول بفعل حسن الطالع في ليلة وضحاها إلي أمير للبلاد، حينما هاجم الأعداء إمارته وقتلوا الأمير ورجاله جميعاً وبعد نهب ثرواتها عادوا أدراجهم، هنا وجد البسطاء أن صانع الفخار هو أكثر السكان شهرة فنصبوه أميراً خاصة لما يمتاز به من قوة وبسطة في الجسم وحكمة في التصرفات.

هنا اختلط حسن الطالع بالنسبة لصانع الفخار وليس شعبه، مع القدرة وهي التي جعلت هذا الرجل من أشهر أمراء إيطاليا القديمة ودام حكمه وحكم أسرته بضعة قرون.

وعلي النقيض يضرب ميكافيللي مثلاً بالأمير الحازم الذي أوتيت له كل إمكانات الدوام والبقاء إلا حسن الطالع فهزم في معركة كان يجب أن ينتصر فيها ولو بربع جيشه، رغم ما عرف عنه من دهاء.

ويقول ميكافيللي إن قدرة بدون حسن طالع تعني فشلاً وإن حسن طالع مع نصف قدرة يعني انتصاراً.

وتأكيداً لهذه الرؤية يؤكد أحمد ميشيل عفلق أنه لا يستطيع أن يصدق أن هذه الأجيال العربية المتعاقبة لم تنتج لنا سوي ابن سينا وابن النفيس والخوارزمي وغيرهم ويشير إلي أن الحياة فرن جبارة احترقت بداخلها ملايين العبقريات والإبداعات وحرمت عالمنا العربي من ثمارهم، وأنه متي هيأنا للمواطن العربي عيشة رغدة جنبنا انصراف جهده إلي تلبية حاجات بيولوجية تحول دونه والإبداع.

ويقصد عفلق أنه ليس بالتأكيد أفضل كتابنا وعلمائنا من هم يطفون علي السطح الآن وأنه لولا سوء الطالع لكان بيننا بدلاً من أحمد زويل ويحيي المشد أو فاروق الباز الآلاف أمثالهم فقط لو تهيأ لهم حسن الطالع من خلال إمكانية في التعليم وتوفير لقمة عيش سهلة وموضوعية في التعيين والتدرج الوظيفي ومناخ عام يساعد علي الإبداع.

وفي التاريخ العربي يلعب حسن الطالع دور الأسد علي مسرح الأحداث، فها هو قطز يفر من آسيا ويباع في سوق العبيد ويرسو به المطاف إلي مصر فيهئ له حسن الطالع كاملاً للقيادة ويصير هذا الفتي المطارد من قبل المغول أميراً للبلاد فيلتحم حسن الطالع مع القدرة ويحقق النصر التاريخي علي المغول في بلد كان يصحو فيه الشعب كل يوم تقريباً علي صليل سيوف الانقلاب والانقلابيين.

وها هو محمد علي الجندي الألباني حاكماً لمصر بعد ثورة شعبية عزيزة في التاريخ المصري، حيث هيأت الظروف السيئة الثورة للمصريين ضد الوالي العثماني خورشيد باشا الذي فر دون قتال ولم يعد رغم أنه كان قادراً علي طلب النجدة فقام المصريون العازفون عن لعبة كراسي الحكم بتقديم محمد علي والياً للبلاد وهم يقصدون جعله قرباناً لغضب الخليفة العثماني إلا أن محمد علي صنع أعظم امبراطورية عرفتها مصر ودام حكم أسرته نحو القرن ونصف القرن وسار مؤسس مصر الحديثة.

وحتي في تأسيس الجيش المصري الحديث قصة عجيبة فالكولونيل ‘سيف’ وهو جندي من جنود نابليون المنهزم عز عليه أن يصير فلاحاً وقاده الشوق إلي حياة الحربية وتنامي إلي مسامعه أن بلاد فارس تؤسس جيشاً حديثاً من المرتزقة فقصد الالتحاق بهذا الجيش ولكن توقفت السفينة التي تقله قبالة سواحل الاسكندرية لعدة أيام، فراح يعرض نفسه علي حاكم الاسكندرية الذي أرسله إلي محمد علي بالقاهرة والذي قام بدعوته لتأسيس الجيش المصري ويكون وزيراً له.

وفي ثورة يوليو المجيدة 1952 يؤكد الضباط الأحرار أنه لو كانوا قد تأخروا يوماً واحداً عن يوم 23 يوليو لكانوا قد أعدموا في المقاصل الملكية بعد افتضاح أمرهم.

وحتي بعد الثورة ما كان للرئيس السادات أن يتصور وهو يعمل ‘حامل أمتعة’ في محطة قطار نجع حمادي في حيلة للتخفي من البوليس السياسي الملكي أن يصير بعد نحو 20 عاماً حاكماً للبلاد.

وحتي الرئيس مبارك ما كان يتصور حينما كان ضابطاً في الكلية الحربية أن يحكم هذه البلاد لولا دوره في حرب أكتوبر.

نعم هناك حسن للطالع ولكن لابد أن يقترن بالقدرة.. فقدرة كبيرة وحسن للطالع تعني خلق زعيم كبير وهو ما حدث مع سايس الخيول خروشوف الذي تحول إلي زعيم للاتحاد السوفيتي أحد قطبي العالم وقواه الضاربة.

نحن لا ننفي القدرة ولكن قدرة بمفردها لا يمكن أن تنجح لولا حسن الطالع الذي هو بالتأكيد التوفيق الرباني، والخلاصة أن حسن الطالع والقدرة التي هيأت للكيان الصهيوني البغيض الولادة في عام 1948 آخذة في الاندثار وأن أياماً مقبلة سيئة الطالع تواجهه ولن تغني عنه قدرته .

****

محيط 25 يونيو 2011

عن منطق الاستبداد فى عالمنا العربى

فى كتابه الأشهر "الأمير" عرض نيقولا ميكافيللى على أميره أمير "فلورنسا" الذى كان يتأهب لغزو إحدى الإمارات المجاورة له- فى سعيه لتوحيد واستعادة أمجاد الإمبراطورية الرومانية الممزقة- ثلاثة أساليب لغزو تلك الإمارة أولها أن يذهب الأمير بنفسه على رأس جيشه لغزوها ولكن نصحه هنا بتجنب هذا الخيار لأنه قد يفقد إمارته الأصلية بعد تغيبه فيستقل "النبلاء" بها.

وثانيها أن يجرد جيشا لغزو تلك الإمارة وهنا حذره من أن يستقل قائد الجيش بالإمارة الجديدة ويكون كمن استبدل خصما بخصم.

وثالثها أن يجرد الأمير جزءا من جيشه ويبقى على الجزء الآخر فى إمارته الأصلية ثم يتوجه لغزو تلك الإمارة الجديدة ويقوم هناك بالتنكيل بوجهاء القوم "على طريقة اضرب المربوط " ويختار شخصا ينتمى لأحط العائلات من تلك الإمارة وأكثرها سفها وإجراما وأقلها عدداً وينصبه أميرا على تلك الإمارة ثم ينسحب بقواته بعد ذلك , وقال له "ميكافيللى " إن الأمير الذى ستنصبه سيكون أكثر ولاء لك من أى من جنودك الأوفياء وأنه سيقمع شعب إمارته أكثر من القمع الذى كان من الممكن ان تلحقه جيوشك بهم كما أنه دائما سيعتبر شعبه عدواً له بينما سيعتبرك الصديق الصدوق وسيرسل لك كل خيرات إمارته دون حرب أو عناء.

ويقول عبد الرحمن الكواكبى فى "طبائع الاستبداد" إن الحاكم المستبد يسعى دائما لتجهيل شعبه وتغييب وعيه وذلك لأن وجود الشعب الواعى يعنى فى المقابل مزيدا من القلاقل أو الثورات على الاستبداد, كما أن الحاكم المستبد يسعى لربط الشعب به وبنظامه , بحيث تتدخل الدولة فى كل صغيرة وكبيرة لحياة الفرد , الأمر الذى سيصيب الإرادة الفردية أو حتى الجمعية للشعب بالترهل والعطب , ومن ثم يقاس مدى شقاء الإنسان أو سعادته وتلبيته لحاجته الطبيعية بمدى قربه أو بعده من الحاكم.

واتفق "الكواكبي" مع "ميكافيللى" فى أن الحاكم المستبد يجيد اختلاق الأزمات التى تشعر الناس بالخوف والقلق من المستقبل والواقع معا , ومن ثم يهرولون إليه طلباً للحماية وهنا يقوم باحتضانهم مقنعا إياهم بأنه يصنع معجزة يومية من أجل حمايتهم والإبقاء على حياتهم.

كما أن الحاكم المستبد لا يجب أن يكون سخيا على شعبه بشدة ولا مقتراً بشدة ولكنه فقط يعطيهم "كسرة" من خبز رغم أنه يستطيع منحهم رغيف الخبز كله , وذلك لأن الشعب الجائع بشدة سيكون أمامه طريقان إما الثورة أو أن يسلك مسلك التجريب "الحاجة أم الاختراع " فينجح , وبالتالى يخرج من حظيرة هذا الحاكم المستبد , وكلاهما خطر , كما أن السخاء الذى يشبع الشعب سيقوده إلى أمرين إما أن ينصرف الى العمل السياسى بعدما تمت تلبية حاجاته البيولوجية أو ينصرف عن الحاكم ولا ينفذ أوامره , كما أن السخاء الشديد قد يفقد الحاكم ثروته عملا بمبدأ "خذ من التل يختل" ويصبح بعد فترة ليس لديه ما يقدمه للشعب فيثور عليه.

والحاكم المستبد يعادى العلم ويخرب المنطق ويقتل الطموح لدى شعبه , فيقوم بمعاقبة المثقف ويكافىء الجاهل و السطحى و التافه, يعلى من قيمة لاعب كرة القدم و"المشخصاتى" وكل عمل لا ينتج جديدا - بحسب زماننا - ويحط من شأن العالم والمخترع والصانع والزارع والمدرس والدارس والطبيب والمهندس , بل إنه يعلى من قيمة العمل التافه فى كل تخصص ويقتل الإبداع والمبدعين لأنه يريدها أرضاً جرداء حيث يمكن أن تنمو الطفيليات .

وذكر لى صديق بالغ الاطلاع والثقافة أن إحصاءً أممياً أصدرته منظمة العلوم والثقافة العالمية – لم يتسن لى التأكد منه-  أكد أن نسبة الأمية السياسية فى مصر تصل إلى 94.7% .

والحاكم المستبد يمتاز أيضا بالقسوة المفرطة فى حين , واللين المفرط فى حين آخر , وينصح "ميكافيللى" أميره بأن يستخدم القوة المفرطة ضد أعدائه بحيث إنه ينتقم منهم انتقاما يغنيه عن خشية انتقامهم فى أى وقت لاحق , بل ويجعل منهم عبرة لمن يعتبر , كما أنه يجب أن يبدو لينا ودوداً ويتقلد وشاح الإنسانية طالما كان الأمر فيه أمراً إنسانياً لأشخاص لا يكنون عداء له .

فى الحقيقة إن "ميكافيللى" رسم منذ عدة قرون خارطة طريق للاستبداد اقتدى بها كل التبع الطالح من بعده , رغم أنه لم يكن شريرا قط بل كان وطنيا قوميا عاشقا لبلاده كما لم يكن عاشق من قبل , بدليل أنه وجد ميتا وحيدا عن عمر 33 عاما بسبب الجوع والبرد , بعدما كان سفيرا نابغا لبلاده فى سن التاسعة عشرة , ولم يكن يدرى أن نصائحه تلك ستصير مرجعا أساسيا لكل نظم الحكم فى العالم من بعده, وأن أول من المستفيدين منها هم أعداء بلاده, وأنها أتعست فيمن أتعست بلداننا العربية وشعوبنا فوجدنا حكاما على شاكلة "مبارك مصر" و"زين عابدين تونس" وغيرهم كثيرين فى الممالك والإمارات والجمهوريات العربية يطبقونها باستخدام القلم والمسطرة , فصرنا أمة مستعمرة بدون جيوش للأعداء , فقيرة رغم أن جبالها تنضح بالنفط والمعادن , جاهلة ونحن امة أوصى دينها أول ما أوصى بالقراءة , أمة خائفة مرتعدة جبانة ونحن فينا حمزة والمعتصم وعنترة وشمشون وغيرهم وأدبيات ثقافتنا تحض على الشهامة والشجاعة والإباء , أمة تجمع بين كل مقومات الوحدة ولكن ممزقة إلى حد التهتك.


الفصل الرابع

هموم الوطن

 

شبكة الرافدين 5 مايو 2009

عن التعليم وسياسة التقليم

لو تحدثنا عن التطور فبادئ لا يمكننا إلا أن نتحدث عن التعليم ..ولا يمكننا أيضا- مرضاة للضمير وكتعبير عن الصدق - إلا أن نقول إنه لا يمكن أن تتقدم أمة من الأمم دون أن تمتلك منظومة تعليمية سليمة تراعي أول ما تراعي ربط حاضر الإنسان بماضيه وذلك علي اعتبار أن فهم واستنهاض الماضي هو دراسة مكثفة لاستدراك المستقبل.

والحقيقة أجد سوء فهم واضحاً يعتري ذكاء القائمين علي التخطيط لرسم تلك المنظومة في عالمنا العربي عامة وفي مصر بشكل خاص لدرجة تشكك في صحة وجود هؤلاء المخططين أو تلك المنظومة فى الأساس وإلا فان لم يكن هذا الشك سليما لكانت الكارثة وخرج الأمر من طور التعليم إلى طور الخيانة. فقد يجد هذا المسئول أو ذاك نفسه يمارس -بكل فخر-عملية خلع الأردية والتعري من كل ما يستر أمام العيان ويروح يتهجم على كل ما له صلة بالماضي متشدقا بمصطلحات هو ذاته لا يدرك معناها من قبيل التحديث والتطوير والتنوير والانفتاح على العالم ,وبالطبع تنعكس تلك الرؤية المشوشة على مناهج التعليم التى أعطى - بكل أسف - مفاتيح إقرارها,فنكتشف أنها باهتة فلا هى استنهضت الماضي الذى لا نملك سواه ولا استشرفت المستقبل الذى نجهله ولا حتى استطاعت أن تكشف غبن الواقع الذى نعيشه فننتصر عليه. ويعتقد هذا المسئول او ذاك انه كلما أهدر التاريخ أو زيفه أو سخر منه فهو بذلك ينتصر على "العفن"وانه كلما تحرر من ثقافته العربية صار بذلك رجلا غربيا متطورا ينتقل بأجيال بلاده الى المدنية.

إنها حالة من جلد الذات والشعور بالدونية,وإلا فبماذا نعلل انتشار المدارس الأجنبية والخاصة والتجريبية فى طول البلاد وعرضها وهى جميعها يتم التدريس فيها للنشء بدءاً من رياض الأطفال باللغات الأجنبية بل ان مناهج اللغة العربية والدين والتاريخ لا تدرس فى بعضها أساسا ولو درست يتم التعامل معها كما كان -وربما مازال- يتعامل جيلنا مع حصة الألعاب بحيث لا يحضرها أحد ولا يحاسب على التقصير فيها لا المدرس ولا الطالب بل ربما تمت مكافأة الناظر.

لقد أنتجت الرؤية المشوشة والمنظومة المعدومة تلك جيلاً أقل ما يوصف به أنه "مسخ" فلا هو أوروبي ولا عربى , ولا هو متعلم ولا جاهل , ولا هو يعرف من أين هو آت ولا الى أين هو ذاهب ولا حتى يعرف عدوا ولا حبيبا بل هو شخص يحمل شهادة الإعدادية منذ نحو 30 عاما مضت يمتلك وعيا وثقافة وعلما افضل من حامل لشهادة الدكتوراه هذه الأيام.

أنتجت جيلا أميا يحمل "اغلي"الشهادات وأعلاها وأقل الثقافات والعلوم وأدناها وبرغم ذلك ستجده جيلا لا يكاد يستطيع القراءة والكتابة لا بالعربية ولا بالإنجليزية ولا حتى بالصينية, وأنا استطيع وبكل ثقة أن أجزم بأن اختبارا فى القراءة والكتابة - بأية لغة من اللغات-كفيل لأن يعيد معظم خريجى الجامعات المصرية الآن إلى المراحل الابتدائية مجدداً .

وأنا واثق أننا سنجد من بيننا من يدافع-بحسن نية-عن التوسع فى تعليم اللغات الأجنبية بذات الحجج التى قد يسوقها المغرضون من ضرورة الانفتاح على العالم واللحاق بعلوم العرب بلغتهم فضلاً عن أنه من تعلم لغة قوم أمن مكرهم وللرد على هذه الادعاءات وما شابهها.

أنا اعتقد انه لم ولن تحول اللغة العربية بتعدد مفرداتها وعمق دلالاتها دون النهضة والتطور بدليل ان عمليات تعريب العلوم التى انتهجتها الحكومة المصرية فى عهد عبد الناصر وعراق صدام حسين - ومازالت تنتهجها سوريا - هى التى خرّجت للعالم فاروق الباز وأحمد زويل ومجدى يعقوب ومحمد النشائى ويحيي المشد وغيرهم من علماء كما أنها هى التى خطت للعراق سجلا حافلا من العلماء فى شتى العلوم جعلت العالم الغربى يعيش حالة قلق شديد من ذلك النمو المذهل الذى اعتبرته أنه يشكل خطرا تنافسيا عليها وكان ذلك احد الأسباب التى قادتها لغزو العراق.

إذن, فالعربية ليست ضد التحديث كما أنه ليس المطلوب من المواطن العربى أن يصير شخصا غربيا حتى يتمكن من اللحاق بركب المعرفة والعلوم ولكن الأكثر منطقية أن تتحول العلوم نفسها إلى العربية ونفعل كما فعلت أمم كثيرة من قبلنا مثل الصين واليابان وروسيا وربما إيران حينما نقلت كافة العلوم إلى لغتها وطورتها بما يخدم ثقافتها دون خلع للأردية وسلخ للذات. كما أن القول"بأمن المكر"يحمل قدراً كبيراً من الإضحاك ما لم يكن السخرية فى حالتنا تلك لأننا بذلك سنشبه المخبر السري الذي جاء فى تقرير أعماله أنه كان ابرز أعضاء العصابة وقدم لها ما كان مستحيلا أن تنجزه.

وبعيداً عن مسألة المحتوى هناك أيضا فشل ذريع فى تمام سلامة الشكل التعليمى بحيث أفقدت العملية التعليمية محتواها فساوت بين مجتهد وغير مجتهد عبر نماذج التعليم المتعددة كالتعليم العالى المفتوح والانتساب والجامعات الخاصة وجميعها - بحسب اعتقادي - صور مقنعة لبيع وشراء الشهادات التعليمية دون استفادة تعليمية حقيقية للدارسين.

وتنتشر عبر الانترنت محادثات ربما كان أشهرها تلك المحادثة الهاتفية التى دارت بين أستاذ جامعى وأحد الطلبة الخليجيين فى القاهرة حيث جرى التعاقد على صفقة الشهادة مقابل الدولارات وحينما سألت بعضا من الطلبة الدارسين فى الجامعات أكدوا جميعا أن الشهادات تباع وتشترى مثلها مثل السيارات وقطع الأثاث.

بل إن المدارس الحكومية وهى قليلة عددا مقارنة بالمدارس الخاصة التى تمتص دماء الناس سنجد أن عملية التعليم فيها تمتاز بفوضوية خاصة تحولها – أى تلك المدارس – إلى أوكار للبلطجة والإدمان والرذيلة وكل ما ليس له علاقة "بالتربية " والتعليم.

قد يكون الأمر فيه قدر من المبالغة ولكنه بالتأكيد لا يخلو من الصحة , هذه هى الحقيقة.

إن فساداً رهيباً اعترى العملية التعليمية فى مصر فى الشكل والمضمون جعلها لا تؤتى إلا ثمارا مُرة .. فاقدة للولاء والانتماء والأخلاق بعدما تحولت هذه العملية من عملية "تعليم" إلى عملية "تقليم" من كل مواطن النبوغ والجمال والإبداع والوطنية.,

*****

الشروق 30اكتوبر 2008

تدمير نقابة الصحفيين المصريين

تشهد نقابة الصحفيين المصريين الآن حالة متعمدة على ما اعتقد من الهدم والتدمير وهو الأمر الذى كنت قد حذرت منه فى موضوعات سابقة منذ نحو عام .

وقد تسببت لجنة القيد فى  إفساد دور النقابة وتحويلها إلى ملجأ للهاربين من طابور البطالة الذى يغتال الشباب المصرى وذلك عبر قيامها بقبول عضوية نحو الألفين خلال العامين الأخيرين فقط الذى هو عمر المجلس الحالى برئاسة مكرم محمد احمد رغم أن تلك النقابة ظلت طيلة نحو نصف قرن لم يزد عدد أعضائها عن 5 آلاف صحفى!!!

نحن لسنا ضد توسيع باب العضوية ولكن المشكلة ان الأعضاء الجدد يتسمون إلا فيما ندر بالجهل المبرح والمخز والذى لا يتفق بتاتا مع الصفات الواجب توافرها فى الصحفى من خبرة وثقافة ووعى وموقف.

ولك أن تتصور أن العديدين من هؤلاء الأعضاء  الجدد لا يجيدون القراءة والكتابة  ومعظمهم من حملة شهادات الجامعات المفتوحة - هؤلاء الذين اجتازوا الثانوية العامة بأعجوبة وبمجموع لا يزيد كثيرا عن الـ 50% - وهو الأمر الذى لا يؤهل معظمهم للقراءة والكتابة أصلاً فضلا عن ضعف خبرتهم فى العمل الصحفى.

ولا أخفى عليكم اننى تعاملت بصفة شخصية مع عدد من هؤلاء الجدد فى الصحف المختلفة عبر عملى فى الديسك المركزى فوجدت منهم من يكتب كلمة دعارة مثلا (ضعارة) ويكتب (قال له) (ألوه) ويكتب(ولكن) (ولاكن) و(منذو) فضلا عن النفى باستخدام حرف الشين مثل قالش وراحش واقسم بالله أننى تعاملت مع إحدى هؤلاء الاعضاء الجدد فوجدتها تكتب موضوعاتها بالكامل عبر استخدام هذا الأسلوب بالإضافة الى ضعف مخز فى التعبير ولك أن تتخيل هذه العبارة(مجاش محمد عشان الراجل ادالوش وشه والو ميروحش النأبة تانى) وتقصد( محمد لم يأتى لأن الرجل اعرض عنه وقال له لا تذهب للنقابة مرة اخرى) الغريبة اننى اكتشفت أن هذه الزميلة المستجدة تحمل درجة الماجستير فى الإعلام وهى فى سبيلها للحصول على درجة الدكتوراه وأخذت أتساءل ترى إذا كانت هذه الشخصية هى المعلمة فكيف سيصير تلاميذها ..ولكن للجمال أحكام .. إننا بحاجة حقيقية لإنقاذ منظومة التعليم ككل فى هذا البلد الذى تعرض للانهيار بالفعل.

الأمر والأدهى أن هذا الشخصية تعد أفضل حالا من نماذج صحفية أخرى لا تستطيع الكتابة والقراءة بتاتا واقسم بالله اننى تعاملت فى إحدى الصحف مع عدد كبير من صحفييها ممن لا يستطيعون الكتابة مطلقا ولكن الواحد منهم يقوم بقص المعلومة لى بصفتى عضواً فى الديسك المركزى لكى أقوم بكتابتها صحفيا وهو الأمر الذى اندهشت منه فى البداية لكننى اعتدت عليه بعد ذلك واعتبرته بداية للصحافة( البقيقى) لدرجة اننى اقترحت مازحا أن يتم توزيع شريط كاسيت مع النسخة الورقية للصحيفة يحكى خلال الصحفى الخبر صوتيا.

وأظننى ترحمت  وترحم غيرى على ايام كان فيها أعضاء هذه النقابة رجالاً شوامخ  يحملون أفكاراً أنارت طريق مصر أمثال  محمد حسنين هيكل وزكريا الحجاوى وسلامة احمد سلامة وجلال عارف وغيرهم أما الآن فانا اقترح أن يتم إنشاء كتاب يتم فيه تعليم منتسبى هذه المهنة من المستجدين القراءة والكتابة  وان يتم غرس قيم الولاء والرغبة فى التثقف فيهم!!!!!!

ولا أخفيكم سرا أن هناك صحفاً مستقلة تقوم بتعيين رجال الإعلانات والإداريين والعاطلين مقابل مبالغ مادية تحصل عليها إدارتها نظير إلحاقهم بنقابة الصحفيين وممارسة عمليات النصب والابتزاز مما يدر عليهم أرباحاً مهولة تجعلهم يعوضون ما دفعوه فى اشهر معدودات ويبقى لهم بعد ذلك بدل التكنولوجيا وخدمات النقابة التى باتت جراء هذه الممارسات هزيلة جدا.

فى حين تقوم صحف أخرى - وهى فى الواقع معظم الصحف المستقلة والقليل من صحف الأحزاب الوهمية - بإجبار منتسبيها على تحرير استقالات مبكرة قبل قيامها بتثبيتهم والتأمين عليهم وتسخيرهم للعمل لديها بدون اجر لمدة سنتين أو ثلاث نظير إعطائهم فرصة الالتحاق بالنقابة وبعد ذلك تتركهم ليزيدوا من معاناة النقابة المريضة أصلاً .

إن جدول القيد هو البوابة الرئيسية لتدمير هذه المهنة وإذا لم يهب الصحفيون المخلصون لنجدتها سنجد تلك النقابة وكراً للباعة الجائلين والجاهلين.

*****

5 يناير 2009

مأساة الصحافة المصرية

كنت قد كتبت فى مقال سابق عن مخطط لتدمير نقابة الصحفيين المصريين وتشويه سمعتها عبر جدول القيد ومن خلال ضم عدد لا بأس به من أدعياء الصحافة وقد لاقى هذا المقال صدىً واسعاً فى الأوساط المهنية  وحازت المعلومات التى تضمنها  اهتمام أساتذة أجلاء من شوامخ الصحافة المصرية خاصة والعربية عامة

وقد فتح هذا الاهتمام شهيتى لإفراغ جزء آخر من شحنة المعلومات التى بداخلى والتى منها أن عدد كبير من الصحف لاسيما المستقلة والحزبية وعدد آخر اقل من الصحف الحكومية المسماة مجازا بالقومية تعمد إلى إذلال الصحفى وإهدار كرامته قبل أن يلتحق بهذه المهنة .

ولن أكون مبالغا إذا قلت ان المعايير التى يتم تعيين الصحفيين على أساسها فى معظم الصحف المستقلة لن تخرج عن ثلاثة معايير فإما أن يكون هذا الصحفى يحمل توصية من رئيس مجلس إدارة إحدى الشركات المعلنة فى هذه الصحيفة أو أن يكون حاملا توصية من جهة أمنية أو أن يكون قريبا لرئيس التحرير أو حتى يحظى باستحسانه وقد يحدث فى أحيان نادرة أن يتم تعيين الصحفى على أساس الكفاءة والمثابرة .

فيما أن التعيين فى الصحف الحكومية لابد أن يرفق بتوصية أمنية وعادة ما يكون الصحفى قريبا للمسئول الذى قام بتعيينه وهناك وقائع عديدة تم فيها استدعاء هذا الشخص من بيته لتعيينه صحفيا رغم عدم خبرته بهذه المهنة ورغم وجود طوابير من الصحفيين الجادين فى قائمة انتظار التعيين لمدد تزيد عن العشر سنوات .

المشكلة أن الصحفيين الذين تم تعيينهم على أى من الأسس الثلاثة السابقة عادة ما تكون خبراتهم فى غاية الضحالة وكما قلت من قبل بأن معظمهم لا يجيد القراءة والكتابة إلا أن الأمر والأدهى من ذلك أن هؤلاء الصحفيين - إن جاز وصفهم بهذا اللقب-يتسيدون الموقف ويعتلون ارفع المناصب فى هذه الصحف بينما يظل ذوو الكفاءة فى الحضيض ماديا ونفسيا .

وتعمد بعض الصحف الحزبية والخاصة المسماة جهلا بالمستقلة على أن يوقع الصحفى على استمارة استقالته كشرط لتعيينه وإلحاقه بنقابة الصحفيين وليس ذلك فحسب بل أن بعض هذه الصحف تقوم بجانب ذلك بإلزام الصحفى بالتوقيع على إقرار يفيد بأنه مسئول مسئولية كاملة عن كافة أثاثات المؤسسة مع تحريره إيصال أمانة على بياض  وذلك فى محاولة لإجباره على التزام الصمت بعد تعيينه وعدم اللجوء للشكوى!! .

وأنا أتحدى أن تقوم صحيفة خاصة عدا صحيفة كالشروق أن توافق على منح الصحفى فيها خطاب بمفردات راتبه وهناك قصص فى هذا الشأن لا داعى لذكرها!!

وعن موضوع الرواتب فحدث ولا حرج فمعظم صحفيى الصحف المستقلة لا يتجاوز راتب الصحفى فيها 300 جنيه بل أن هناك صحفاً منها لا تمنح الصحفى أكثر من 100 جنيه او تقوم بإجباره على العمل بدون اجر لفترة طويلة مقابل عضويته لنقابة الصحفيين .. وهناك صحيفة أخرى تمنح الصحفى مبلغ 5 جنيهات عن الخبر و20 عن التحقيق و50 عن السبق الصحفى وهنا يجد الصحفى نفسه لا يتقاضى فى نهاية الشهر سوى 50 جنيهاً فى حين يشترط رئيس التحرير على الصحفى أن يقوم بجلب إعلانات إلى الصحيفة كشرط لكتابة اسمه على الموضوعات التى يكتبها مما يضطره لأن يجامل هذا ويبتز ذاك مقابل اجر وهو ما تغض إدارة الصحيفة نظرها عنه بما يحمل " عقد ضمنى " بين الصحفى والصحيفة.

فضلا عن هذه الأمور التى صارت من المسلمات فى هذه المهنة فان هناك ظاهرة جديدة تعترى الصحف المصرية وهى أنه صار فى قطاع كبير منها صحافة انترنت حيث تتوقف مهمة الصحفى فيها عند مهمة القص واللصق من المواقع الاليكترونية وشكرا.

أما أم الكوارث فهى الصحف الأجنبية العاملة فى مصر والتى تجاوزت نحو 550 صحيفة فمعظم أصحابها لا علاقة لهم بالصحافة لا من قريب ولا من بعيد ولكنهم يمارسون المهنة من باب الاسترزاق لا أكثر ولا اقل ويقومون بدور المشهلاتية مقابل اجر عبر خداعهم للناس بصلاتهم القوية بالمسئولين الحكوميين  ويقومون بإيهامهم بأنهم أعضاء مؤثرون فى نقابة الصحفيين بما يحملونه من كارنيه نقابة العاملين بالصحافة والطباعة الذى وصل سعره الآن إلى 400 جنيه وصار يحمله السباك والكهربائى والنقاش وقد حدث معى شخصيا أن قال لى السباك الذى أحضرته لترميم شبكة الصرف فى منزلى بأنه صحفى مثلى مثله واخرج من جيبه كارنيه نقابة العامة للعاملين بالصحافة عن ترخيص يسمى أبو الهول وأخبرنى انه اشتراه ب400 جنيه مما دعانى لكتابة مذكرة الى نقابة الصحفيين بذلك ولا اعرف ماذا حدث ولعل تلك الواقعة دفعت بعض أصحاب هذه التراخيص للمتاجرة بعضوية النقابة العامة .

وأتذكر أننى قمت بكتابة مذكرة فى احد هؤلاء الأدعياء حيث انه تصادف أثناء وقوفه فى ميدان عبد المنعم رياض بوسط القاهرة أن التقى بعجوز صينى ينطق العربية بالكاد كان يبحث عن مطعم لتناول طعامه فاحضره هذا الدعى إلى كافتيريا نقابة الصحفيين بعدما اخبره بأنه صحفى بل رئيس تحرير وقام الصينى بطلب الطعام لنفسه فإذا بالدعى يقوم بطلب وجبه أخرى له وطلب من العاملين فى المطعم أن يقوموا بمحاسبة الصينى عليها ولما فرغ العجوز الصينى من تناول طعامه طلب منه أن يمنحه 50 جنيها على سبيل أتعاب إرشاده إلى مطعم النقابة .

بل أن هذا الدعى قام بالذهاب إلى مطعم " أبو طارق " الشهير بشارع شامبليون والمتخصص فى تقديم أشهى وجبات الكشرى وطلب من مدير المحل أن ينشر عنده إعلانا بـ 500 جنيه فنهره الرجل .

ولكن لم تمر أيام حتى فوجىء مدير المحل بهذا الدعى يحضر إليه ومعه صحيفة نشر فيها إعلاناً عن المطعم ولما رفض أن يدفع له اتفق معه أن يمر عليه كل يوم خميس لمدة شهر لتناول وجبة كشرى !!

هذا هو حال الصحافة والصحفيين فما رأيكم .. أراح الله بالكم .

*****

15 ديسمبر 2009

 قدر المقاومة فى انتخابات الصحفيين المصريين

" يكفينا شرف المحاولة .. كنا شباب بيحارب دولة " شعار هتف به شباب تيار التغيير فى نقابة الصحفيين المصرية بعدما أعلنت اللجنة القضائية المشرفة على الانتخابات فوز مرشح الحكومة فى جولة الإعادة الأستاذ مكرم محمد أحمد بفارق 825 صوتا حاصلاً على 2386 صوتا ( 1496 صوتا فى الجولة الأولى ) على منافسه الدكتور ضياء رشوان الذى حصل على 1561 صوتا (1464 صوتا فى الجولة الأولى بفارق 39 صوتا فقط ) .

لقد كانت معركة انتخابات الإعادة فى نقابة الصحفيين فى الثالث عشر من ديسمبر الحالى ملحمة نضالية بحق تفخر بها كل القوى الوطنية فى الجماعة الصحفية المصرية معلنة أن تيار التغيير الذى يضم بين فئاته كافة التيارات الفكرية من قوميين وناصريين ويسار وإخوان مسلمين وشيوعيين وحركة كفاية وليبراليين وغير منتمين قادر على أن يحقق المعجزة وأن ينجز إرادة التغيير بطريقة سلمية.

الأمر الذى أدهش الجميع أن شباب تيار التغيير أستطاع وبكل بسالة الوقوف بشدة وصلابة أمام كل إغراءات الحكومة وحزبها الحاكم ، فالحكومة قامت بفتح خزائنها على مصراعيها أمام مرشحها يهب من يشاء ما شاء وكيفما شاء وبالطريقة التى يرتضيها وسخرت أجهزتها الأمنية والإعلامية والصحفية الضخمة لخدمة مرشحها ووضعت رؤساء مجالس إدارة وتحرير صحفها القومية فى موضع لا يحسدون عليه حينما رهنت بقاءهم فى مناصبهم بإسقاط مرشح التيار فراحوا جميعا يتبارون فى استدعاء محررى صحفهم من كل بقاع الدنيا على نفقة مؤسساتهم لدرجة جعلت تكلفة صوت الواحد منهم يصل إلى عشرة آلاف جنيه فضلا عن قيامها بإلغاء جميع الأجازات وإخراج المحررين بالأمر المباشر من مؤسساتهم للتوجه إلى صناديق الاقتراع بالنقابة مع الاسراف فى منح المميزات المادية والعينية والأدبية للمؤيدين لتوجهها الانتخابى مقابل الإرهاب والترهيب الذى مورس ضد المعارضين.

واستمر هذا السفه لدرجة أن بعض تلك المؤسسات قدم القائمون عليها اقتراحا للجنة القضائية بالسماح لمحرريهم بتصوير استمارات التصويت الخاصة بهم عبر الهاتف المحمول وذلك لضمان تصويتهم لمرشح الحكومة (!!!!!) وهو الإجراء الذى رفضته اللجنة القضائية بالطبع لكونه يتنافى مع سرية التصويت .

ولم تكتف بذلك فقط بل إنها سخرت صحف الأحزاب الكرتونية والديكورية وبعض الصحف الخاصة من صنائعها لشن حرب غير عادلة وغير مبررة ضد الدكتور ضياء رشوان مرشح تيار التغيير متهمة إياه بتهم لا تنطبق ان انطبقت الا على مرشحها هى لا هو ناهيك عن سيل البرامج الفضائية التى تحاول تصوير الأمر وكأن نقابة الصحفيين تواجه خطر الاختطاف من قبل جماعات إرهابية وليس من قبل شريحة تتعدى نسبتها نحو 40% من عدد أعضاء الجمعية العمومية بقيادة رجل عرف عنه التوازن والاتزان والموضوعية فى اتخاذ المواقف .

ولقد بلغ حجم الحشد الذى مارسته الدولة حداً جعل البعض يعتقد أن قراراً امنياً رفيعاً سيصدر بين لحظة وأخرى أمراً بإلقاء القبض على جميع الصحفيين المؤيدين للدكتور ضياء رشوان الذى صوروه كأنه أسامة بن لادن المختبىء فى جبال تورا بورا وليس ضياء رشوان الصحفى والباحث والمحلل السياسى الذى يشغل منصب نائب رئيس مركز الاهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية وهو أفضل مركز بحثى فى الشرق الأوسط والكائن فى مؤسسة الأهرام الواقعة فى شارع الجلاء بوسط القاهرة.

لقد تخلت الدولة عن حيادها فى هذه الانتخابات بشكل سافر ولم تتعامل معها على أن الجميع مواطنيها سواء كان مكرم محمد أحمد أو ضياء رشوان أو مؤيدو أى منهما وراحت تساوم بعض الصحفيين المتهمين فى قضايا نشر من غير المنتمين للصحف القومية بين خيارين إما تأييد مرشحها وإما تحريك كافة القضايا المؤجلة ضدهم فضلا عن الوعود بالكتابة أو التعيين فى الصحف القومية .

كما لعبت منح الوحدات السكنية والمدافن وأجهزة اللاب توب وأجهزة المحمول وعقود العمل بالخارج التى وزعها المرشح الحكومى على الصحفيين دورا مؤسفا فى التأثير على حياد البعض .

والأمر الأكثر إيلاماً أن قطاعا كبيرا من الصحفيين  فى الصحف الفقيرة التى لم تدعمها سياسات مكرم وأمثاله من المرشحين الحكوميين راح يصوت له طمعا فى الحصول على وجبة الطعام التى كان يوزعها خارج اللجان.

ان تيار التغيير راح يقاوم كل ذلك مستمدا العزم من بصيرته ووعيه المهنى والسياسى القومى واكتشف أن شريحته وسط أعضاء النقابة ليست بالهينة وإنما تتجاوز 40% منها وإنهم قادرون على سحب البساط من التيار الحكومى فى الجولة القادمة حينما لا تجد الحكومة أسماء ذات قيمة لترشحها.

ولقد وقفت صحف الدستور والعربى الناصرى والاهالى بكتائب محرريها الفرسان وقفة بطولية لدعم مرشح تيار التغيير رغم ما تعانيه من تضييق وقلة موارد .

اننا نقول اننا خسرنا هذه المعركة ولكننا لن نخسر الحرب التى قطعا سنكسبها فى الجولة القادمة وسيكون انتصارنا فيها مبهرا وذلك لأن قدر المقاومة دائما أن تخسر المعركة 99 مرة ولكن انتصارها رقم مائة سيغير وجه التاريخ ويَجُبُ ما قبله من هزائم ..إنها سنة الحياة وتصديق لقوله تعالى "لولا دفع الناس بعضهم لبعض لفسدت الأرض".

فى النهاية لا يسعنا إلا الانصياع لقرارات الجمعية العمومية واحترامها واحترام النقيب الذى ارتضته.

*****

محيط 22 سبتمبر 2009

التعليم في مصر.. العدد في الليمون

منذ أيام قرأت تقريراً عن التعليم في مصر لعل كل ما أثارني فيه فعلق في ذاكرتي تأكيد الباحث علي   أن الصين وهي الدولة ذات الملياري نسمة تقريبا قامت جامعة بكين "العاصمة" فيها بتخريج نحو 40 ألف طالب منذ إنشائها في حين أن جامعة القاهرة قامت بتخريج نحو 128 ألف طالب رغم أن عدد سكان مصر نحو 1 من 20 تقريبا بالنسبة الي عدد سكان الصين.

وأردف الباحث معلقاً "العدد في الليمون " بمعني أن كم الخريجين لا يعني بالضرورة أنهم متعلمون .

ان مراقباً جيداً للحالة التعليمية في مصر يستطيع أن يجزم أن المليارات التي تنفق عليه قد ذهبت هدراً و أنه لا يمكن لوطن يعلم أولاد بتلك الطرق وهذه الوسائل والمناهج أن يحقق نجاحاً ولا يصنع تعليماً مفيدا.

فالمناهج التي انتقدوا فيها من قبل اعتمادها علي الحفظ تحولت إلي مواد يعتمد فيها علي "الصدفة " أي أن إجابات الطالب تعتمد علي الصدفة لا الوعي، وفي كلا الحالتين يغيب الفهم وإن كان الحفظ قد ينتج فهما فيما بعد.

وكادر المدرسين الذي ملأت به وزارة التربية والتعليم الدنيا ضجيجاً كرافع لمهارات المدرسين واعتبرت أنه بتنظيم امتحانات الكادر له ستكون قد رفعت من مستواه ،هو اجراء فاشل أيضاً , حيث يؤكد المدرسون الذين اجتازوا هذا الكادر بأنهم دفعوا الرشى للمراقبين وأن اللجان كانت "بوظة".

فضلاً عن أن العديد من المدرسين في المدارس والمعاهد الخاصة هم أساساً لا يجيدون القراءة و الكتابة بشكل يمكنهم من تعليم آخرين بالإضافة إلي أن ما يتقاضونه من راتب يعتبر "وصمة عار" ليس في جبين وزارة التربية والتعليم فقط ولكن للعامل والعمل في مصر بشكل عام .

المشكلة أن قد لا يمكن لمدرس يتقاضي راتبا لا يكفي لثلاثة أيام أو ربما أسبوعاً في أفضل الأحوال و اختير بهذا الشكل أن يعلم أحداً فضلاً عن كونه أصلاً غير مؤهل للتدريس .. علماً بأن العديد من المدرسين لا يحملون مؤهلات عليا .

وفي الواقع وبحكم عملي ومعايشتي لأعداد من خريجي الجامعات اليوم أكاد أجزم أن الغالبية من هؤلاء الطلبة فاشلون وأنهم حرموا من ابسط مسلمات العلم بحيث إنهم لا يجيدون الإملاء - أي القراءة و الكتابة - وليس الوصول لإجادة العلوم و الفنون !!

لقد تولدت بداخلي قناعة أن العملية التعليمية في مصر برمتها فاشلة و تحتاج إلي إعادة بناء بحيث يراعي فيه تغيير المناهج وربطها بثقافة الشعب الأصيلة عربياً وإسلامياً و تغيير أحوال المدرسين المادية بحيث يتم الانفاق عليهم بما يفرغهم تماما للإبداع والعطاء في المدارس والابتعاد عن الدروس الخصوصية فضلاً عن تبسيط المناهج بما يكفل سرعة التحصيل و كثافة المعلومات وهو الأمر الذي من شأنه أيضا القضاء علي الكتب الخارجية .

ومما أثار حزني الشديد ما تناقلته الصحف من أنباء عن تلاميذ و طلاب يقومون بالاعتداء علي مدرسيهم أو مدرسين يقومون بإجبار تلاميذهم علي أفعال غير لائقة .

اندهشت مما انقلبت إليه الأحوال في مدارس مصر خاصة بعدما عرفت أن قطاعاً كبيراً من أصحاب المدارس الخاصة يقومون بتعيين حملة الدبلومات الفنية المتوسطة فيها كمدرسين للتلاميذ ويقوم مدير المدرسة كل عام برشوة مراقبي امتحانات مراحل الشهادات من أجل أن يسمحوا بالغش وعادة ما يجمع ناظر المدرسة قيمة الرشوة من أولياء الأمور ومن لا يدفع يرسب!ّ!

نعم .. يقوم مسئولو المدارس بتعيين منخفضى الكفاءات والمؤهلات كمدرسين لاسيما الفتيات نظراً لانخفاض أجورهن بحيث يصل مرتب الفتاة نحو 200 جنيه شهرياً فضلاً عن قيامهن بالتوقيع علي استقالة مسبقة وشيك علي بياض لضمان عدم إتلاف أية منقولات بالمدرسة أو لتجنب أية مشاكل أخرى يُحدثنها ، و بالطبع تقبل الفتيات هذا الواقع نظراً لأنه ليس بالإمكان أفضل مما كان ولأنهن يردن الخروج من أجل تحسين فرصهن في الزواج نظراً لمستويات العنوسة العالية.

هذا بالنسبة للمدارس الخاصة أما المدارس الحكومية وإن كانت أفضل تعليما إلا أن التلميذ قد لا يجد منضدة أو حتي كرسياً يجلس عليه وإن وجده فأرباب الأسر يتخوفون من انتقال سلوكيات سيئة من تلاميذ لأسر من ذوي الحالة الاجتماعية المنخفضة .

إنني في الحقيقة أفخر بأن المدرس كان ملاكاً في أيامنا وكان معلما حقيقيا في حين أننا كنا كطلبة نُجله ونحترمه لدرجة القداسة.

أما الآن فلا يوجد تعليم جيد ولا طالب جيد ولا مدرس جيد ولا مدرسة جيدة ولا مناهج جيدة ولا أسر جيدة.

أنا لازلت أتذكر الأستاذ محمد فراج مدرس اللغة العربية في مدرسة عزبة البوصة الثانوية بأبو تشت لقد كان جهبذاً في اللغة العربية جعلني وغيري من أقراني نعشقها ونرتدي رداءها ونفهم عميق معانيها وسامي ألفاظها ولازلت أيضاً أتذكر الأستاذ عبد اللاه محمد عبد اللاه مدرس التاريخ والجغرافيا وهو الشخص الذي أقسم بالله انه لم يكن إلا مؤرخاً كبيراً يعادل أفضل مؤرخي مصر .. وهو الذي علمني أن قراءة التاريخ هي قراءة في المستقبل .. بل إنه قراءة في السياسة والفلسفة والدين والاجتماع والاقتصاد .

هل يمكن أن نجد من بين المدرسين الجدد الآن من هم بكفاءة الأستاذ محمد فراج و عبد اللاه محمد ؟

أنا لا اعتقد

إنني حقاً أدين لهما بالكثير واعترف أنني لطالما تذكرتهما لعدة مرات قبل نومي إلا أنه ما إن يأتي الصباح إلا وتأخذنا دوامة الدنيا وأنسى.

*****

الاسبوع 14 يناير 2010

ماريوحنا .. أحداث ثأرية لا طائفية

هل شاهدتم من قبل المسلسل التلفزيوني المصري " ذئاب الجبل" ؟

هذا المسلسل الذي يحكي عن عادات وتقاليد قبائل "هوارة" التي تبدو أنها تتخذ خطاً شديد المحافظة في وسط بلاد الصعيد الجواني المعروف عن جميع سكانها أنهم محافظون.

كانت أحداث هذا المسلسل تدور بالكامل عن ثقافة تلك القبيلة التي تتخذ نفوذا واسعا وقويا في مراكز شمال محافظة قنا وتحديدا دشنا ونجع حمادي وفرشوط وأبوتشت وهي ذاتها المناطق التي شهدت فصول أحداث نجع حمادي الأخيرة التي ارتأي البعض أو ربما استسهل تسميتها بالطائفية رغم أن النزاعات الطائفية غير معروفة هناك ولا توجد سوابق لها.

وبصفتي واحد من مواطني هذه المنطقة وأشرف بالانتماء لذات القبيلة أستطيع إن أقول أن أحداث نجع حمادي الاخيرة التي قتل فيها ستة مسيحيين ومسلم واحد أمام كاتدرائية " ماريو حنا " لم تكن قطا أحداثا طائفية - مع شديد اعتراضي عليها وألمي لها -

ولكن كانت أحداثا ثأرية خالصة تختص بها تلك المنطقة من العالم لاسيما لو كان الأمر متعلقا بالشرف وقضايا العار وذلك لكونهم هناك يضفون علي المرأة شيئا من التقديس والإعزاز ربما لم يكن متوافراً بذات القدر في أي مكان آخر.

وكم من قضايا ثأرية حدثت في نجع حمادي أو دشنا راح ضحيتها المئات ليس بين مسلمين ومسيحيين كما هو الحال الآن بل بين قبيلة مسلمة وأخرى مسلمة وحتي بين عائلات في ذات القبيلة أو تلك أو بين عائلات مسيحية بعضهما البعض .

ولست أدري لماذا غيبت وسائل الإعلام - بسوء قصد علي ما أعتقد – ممهدات الأحداث وأسبابها وراحت تعيد وتزيد في النتائج ؟

فالحكاية كما عرفتها ويعرفها القاصي والداني بدأت منذ نهاية شهر نوفمبر الماضي حينما أغتصب شاب من قرية تسمي " الكوم الأحمر " وتتبع مركز فرشوط طفلة عمرها أحد عشر عاما محدثا بها تهتكات شديدة وتركها بين الحياة والموت وفر هاربا.

ووسط ذهول الجميع وتوعدهم بالانتقام الشديد من المجرم الذي انتزع عنوة براءة الطفولة ولطخ بفعلته تلك سمعة العائلة بل البلدة كلها بالعار نقلت الطفلة الي المستشفي وهناك استجوبتها النيابة وأرشدت عن الجاني .

ولأن التجارب الأمنية السابقة كشفت لأجهزة الأمن عن أن المجني عليه عادة ما يلجأ الي الثأر من الجاني أو من أقرب أقاربه في حال تعذر الوصول اليه - نظراً لإيمان عميق بأن حكما بالحبس سنة على الجانى مثلا قد لا يروى الغليل ولا يتناسب مع حجم الجرم - لذلك قامت بإلقاء القبض علي الجاني ثم نقلت ذويه الي منطقة غير معلومة لحين هدوء العاصفة وحرصا علي حياتهم .

وكان من سوء الحظ أن الجاني مسيحي والمجني عليه طفلة مسلمة تنتمي إلى قبيلة "هوارة" المعروف عنها شدة البأس في قضايا الشرف لا فرق في موقفها ذلك إذا ما كان الجاني مسيحيا أو مسلما.

ومما زاد الطين بلة أن الإجراء الذي اتخذته الشرطة بنقل ذوي الجاني لمكان غير معلوم ساهم في تأجيج مشاعر العداء والرغبة في الثأر لاعتقاد أهل المجني عليها بأن تلك الأسرة فرت للاحتماء بأقارب لها في نجع حمادي الأمر الذي فرق ثأرها بين القبائل وحرمها من الانتقام رغم أن سرعة الأخذ بالثأر لها أمر حاسم في هذه المناسبات حتي تتمكن أسرة المجني عليها من استعادة الشعور بالكرامة ورفع الرأس بين العائلات .

فما كان الا اتخاذ قرار الانتقام العشوائي الذي تسبب في الأحداث المعروفة فضلا عما ذكره احد المتهمين الثلاثة بأنه نفذ فعلته تلك انتقاما من قيام طبيب نساء وولادة مسيحي بقتل مولودة أثناء قيامه بإجراء عملية ولادة لزوجته وفر هاربا واكد تقرير مدير المستشفي بأن الطفل لم يولد ميتا ولكن قتل عمدا.

 أعرف ان البعض سيتهمني بالانحياز وهي التهمة التي أنفيها تماما فأنا لم أكن أبدا طائفيا ولن أكون وكذلك لم أكن أبدا بربريا ولن أكون .. وأقر بأن الجريمة التي حدثت في كنيسة ماريو حنا بنجع حمادي هي جريمة نكراء بشعة لا تتفق أبدا مع أخلاق الإسلام من جانب أو الصعايدة من جانب آخر ولا طبائع قبيلة هوارة التي تتسم بحب العدل والإنصاف والتسامح شأنها في ذلك شأن جميع القبائل والعائلات مسلمة ومسيحية علي حد سواء في هذا المكان من العالم .

ولا أخفيكم أن ما حدث ليلة عيد الميلاد أثار استهجان وسخط المسلمين بنفس القدر الذي أثاره لدى المسيحيين .. وراح الناس هناك يجهرون بمطالبتهم بشديد القصاص ضد الجناة الذين حصدت بنادقهم بهجة العيد فراحوا يقتلون الجميع دون تمييز ودون ذنب وفي ليلة عيدهم شريطة ألا تكون تلك المطالب سببا فى القصاص من أبرياء وداعياً لتسريع أحكام دون ترو .

لقد رفعت والدتي صوتها بالدعاء ضد القتلة أثناء ادائها صلاة الفجر بينما انهمرت الدموع من عيونها تألما علي الحال الذي وصل إليه الناس فيما استاء صديقي المسيحي من قيام الجناة بإجراء عملية قتل عشوائية وقال لماذا لم يقتل الجاني أو أي من أسرته.

الناس هناك مسلمون ومسيحيون علي حد سواء يوقنون في قرارة أنفسهم بأن ما حدث ليس الا حادثا ثأريا معتادا بين المسلمين وأن الجديد هنا كون أحد قطبيه مسيحيا وأن تنفيذه تم عشوائيا.

لقد ارتأيت أن من واجبي كتابة تلك الملاحظات حتي لا يتوهم البعض بأن ما حدث أمر طائفي ولكن الصدفة هي التي صورته كذلك ولو كان الجاني مسلما والمجني عليها طفلة مسيحية لتعاطف الناس معها وذلك لأن الشرف لا يتوقف فقط عند المسلمين.

نحن ضد الجريمة بشكل قاطع ولا نبرر للثأر الذى يعنى أول ما يعنى غياب دور الدولة لا سيما لو كان الأمر مع شركاء الوطن إقتداء بسيرة سيدنا المسيح السمح المتسامح ولو كانت المجنى عليها مسيحية والجانى مسلما لطالبنا بأقصى العقاب ضد الجانى وإعدامه فورا.

 ومع ذلك نبقى كلنا ضد ما حدث حيث قُتل الأبرياء المسالمون ولو كنا نؤيد ذلك لكنا شعبا همجيا نسىء لثقافتنا وديننا ووطننا ولكن فى ذات الوقت نطالب بقانون رادع شديد الصرامة على جرائم الاغتصاب لا يقل بأى حال عن الإعدام حتى تعيش الأسرة المصرية مسلميها ومسيحيوها فى أمان على الأبناء.

 أما لو ظل القانون ضعيفا كما هو الآن فلن يستطيع أحد إيقاف جرائم الثأر. إنها بصراحة حالة غياب تام للقانون انها حصاد لثقافة عامة تؤمن بأن ثوب القانون مليء بالثقوب التي يمكن أن تسمح لجمل بالمرور وأن الحل في الثأر .. ثم بعد ذلك يأتي القانون أو حتي أقباط المهجر وكل من يريد أن يصبغ الحادث بصبغة سياسية وطائفية حتي لو كان الجناة لا يعتقدون بأي فكر أو أيديولوجية كانت وكل ما يربطهم بالإسلام فقط .. خانة الديانة في البطاقة الشخصية .. فهم مسجلون خطر .. والدين .. أي دين عكس الجريمة.

*****

الاسبوع 27 سبتمبر 2010

عن المسألة القبطية

فى البداية، كان ضرورياً قبل الحديث عن المسألة القبطية التأكيد على أن المقصود منها لم يكن قط مسيحيى مصر فقط ولكن بعض مسيحييها ومسلميها بوصفهم أقباطاً وعلى اعتبار أن القبطية ليست جنسا ولا دينا ولا لغة ولكنها تنطبق على كل من سكن مصر قبل الفتح العربى الكبير والأخير لها على يد عمرو بن العاص، وعلى اعتبار أن عدداً لا بأس به من القبط دخلوا الإسلام بعد الفتح العربى وإلا فبماذا نفسر السر وراء كثرة وغلبة عدد المسلمين على المسيحيين فى مصر بعد نحو قرن واحد من الفتح كما يؤكد المؤرخون.

وإذا شرعنا فى الحديث عن المسألة القبطية ومن هم أصل البلاد التى فجر الأنبا بيشوى الرجل الثانى فى الكنيسة الشرقية مرقدها واصفاً المسلمين بالمحتلين وأن المسيحيين هم أصل البلاد وجب علينا حينئذ تقسيم بحثنا عبر مرحلتين.

الأولى مرحلة تنظر فى تاريخ مصر وتاريخ المصريين والثانية تنظر فى حاضر مصر وحاضر المصريين ولكن قبل هذه أو تلك وجب التأكيد على أن هناك حالة من الاستقواء والاستجابة للمغريات الإمبريالية من قبل بعض المسلمين أولا ثم المسيحيين ممن قرأوا  بشىء من العجالة سطور التمدد الأمريكى فى العالم العربى، خاصة والإسلامى عامة واعتبروها تعبيراً مجازياً عن حرب صليبية جديدة تشن لتخليص مسيحيى الشرق من العبودية الجديدة وهم بذلك لم يقرأوا ما بين السطور بأن الإمبريالية الأمريكية لا دين لها سوى الصهيونية والتخديم لصالحها حتى ولو على حساب المسيحيين أنفسهم وهم الذين يعانون الاحتلال مع أشقائهم المسلمين فى فلسطين.

ويجزم عدد كبير من المؤرخين بأن مصر عبر تاريخها القديم كله لم تكن سوى بوتقة صهر لجميع الأجناس والأمم لاسيما العرب، ممن قاموا بغزو تلك البلاد فى حملات الهكسوس الشهيرة قادمين من بلاد الشام وكنعان ثم حكموا البلاد لفترة طويلة من الزمان وانصهروا فى شعبها، كما أن هناك موجات أخرى من الانتقال العربى إلى مصر حدثت من قبل أفواج من العبرانيين ثم قبائل كالغساسنة والكنعانيين والفينيقيين وهم العناصر التى فرت من اضطهاد اليهود لهم كمسيحيين فى بلادهم.

ويقول بعض المؤرخين إن مصر قبيل الفتح العربى لها كان يتحدث قطاع كبير من شعبها اللغة العربية وأن تلك القبائل كانت تدين بالمسيحية ثم تحول قطاع منهم إلى الإسلام بعد الفتح فى حين كانت الوثنية هى الديانة الثانية فى البلاد وأنصارها من أهل الجنوب.

ويتخذ المؤرخون من سرعة فتح مصر وانتشار الإسلام فيها على يد القلة الفاتحة وانتشار اللغة العربية مع انقراض اللغة المصرية تماما برهاناً على أن عمرو بن العاص لم يكن أول الفاتحين بل آخرهم.

وفى هذا الصدد لا ينكر أى من الباحثين التاريخيين أن مصر كانت بوتقة صهر لجميع الأجناس، فقد حكمها العرب متمثلين فى الهكسوس وحكمها الرومان وحكمها النوبيون لمدة 25 عاما كما حكمها السودانيون بل أن قطاعاً ما من سكان مصر آنذاك كانوا وافدين من بلاد «بونت» وهى الصومال حالياً.

ومن هذه العرض السريع بحسب ما تيسر لنا من اطلاع يتأكد أنه لا أصحاب لمصر سوى المصريين وهم من يسكنونها وأن الفرعونية ليست جنسا بل نظام حكم.

 أما الحديث عن فهم الواقع فهو يفرض علينا الاتفاق على مفاهيم  تقول إن الديمقراطية تعتمد أساساً على نظام حكم الأغلبية ، وأنه رغم كل نقاط ضعفه، يعد هو الحل الأمثل للقضاء على كل مشكلات الحكم ، بما فيه من احتكام الى صندوق الاقتراع فإن ما تقوله الأغلبية من أى جنس أو دين أو لون يصبح هو الإطار المعيارى أو بمعنى اصح "دستور" البلاد الذى تحتكم إليه الأغلبية سواء أو الأقلية , وانه بتحقيق معيارية الاحتكام لصندوق الانتخابات ستكون الدولة قد ضربت مثالا يحتذى به عالميا فى الديمقراطية  وتحول ان تسيطر فئة على حقوق الفئة الأخرى لطالما كان الجميع مواطنين فى دولة مدنية.

إذا سلمنا بهذه المرحلة وجب علينا الانتقال لمرحلة ثانية فى تشخيص وتجسيد مصالح الأقلية بما لا يخالف ولا ينتهك مصالح الأغلبية.

إذا حدث ذلك فهل يكون هناك انتقاص لمصالح الأقلية وهل يبقى مبررا أن تتحدث الأقلية عن طغيان يمارس ضدهم؟

فى العام قبل الماضى صدر تقرير أمريكى يؤكد أن أعداد المسيحيين فى مصر تتأرجح بين 10 إلى 12 مليون نسمة من إجمالى سكان مصر البالغ عددهم بضع وثمانون مليون نسمة أى بنسبة تقارب واحد على ثمانية من السكان فى حين تؤكد إحصاءات حكومية مصرية بأن عدد مسيحيى مصر يتأرجح بين 8-10 ملايين نسمة وهو دون تلك النسبة.

ويقول بعض المسيحيين فى مصر إنه لا اضطهاد فى الحقوق الدينية لهم ولكنهم مضطهدون فى حقوقهم السياسية وأنهم لا يتقلدون المناصب العليا رغم أنه يوجد فى الحكومة ثلاثة وزراء مسيحيين من أصل 29 وزيرا ومن بين هؤلاء الوزراء وزير المالية  الذى كان والده وزيرا للخارجية كما أن كبار رجال مجلس الشعب والشورى هم من المسيحيين فضلا عن قيادات الوزارات لاسيما العدل والداخلية،

 كما أن من يتبنون تلك المطالب يتجاهلون تماما أنه لا أساس دينى لعدم منحهم مناصب عليا ولكن هناك حالة من الفساد الشديد تضرب بأطنابها النظام الحاكم فى البلاد فحالت دون تداول السلطة بين معظم قطاعات الشعب مسلميه سواء أو مسيحييه وورثتها فى عائلات بعينها سواء كانت مسلمة أم مسيحية وهو الورم الخبيث الذى يعاني منه الشعب كله بكافة أطيافه أى أن الأزمة ليست أزمة قبطية كما يقولون ولكنها أزمة فسادية، فضلا عن أن من يقولون إنهم مهمشون فى البلاد يوجد بينهم رجل أعمال واحد يقول إنه يستطيع أن يشترى كل أرض صعيد مصر بفلوسه، إذن هل هناك تفرقة؟! أنا لا اعتقد.

أنا اعتقد أن الدولة المصرية هى دولة ذات أغلبية مسلمة وينبغى لهذه الأغلبية أن تحافظ على مكاسبها التى منحتها لها الديمقراطية وصناديق الاقتراع فى أن يكون الدين الرسمى لهذا البلد هو الدين الإسلامى وأن اللغة العربية هى لغتها الرسمية وأى اعتراض على هذين الخيارين يعتبر استقواءً ورفضا للديمقراطية لاسيما أن مصر أعلنت مرارا وتكرارا عن تبنيها نظام الدولة المدنية التى تنظر لرعاياها جميعا نظرة واحدة كمواطنين واتخذت من «المواطنة» شعارا لها.

إن مطالب قبطية تثور بين الحين والآخر يتلقاها الجانب الآخر "المسلم " كرفض له واستقواء غير مبرر عليه، فعندما يخرج علينا شخص يطالب بمنع الآذان فى مكبرات الصوت فهو شخص يتدخل فى صميم عقيدة الآخر بدون وجه حق وكذلك حينما يطالب بمنع تدريس الدين فى المدارس وهكذا الأمر حينما يطالبه بإغفال آيات قرآنية تتحدث عن النصارى ويعتبرونها بالآيات التحريضية مع أن المسلمين يؤمنون بالمسيحية وبالسيد المسيح عليه السلام فى حين يرى المسيحيون المسلمين ككفار.

أنا اعتقد أن مشكلة قلة من الأخوة المسيحيين فى بر مصر أنهم لا يستطيعون تصديق أن مصر دولة ذات أغلبية مسلمة وأن ما لهم من حقوق وواجبات لا يجب أن تقل أو تزيد عن نسبة أصواتهم فى صناديق الاقتراع وأن ما حصلوا عليه من حقوق فى عهد الرئيس مبارك ما كان لهم أن يحصلوا عليه فى أى عهد آخر وهو ما لم تحصل عليه أية أقلية فى أى بلد فى العالم.

كما أنه ينبغى على الجميع مسلمين ومسيحيين أن يدركوا أن لا أحد منهم قادر على التخلص من الآخر وأن ثمة هناك زواجا كاثوليكيا لا فكاك منه بين مسلمى ومسيحيى مصر وعلى كل منهم أن يحترم ما أعطته الديمقراطية والدولة المدنية وصندوق الاقتراع للآخر.

ولأننى اهتم بالمنطق فإن حديث الأنبا بيشوى انطوى على شىء من الاستقواء وأحياناً عدم الوعى .. فالرجل راح يهاجم القرآن الكريم فى بلاد أكثر من 85 % من سكانها مسلمين ورغم ذلك لم نجد فوضى لا هنا ولا هناك , ولربما لو قال مثل تلك التصريحات شخص يعيش فى أى بلد غربى لانقلبت مصر تطالب بالقصاص منه , أليس ذلك تسامحا وديمقراطية وصلت لحد التفريط.

هذا بخصوص  الاستقواء أما بخصوص عدم الوعى فان الأنبا قال أن هناك ثلاثة آيات قرآنية محرفة ووضعت بعد وفاة الرسول ولو كان الأمر كذلك إذن أنت تؤمن بالإسلام والقرآن الكريم!!

*****

محيط 18 ديسمبر 2010

وظيفة مرموقة للأغبياء فقط

اخشي أن يأتي يوم نقرأ فيه إعلانا في الصحف يعبر فيه المعلن عن حاجته الماسة والعاجلة الي شخص يشغل منصبا مرموقا  في البلاد يتصل بتوجيه وإرشاد وتثقيف الناس ’ واشترط المعلن في مواصفات هذا الشخص أن يكون "غبيا" كشرط أساسي , ولا مانع أن تتوافر فيه مع هذه الصفة أن يكون متبلدا وفاقدا للإحساس وشديد الرعونة والجهالة وقلة الإيمان.

ناهيك عن أنه يشترط أيضا في تفاصيل تلك السمات ألا يكون هذا الشخص قد ضبط من قبل بالفهم أو حتي الإقدام عليه ’ فضلا عن كونه لم يَغَشْ الكتابة والقراءة ’ رغم كونه يحبذ أحاديث المثقفين والثقافة لدرجة انه حتما ولابد أن يكون الأعلي صوتا وقيمة ومقاما بينهم ساعيا لارتداء قناعاتهم والحديث بلسانهم الأمر الذي يؤهله الي مَنْطَقة ما لا منطق له وشرعنة ما لا تقبله شريعة أرضية أو سماوية وتبرير كل ما يخجل المرء عن تبريره ما لم يبد الإعجاب به.

وفي بند المهام يوكل لمن تتوافر فيه تلك الشروط مهمة تجهيل الناس’وإسقاط عقولهم في أرجلهم وعواطفهم في بطونهم وأحلامهم في المراحيض ومقالب القمامة ’ وجعلهم مجرد كائنات بلا روح ولا عزيمة وتحويلهم من موتي فوق الأرض الي موتي تحت الأرض دون صخب أو ضجيج ’ فينتقلون من عذاب عباد الله الي عذاب رب العباد الذي صرفوا جل حياتهم دون خوف منه أو وجل وراحوا ينشغلون في حياة لا تقدم لهم أو لأحفادهم نجاحا.

ويقول المعلن إنه سيتم توفير إمكانات جبارة لمن توكل له تلك المهمة ليتسني له إخراجها في الشكل الأمثل وطبقا للشروط والمواصفات ومنها أنه سيوفر له العديد من كبريات وسائل الإعلام المسموعة والمقروءة والمكتوبة ذائعة الانتشار من تلك الوسائل التي وضع علي رأسها "أغبياء" مختارون بعناية من قبل ’ اجتازوا الاختبارات بنجاح منقطع النظير’ فأنتجوا بما توافر فيهم من مواهب جيلا كبيرا من الجهلة والأغبياء والانتهازيين.

وأخشي أن يضيف المعلن استعداده لتوفير جيش من أنصاف وأسداس وأرباع المثقفين ممن يمتلكون شطيرة من مخ من هؤلاء الموضوعين علي قمة الهرم الثقافي والفني حيث سيواصلون عملهم "التنظيري" مستغلين قدرتهم علي "الجدل" و"السفسطة" وخلط الحابل بالنابل في أذهان العامة ’ علما بأن هؤلاء يقومون بهذا العمل من أجل إشباع حاجتهم المتنامية في الشعور بارتفاع تلك الذات الممرغة بالوحل حتي ولو علي حساب مستقبل الناس والحقيقة.

فضلا عن انه سوف يتم توفير ميزانية ضخمة للإنفاق علي كل ما من شأنه إنجاز تلك المهمة حيث سيتم الصرف ببذخ علي المشخصاتية ولاعبي كرة القدم والعابثين والعابثات , وإظهار أعمالهم وكأنها إنجازات قومية , وكذلك سيتم الإعلاء من شأن كل فعل وقيمة وصنعة خالية من الإبداع والمهارة ولا يمكن أن تفيد الناس في شيء.

ويضيف المعلن انه سيغدق بشدة علي سعيد الحظ بحيث سيمنح راتبا يزيد نحو ألف ضعف علي أي راتب لأقرانه ، ناهيك عما سيمر من تحت المنضدة ومن خلالها ومن جانبيها , فضلا عن أنه لن يجد من الوقت ما يدبره لتلبية نداءات الفلاشات والكاميرات والمعجبات والمجاملين والمجاملات والطامحين والطامحات.

نعم يا سادة .. لقد صارت البلادة والغباء هبة كبيرة من الله لعباده في زماننا هذا ’ فقد اختلطت الأمور وصار عصياً علي الواحد منا أن يفرق بين الصالح والطالح , أو يجد سببا موضوعيا واحدا لتفوق الغباء وانتصاره علي العقل ’ أو يرسم طريقا للباحثين العقلاء يحدد أوله الذي يقود الي آخره.

أقول ذلك , وأنا أؤكد أن المثقفين في بلادنا لم يوحدوا شعوبنا بل زادوا الطين بله ’ والبعد فرقة , وقطعوا الأوردة المتهتكة ولم يضمدوها , وارتكبوا من الحماقات ما لم تفعله ذخائر العدو فينا.

أقول ذلك , وأنا أعلم أن المثقف محارب ومنبوذ في بلادنا , بينما يرتدي المخبرون كل أوشحة المعرفة والمال والنفوذ.

*****

محيط 2يناير 2010

من هنا تنشأ  العشوائيات فى المدن الجديدة

"الجنيه غلب الكارنيه "لا أدري كيف لم اعر تلك المقولة اهتماماً من قبل حينما كنت أسمعها من بعض العامة والنسوة لاسيما في مركبات النقل الجماعي والأسواق وأمام المصالح الحكومية.. بصراحة كانت تمر هذه العبارة علي أذني مرور الكرام وكنت أظنها مجرد "هرتلات" لأناس ندرت حيلتهم وضاقت مداركهم لكنني وفي أول اختبار لي مع المصالح الحكومية المصرية رحت أستعير تلك العبارة التي اكتشفت أن قائليها كانوا الأعمق فهما والأوسع إدراكاً من هؤلاء المثقفين الذين تقوقعوا في عالم تنظيراتهم العاجي وراحوا يرتفعون عن الأرض حتي تلاشوا في السماء .

ولا أخفيكم سراً أن ثقة في النفس سيطرت علي بدون وجود ما يعززها واعتقدت – جهلا - أنني استطيع أن اقضي مصالحي في الجهات الحكومية دون اللجوء لدفع "المعلوم" وذلك اعتمادا علي ما حباني به الله من - لا مؤاخذة – كارنيه ولا شيء سواه إلا عفة في النفس وما تيسر من الإطلاع.

وكان احد معارفي يقطن في التجمع الثالث بمدينة القاهرة الجديدة وذات يوم فوجيء بصاحب المحال التجارية الواقعة أسفل مسكنه في الطابق الأرضي يقوم بتركيب "مظلة" حديدية عملاقة تمتد بنحو الثلاثة أمتار للأمام وبامتداد نحو العشرين مترا عرضا أمام محله الأمر الذي حجب عنه رؤية الشارع بالأسفل وحرم زوجته من الانتفاع ب"البالكونة" خاصة انه لم يثبت تلك المظلة بمحاذاة سطح سقف محاله بل ارتفع بنحو الستين سنتيمترا في حدود مسكن صاحبنا الذي استعان بي ظنا منه أنني قادر علي رد مظلمته .

في الواقع لم اكترث كثيرا بهذه المشكلة واعتقدت أنني بمجرد التقدم بمذكرة بذلك إلى إدارة التنمية بمجلس المدينة فإنها لن تتواني في تنفيذ القانون لاسيما أنني كنت اعتقد أن اللوائح الخاصة بالإشغالات والعشوائيات في المدن الجديدة شديدة الصرامة وذلك علي حد علمي "التنظيري" وذلك لأن المنطق يقول أن الدولة تريد الاحتفاظ بالمدن الجديدة المحيطة بالقاهرة كمناطق حضرية وأنها لن تسمح بتكرار أخطاء القاهرة القديمة.

وتقدمت بالمذكرة فمر شهر تلو الشهر"نحو العام" والتقرير تلو التقرير حتي وصل اجمالي التقارير إلى ثلاثة تقارير ازالة ولكن لم ينفذ منها تقرير واحد بل إنها لم تذهب أصلاً الي شرطة الاشغالات في حين سجلت الارقام السابقة واللاحقة لها , وحينما شكوت الي المسئولين بوزارة الاسكان وبجهاز المدينة وحاولت الاستعانة ب"الكارنية" - لكوني صحفياً – تم حل المشكلة حلا حاسما ونفذت قرارات الازالة الثلاثة ولكن علي الورق فقط !!! فشكوت للمهندسين من عدم التنفيذ الفعلي فاذا بهم يطلبون مني كتابة مذكرة أخرى وذلك حتي نستمر ديمومة التقارير والعروض والخبراء ثم بعد كل ذلك ينفذ كسابقه علي الورق.

وعرفت بعد ذلك أن صاحب تلك المحال رجل ثري يمتلك نحو الخمسين مسكنا ومحلا في تلك المنطقة وانه زار مرة واحدة فقط إدارة التنمية في بداية المشكلة وتم المراد .

الأمر المدهش أن تلك التجربة شجعت صاحب محل في العمارة المجاورة لارتكاب مخالفات مماثلة بل إنه لم يكتف بأنه يقوم بمزاولة نشاط الجزارة بدون ترخيص بل انه قام بإنشاء مظلة تمتد لأكثر من أربعة أمتار تتخذ شكلا في غاية القبح وزاد علي ذلك بأنه قام بتحويل الجزيرة الواقعة بين الطريقين إلى "زريبة" فضلا عن قيامة بتلويث البيئة بروث الحيوانات والدماء حيث يقوم بالذبح خارج السلخانة والانكي انه يقوم باستعمال الخبز المدعوم كعلف للحيوانات بالإضافة إلى يخلط اللحوم الطازجة باللحوم المجمدة المستوردة رخيصة الثمن وذلك تحت مرأي ومسمع موظفي جهاز المدينة والصحة وشرطة الإشغالات الذين يتوافدون عليه كل أسبوع .

وشجع هذا الوضع جزارا آخر للإقتداء بالجزار الأول وراح يلوث البيئة بشكل فج وانتهز شخص ثالث هذا التردي فراح يقيم معرضا لبعض المنتجات الأسمنتية في الجزيرة التي بين الطريق وقلده آخرون وتحولت منطقة القطامية الي منطقة عشوائية.

هذه مجرد نماذج تبرهن لمقولة "الجنيه غلب الكارنيه " وليته غلبه فقط بل إنه استخف به وأهانه وكشف عن خلل عميق ينتصر للباطل رغم جهله وجوره ويهزم الحق رغم مشروعيته وعقلانيته وثقافته ويحشره في أفق ضحل أقل بكثير عما ينبغي استغلاله فيه.

*****

شبكة المنصور 20 اغسطس 2011

غوغاء الرماحى ..ومنطق الكاوبوي

رغم الردود والرسائل بل والمكالمات الهاتفية التى وصلتنى من تونس والأردن والسعودية والعراق ومصر تنصحنى بعدم الانجراف وراء الرد عليه والوقوع فى فخ الرد والرد المضاد مما يمنحه شرف محاورة العقلاء ,إلا أننى وجدت نفسى فى حاجة ماسة لأن اكتب لأعرى مزاعم طالب الرماحى وأبين بلادة تفكيره وضعف حجته خاصة أنه تهجم بسفه اعتدناه من إتباع الكاوبوى الأمريكى على مفكرين مشهود لهم بالنزاهة والنضال والوطنية والثورية أمثال الأساتذة عبد البارى عطوان وعامر العظم وعلى حمدان وصلاح المختار وعبدو المعلم وضياء الجبالى ومحمد نجيب صهيونى - هذا اسمه الذى ينافى صفته - وآخرين , ولأن المعركة أساساً كانت تخصنى وجب على أن أدلو فيها بدلوى فيها.

فأمثال الدكتور طالب الرماحى ممن جاءوا منبطحين على بطونهم فوق الدبابات الأمريكية ودخلوا بها عاصمة الخلافة العباسية وحاضرة الرشيد , لا يمكن أن يكون لهم ولاء الا لمن أتى بهم بعدما سباهم وجعلهم ونساءهم رهن إشارته يوجههم أينما توجه ويفعل بهم كما يفعل السيد فى متاعه من عبيد وجوار.

والحقيقة أننى لا أدري فى أى علم حصل الدكتور طالب الرماحى على الدكتوراه , أم تراها مجرد شهادة من نحو 80 ألف شهادة علمية مزيفة أسبغ “الكاوبوى” بها على رجاله بعدما اكتشف أنهم جهلة ومن محدودى الثقافة فراح يحتال حتى يصدق الناس هراءهم , رغم أن عشرات الرسائل من العراق ومن لندن أيضاً وصلتنى تؤكد أنه راسب فى الثانوية العامة ولا مؤهل علمى له , وعلى أى حال سواء كان ذلك صحيحا أم كذبا , إلا أن هناك حقيقة راسخة وهى أن الشهادات ليست برهانا على الفهم والثقافة ولا تعنى نضجا فكريا كما فى حال صاحبنا.

ومن مظاهر الهراء فى آراء - أو ردح- الرماحى أنه اعتبر حبنا للعروبة نقيصة فينا تأتى فى إطار العشق الحرام , ولو كان الأمر كذلك لصار الرماحى يسب الرسول الكريم الذى سأل سلمان الفارسى : أتسبنى يا سلمان ؟ فقال سلمان مستنكرا: وكيف أسبك وأنت رسول الله؟ فقال الرسول : تسب العرب فتسبنى؟ كما أن الأحاديث النبوية فى حب العرب متواترة كقوله صلى الله عليه وسلم ” أحبوا العرب لثلاثة , لأننى عربى ,والقرءان عربى , وكلام أهل الجنة عربى , وكذلك قوله تعلموا العربية وعلموها الناس فإنها لسان الله الناطق وكذلك قوله حينما خلق الله الخلق اختار مكة ومن مكة اختار بنى هاشم ومن بنى هاشم اختارنى فأنا خيار من خيار”.

ورغم علمى انك لا تؤمن بسنة نبيي إلا أن ما أردت قوله من ذلك أن عروبتى هى جزء من إسلاميتى ولها قداسة قد توازيه ,ولذلك يا رماحى فحينما أهيم شوقا بعروبتى فذلك يعنى حبا للرسول وإسلامى الذى نشر ثقافتنا العربية وجوَّدها وهو كذلك يعنى اعتزازى بانتمائي إلى أجدادى وجذورهم الضاربة فى الأرض , كما أن ذلك لا ينتقص أبداً من الآخرين .

ثم إنك يا رماحى أخذت على حبى للشهيد صدام حسين وقمت مدفوعا بغل دفين فيك ان كتاب البعث العراقى هم من زينوا صورته عبر منتدياتهم ومواقعهم , ولم تسأل نفسك لماذا فشلت حملة تشويهه وأنتم تملكون مئات الفضائيات بالإضافة إلى كل الإعلام الغربى الذى يناصبه العداء وصرف “شوارتسكوف” نحو 500 مليار دولار لصنع ذلك ولكنه فشل ؟ كما نسيت أيضاً أننى مصرى , أى أننى من البلد الذى عاش نحو 20مليوناً من أبنائه ” 4 ملايين سنويا” فى العراق وعادوا جميعا يشيدون بعدالة وحازمية الرجل مقارنة باستبداد مبارك وفوضويته , والجميع أدرك أن فكرة العدالة كانت أهم مليون مرة من فكرة الحرية الببغاوية التى أرسى لها المغبون مبارك الذى تدافع عنه.

ولأنك يا رماحى حينما لم تجد منطقا تزين به غيك رحت تتهمنى أننى من رجال مبارك وأنك لم تسمع بى من قبل , ومع أن عدم سماعك بى مسألة تخصك وتخص إطلاعك , الا اننى لو كنت حقا كما تدعى لكنت بالفعل سمعت عنى أقول هراء وغياً عبر الفضائيات المصرية وأكبر صحفها , وأود أن أخبرك يا رماحى وأزود معلوماتك الناقصة بل والمنعدمة اننى اعتقلت حينما كنت طالبا فى الثانوية العامة عام1990 أثناء مشاركتى فى مظاهرات الاحتجاج ضد ضرب العراق , ثم اعتقلت فى الكلية عام 1992 أثناء مظاهرات اتفاقية مدريد وتم منعى من دخول الامتحانات حتى لا احصل على التقدير الذى يجعلنى احمل حرف “الدال” ثم أصدرت روايتى الأولى عام 1997 وتحمل اسم “زمن السقوط” وتدور أحداثها عن سلخانات أمن الدولة كما تضمن ديوانى الشعرى ” أشعار مارقة” والذى منعت أمن الدولة توزيعه عام 2005 أشعاراً وقصائد تهاجم مبارك شخصيا وتنتقد التوريث.

ولكى لا أطيل عليك - لأننى لا أحب أن أزيد وأزبد - إننى مشفق بشدة على المفكرين العراقيين الحقيقيين من بطش “مالكك” و”سيستانك” وجهابذة ”أسيادك الكاوبوى” و”الصفويين” وأقول إننى لو كنت مواطناً عراقيا الآن لقتلت على الفور وأسرتى عن بكرة أبيها .

أليست هذه هى الحرية التى تتشدق بها يا طالب فى “عراقك” الجديد بعدما جئتم بها من خلال طائرات المارينز وقتلتم قرابة مليونين و350 الف شهيد وأصبتم نحو 5 ملايين وشردتم نحو 4 ملايين آخرين ” وهذه معلومات وليست كلاما لفض المجالس - كما نقول فى مصر - وهى منشورة فى مواقع غربية أمريكية وفرنسية وروابطها موجود فى مقال لى بعنوان “ماذا تبقى من العراق ليحكمه المالكى” .. إنكم يا طالب تثيرون اشمئزاز أحرار العالم .. ولا يمكن لأحد أن يطفىء نور الشمس , لأنه قادم.


الاسبوع 21 نوفمبر 2011

إنها هى .. نظم "بوش " المارقة

هل تتذكرون الإطلالة المشئومة للرئيس الأمريكى السابق جورج دبليو بوش فى أعقاب أحداث ١١ سبتمبر متحدثًا عن الدول المارقة فى عالمنا العربى قاصدًا تلك الدول التى "مرقت" عن الحظيرة الأمريكية؟ هل تتذكرون وهو يحدد 80 نظامًا للحكم فى العالم قائلاً إن أمريكا وحلفاءها الغربيين سيعملون على إزالتها من أجل حفظ ما أسماه السلام العالمى وأمن أمريكا وحلفائها لاسيما إسرائيل؟ ألم يسم الرئيس الأمريكى نظم الحكم فى العراق وسوريا وليبيا واليمن والجزائر والسودان وموريتانيا وحزب الله وحماس وإيران وأفغانستان والصين وكوريا الشمالية؟ ألم تجرب الولايات المتحدة التدخل العسكرى المباشر فى العراق وأفغانستان فقتلت الملايين من أبنائهما ولكنها فى المقابل منيت بخسائر مادية وبشرية مرتفعة وضعت سمعتها العسكرية والمالية والأخلاقية على المحك رغم ما تكشف عن إنفاق وزير الدفاع السابق شوارتسكوف قرابة مائة مليار دولار من أجل شراء ذمم وسائل الإعلام فى العالم أجمع وخلق أكبر دعاية سوداء عرفها التاريخ ضد النظام العراقى عام ٠٩٩١؟ ألم يرهق الجزار الأمريكى من أعمال القتل والسلخ فراح يتبع أساليب التفتيت واللعب من وراء الكواليس فشطر السودان إلى جزئين وما زالت عمليات الانشطار تتوالى فى الولايات السودانية ثم فوجئنا مؤخرًا بوصولها إلى القلب حينما أعلنت مجموعات مجهولة تشكيل مجلس "ثورى" للإطاحة بنظام الخرطوم؟ إذن.. لماذا لا نعتبر "الثورات" فى ليبيا وسوريا واليمن هى استكمال لمخطط القضاء على النظم "المارقة" واستبدالها بنظم موالية خاصة لو وضعنا فى الاعتبار ما ذكره الرئيس الروسى مؤخرًا ميدفيدف أن الناتو يسعى لبناء أكبر قاعدة عسكرية له على السواحل الليبية؟ وبمناسبة الحديث عن القواعد العسكرية الأجنبية فى عالمنا العربى يجب أن نتساءل عن السبب وراء انفجار تلك الثورات فى الدول العربية التى لا تستضيف قواعدًا أجنبية، لا فرق بين غنى وفقير بينهما، أو وجود حالة متضخمة من الاستبداد فى نظم حكمها أو عكس ذلك.

حينما بدأ الحراك العربى يبزغ فى الأقطار العربية.. تخلى الكثيرون من المعنين بالشأن العام العربى عن رؤيتهم القطرية والفكرية وسارعوا بالانخراط فى صفوفه.. وهيئ للجميع أن حلمًا طال انتظاره فى دولة عربية موحدة وقوية ورائدة وعادلة أصبح قاب قوسين من التحقق.

وخيل إليهم- وأحسب نفسى واحدًا منهم- أنه للوصول للهدف المنشود عقبات لابد من تخطيها واحدة تلو الأخرى دونما اختيار أو مراوحة أو مفاضلة، ومن تلك العقبات القضاء على الاستبداد الذى لا يمكن أن يتحقق دون القضاء على الهيمنة الخارجية وما يتلوها من قوانين تضمن العدالة وتحث على الفضيلة والخصوصية واستعادة روح المبادرة والسبق.

وقد عززت الثورتان المصرية والتونسية هذا الخيال، وأقول خيال لأنه لم يسر على تلك العمومية فى جميع الأقطار، بل راحت الثورات تنتقى بين دولة وأخرى، ونظام وآخر، الأمر الذى فاضل بين شيطان وشيطان مع أن الجميع يستحقون الرجم.

الصورة واضحة للغاية، يدركها من له أدنى بصيرة، فالولايات المتحدة أرادت من تفجير تلك الثورات أو تصنيعها فى عالمنا العربى أمرين اثنين الأول هو "ترميم" وليس "تغيير" نظم حكم مستبدة موالية لها كانت قد أوشكت على التداعى وهو ما حدث فى مصر وتونس..

أما الأمر الثانى فهو "تصنيع" ثورات تحت مجهر إعلامى مكثف ومتعدد الزوايا يركز على الأخطاء دون المزايا ويصنع الحدث من العدم، ويلعب على معضلة الجدل السياسى لدى قطاع كبير من شعبنا العربى الذى لا يستطيع أن يميز بين الغث والثمين والثورة والمؤامرة، مستخدمًا فى ذلك حسن نيته، رغم أن الرسول الكريم يقول- فيما معناه- إن الطريق إلى جهنم مفروش بالنوايا الحسنة.

ولعل اتباع الولايات المتحدة هذا الأسلوب فى التخلص من خصومها لم يكلفها أى خسائر لا فى الجنود ولا فى الأموال بل إنها هى الرابح الوحيد بين القاتل والمقتول من بنى جلدتنا، حيث راحت تصادر الأموال المجمدة فى البنوك لتنتشلها من إفلاس وشيك فضلاً عن إنها كسبت أصدقاء جددًا وآبار نفط جديدة تؤمن لها حاجات نهضتها النفطية بالإضافة إلى أنها "حسَنّت" من وجهها القبيح لدى "عوام" العرب وسوقتهم الذين بدءوا يؤمنون بشرعية الاستعانة بالأجنبى فى أزماتهم الداخلية وهو ما يخالف الإسلام وشريعته جملة وتفصيلاً.

وليت ذلك فحسب بل دارت ماكينات تصنيع الأسلحة لديها ولاقت رواجًا كبيرًا مرتين: الأولى وهى تبيع الأسلحة التى تهدم بها النظام المراد إزالته والثانية وهى تؤسس لجيش النظام الجديد الذى ستنصبه فى السلطة.

وفى هذا الصدد وجب أن نذكر أن طيارًا عراقيا ذكر فى لقاء أجرى معه أنه إبان أحداث غزو العراق ٣٠٠٢ صعد إلى طيارته الحربية للتصدى لفوج من طائرات الاحتلال إلا أن الطائرة لم تتحرك بتاتًا ولم يلبث أن جاءه أمر القيادة بالهروب من الطائرة فورًا وما أن تركها حتى انفجرت وذلك لأن لكل طائرة أو صاروخ أو أى سلاح غربى مهم »شيفرة« تحتفظ بها الدول البائعة للسلاح باستخدامها عبر الأقمار الصناعية يجرى تدميرها ذاتيا بمجرد إدارة »المحرك« ونشرت مواقع غربية أن الأسلوب نفسه تم استخدامه مع السلاح الليبى الفتاك حيث دمرت كل مخازن الصواريخ سام ٩ آليا قبل أيام من اعتقال العقيد معمر القذافى فى ركب عسكرى فى سرت وتسليم الأمريكان إياه لثوار مصراتة بحسب صحيفة "صنداى إكسبريس" الأمريكية.

وقد يقول قائل إننى اتهم الثورة المصرية بأنها ثورة أمريكية تهدف لتغيير نظام مبارك الماسونى، قطعًا أنا لم أقل ذلك ولكن أؤكد أن الثورات الحقيقية فى عالمنا العربى تمثلت فى الثورة المصرية والتونسية ولكن ما أرادته أمريكا من الثورة المصرية فقط هو تفريغ "بالون" الغضب ضد مبارك الذى أوشك على الانفجار عبر إزاحته معززًا مكرمًا مشكورًا بأمواله المسروقة من الشعب وتبديله بحاكم آخر، إلا أن الغضب المصرى كان أكبر مما خططه له الأمريكان ورجالهم فى الداخل والخارج.

لست أدرى لماذا كلما بحثت فى وعى الناس الجمعى تذكرت أحاديث الرسول الكريم حينما قال- فيما معناه- إنه فى آخر الزمان سيقتل المسلمون المسلمين وكلاهما يهتف الله أكبر، وقوله "ص" للمسلمين إنه سيكون أشد أعداء المسلمين منهم يرتدون زيهم وينطقون بلغتهم ويصلون خمسهم ويصومون شهرهم وقوله أيضًا عن أنه سيكذب فيه الصادق ويَصَدُقُ فيه الكاذب ويفتى فى أمور العامة الرويبضة.

صدقت يا حبيبى يا رسول الله.. صدقت يا رمز العروبة والإسلام

*****

الاسبوع 28 نوفمبر 2011

فزاعات الثورة .. والدعم الربانى

رغم كل محاولات إجهاضها .. إلا أن الأحداث على الأرض تؤكد أن شعب مصر لايزال مصرا على التغيير الشامل , التغيير الذى لا يقنع بتبديل الوجوه والإبقاء على السياسات , لا يقنع بعمليات "ترميم " نظام مبارك وليس إزالته, التغيير الذى لا يمكن أن يظهر معه من يتهم الثوار بأنهم خونة ينفذون أجندات الخارج , وأنهم قلة مندسة تتلقى دعما ماليا من أعداء الوطن وهم لا يعبرون عن الشعب المصري وكأنهم كائنات فضائية هبطت من السماء.

الثورة مستمرة رغم كل محاولات الترويع والتخويف والتخوين عبر اللعب على ثلاثة محاور من أجل عزل الثوار عن الشعب مستغلين فى ذلك انخفاض وعيه السياسى , وهو الانخفاض الذى نجم جراء سنوات طوال وخطط مدروسة لتحويل الإنسان المصري إلى كائن بيولوجى يفكر بغرائزه ومعدته وليس بعقله.

ومن المحاور التى راح القائمون على أمر إجهاض الثورة إتباعها "مسألة تخوين الثوار" والادعاء بأنهم مأجورون جاءوا لاستهداف مصر والانحياز لتحقيق مصالحهم الخاصة على حساب مصلحة مصر , وهو ذات الأسلوب المتبع إعلامياً فى عهد مبارك حينما اتهم الملايين فى ميادين مصر بالعمالة للخارج وتلقى وجبات "كنتاكى" وأنه لن يسمح إزاء ذلك التأمر بتسليم مصلحة البلاد العليا لإسرائيل .

وما أن سقط مبارك حتى صار مؤكدا أن مبارك لا الثوار هو من كان عميلا لإسرائيل وأمريكا , وأن الخراب الهائل الذى لحق بكل مناحى الحياة فى البلاد بطريقة لم تكن تطمح لتحقيقها حتى إسرائيل جاء جراء سياساته .

نجحت الثورة فى خلع مبارك إلا أنها لم تخلع رجاله ومناهجه , حيث راح القائمون على امر البلاد يتبعون نفس النهج فى تخوين الثوار بل وراحوا يضيفون مؤثرات جانبية تؤكد مزاعمهم.

بدأت تلك المؤثرات بافتعال أحداث السفارة الإسرائيلية بما سبقها من دعوات لاقتحام الحدود المصرية - الفلسطينية فضلا عن التفجيرات المتكررة لخط الغاز المصرى المؤدى لإسرائيل.

ولعل الهدف من وراء تلك الأحداث محاولة إيهام "عامة" الشعب بأن "الثوار"بسوء نية منهم يسعون لإشعال حرب مع الكيان الصهيونى , وهى الحرب التى لم نكن قد اعددنا لها العدة وقطعا سنخسرها.

يترافق مع تلك الأحداث إلقاء القبض على جواسيس "وهميين"فى ميدان التحرير جاءوا لتحريض الثوار على التخريب , وقد بدأ ذلك السيناريو عبر اعتقال ما وصفوه بأنه جاسوس اسرائيلى يدعى جرابيل متهمينه بأنه كان يحرض الثوار على التخريب , وقد بدا جرابيل فى الصور التى التقطت له وكأنه يقول للشعب أو من يصوره " أنا جاسوس اسرائيلى جئت لتخريب مصر مع الثوار " وراحت وسائل الإعلام تزيد وتزبد فى تفاصيل وأهداف تواجد هذا الصيد الثمين فى الميدان.

 وبعد كل هذه الدعاية التى تهدف الى تشويه سمعة الثوار تم تسليم الجاسوس المزعوم إلى إسرائيل فى مقايضة مع عدد من المسجونين المصريين "جنائيا " فى سجون اسرائيل , الأمر الذى القى بظلال من الشك الكثيفة حول الحادث برمته لأن الموساد الاسرائيلى الذى اخترق بحرفية عالية معظم أنظمة الحكم فى العالم العربى أو الاسلامى لا يمكن أن يكون رجاله يكل تلك السذاجة التى تجعلهم يحضرون لالتقاط الصور التذكارية فى ميدان الثورة الرئيسى , تلك الثورة التى جاءت للإطاحة بصديق إسرائيل وأمريكا الاستراتيجى .

ومن الأمور الأخرى كذلك الخبر المدهش الذى تناقلته الفضائيات والصحف عن قيام طائرة عسكرية مصرية باقتحام الأجواء الإسرائيلية وحلقت حوالى 24 دقيقة فوق مفاعل ديمونة النووى , وهو خبر مع حجم سذاجته يثير التهكم من أمر الذين أطلقوه .

وتلى ذلك أخبار تناقلتها الصحف والفضائيات عن أن إسرائيل تسعى لشن حرب ضد مصر خلال الايام المقبلة , ولعل هذا الخبر وسابقه مجرد اخبار وجهت لعامة الناس من الأغلبية "المغيبة" دون نخبتهم تهدف لاثارة خوفهم من انفجار الحرب , وبالتالى رفض المظاهرات المطالبة باستكمال الثورة بحجة إعطاء الجيش الفرصة لحماية امن البلاد الخارجى , رغم أن الثوار يطالبون المجلس العسكرى بتسليم السلطة للشعب وتفرغه لمهمته الأساسية فى حفظ امن مصر الخارجى دون التدخل فى الشأن الداخلى .

وثانى المحاور التى يتم تصنيعها واستغلالها للحيلولة دون استكمال الثورة هو محور الأزمة الاقتصادية ويتم ذلك عبر التركيز على أخبار الخسائر وانهيار البورصة وكساد السياحة والكساد والتضخم وأزمات الوقود والخبز واتهام المظاهرات بالوقوف وراءها , رغم أن القائمين على حكم البلاد لا الثوار هم أيضاً المتسببون فى تفجر تلك الأزمات عبر رفضهم المتكرر تنفيذ مطالب الثورة او تنفيذها بصورة باهتة لا تسمن ولا تغنى من جوع.

وآخر هذه المحاور الثلاثة محور الانفلات الأمنى وهو المحور الذى يتم خلاله التلويح باستهداف الأمن الشخصى لكل مصري جراء حالة الفوضى التى تجتاح الشارع الآن , وإلقاء المسئولية كاملة خلف الثورة والمظاهرات .

ويتمثل نشاط هذا المحور فى إطلاق يد البلطجية فى كل شبر فى مصر دون حسيب أو رقيب مع التعلل بأن الوهن الذى لحق بالداخلية كان جراء الثورة والثوار وهم يتحملون المسئولية , يأتى ذلك رغم انه لو صدقت النوايا لتم اعتقال هؤلاء البلطجية والخارجين الذين صاروا بقدرة قادر أكبر تنظيم خاص مسلح فى مصر فى مدة أقصاها أسبوع أو أسبوعين نظرا لأنهم – أى البلطجية- مسجلون ومعلومو البيانات والعناوين والجرائم التى ارتكبوها.

أنا فى الحقيقة لا أتهم المجلس العسكرى بالتآمر على الثورة بقدر ما أننى أنبهه إلى خطايا نجمت عن سوء تقدير فى حساباته , خطايا أوشكت أن تدخل البلاد فى نفق مظلم , خطايا قد لا تكون مقصودة – وهذا وارد – ولكنها وفرت للقوى المضادة للثورة وهم كثيرون ملاذا آمنا للنفاذ منه إلى ربوة التل وذروته, وحرمان الشعب من جنى ثمار أشجار روتها دماء الشهداء فى ميادين مصر فى تحقيق العدالة والمساواة وتوقف اللصوص الفورى عن "حلب " البقرة الحلوب دون سواهم .

المجلس العسكرى وهو يرأس مؤسسة لا يكن لها المصريون إلا كل احترام وتقدير لم يكن ثوريا بنفس تلك الثورية التى طمح إليها الثوار, وما بين هذا وذاك – والشيطان عادة يكمن فى التفاصيل – تسلل الشك إلى القلوب , وظهرت الفوارق بين الثوريتين , الثورية الشمولية التى تريد التخلص للأبد من كل ما يمت للقديم , والثورية التى تسعى للتخلص من عالم الشخوص دون الأفكار , من هنا نجمت ثورة التحرير الثانية.

رغم هذا , نقول إن ثورة صنعها الله لا يمكن أن تقف أمامها قوة بشرية , وأى محاولات لإجهاضها ستؤل للفشل كما آلت المحاولات السابقة وان الله يؤيد مصر ولو كره الفاسدون.

 


فهرس الكتاب

 

                                 الموضــــــــوع    

الصفحة



هذا الكتاب

5


الفصل الأول

الثورة .. إرهاصات ونتائج

7


الفصل الثانى

الثورات العربية بين المطالب المشروعة .. والمؤامرات

53


الفصل الثالث

مخاطر حول الأدمغة العربية

99


الفصل الرابع

هموم الوطن

133

 


التعليقات (0)

أضف تعليق
الأسم  
البريد الالكترونى    
عنوان التعليق  
التعليق  

ملفات مصورة
استطلاع رأى
هل توافق علي خارطة الطريق التي وضعها الجيش




  
أراء حرة
وجوه من المقاومة
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص: "لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ، لَعَدُوِّهِمْ قَاهِرِينَ، لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ إِلاَّ مَا أَصَابَهُمْ مِنْ لَأْوَاءَ، حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَيْنَ هُمْ؟ قَال: "بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ وَأَكْنَافِ بَيْتِ الْمَقْدِس"

"الشهيد فتحي الشقاقي"
"الشهيد أبو علي مصطفى"
إسرائيل من الداخل